من جنوب الصحراء الإفريقية إلى تونس: رحلة البحث عن الكرامة


2020-10-06    |   

من جنوب الصحراء الإفريقية إلى تونس: رحلة البحث عن الكرامة
رسم عثمان سالمي

تداول نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يوثق تعرض مهاجر من أصول إيفوارية للاعتداء الجسدي عندما كان يطالب ربّ عمله بخلاص مستحقاته المادية. ولئن لاقى هذا الفعل المشين استنكارا وتنديدا واسعين لدى الرأي العام التونسي لما يعنيه ذلك من اعتداء عنصري يمسّ من آدمية المهاجرين الأفارقة، فإنه أعاد إلى الأذهان تساؤلات جدية حول هشاشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لهذه الفئة، وأوجه القصور في المنظومة القانونية والحقوقية التونسية لحماية حقوقهم والحفاظ على كرامتهم، علما أن نسبة المقيمين غير النظاميين بلغت 24,6% من مجموع المهاجرين المتواجدين على التراب التونسي، 33% منهم من النساء. فرغم التقدم الحاصل في التشريعات التونسية على غرار صدور القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الإتجار بالبشر، ما تزال العراقيل السياسية والمؤسساتية والأمنية والثقافية تلقي بظلالها على هذا الملف الذي لم ينل نصيبه من ثمار رياح التغيير التي هبت على تونس ذات 2011.

 

ما أشبه اليوم بالأمس

لم يكن تعارض سياسة الدولة التونسية مع عدالة قضايا الهجرة والمهاجرين أبدا وليد اليوم. كما أنه لم يقتصر على موقفها من الوافدين من دول جنوب الصحراء، بل شمل أيضا القادمين من بلدان المغرب العربي، لا سيما المغرب والجزائر، حين اختارت عديد العائلات المغربية والجزائرية الاستقرار للعمل في الحوض المنجمي[1] منذ عشرينيات القرن الماضي. إذ يشير تقرير صادر عن المعهد الوطني للإحصاء بعنوان تونس من خلال التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014، إلى أن عدد المغربيين والجزائريين المقيمين في تونس قد بلغ قرابة 15 ألف شخص سنة 2014. ولم يشفع لهؤلاء مرور قرن على تواجدهم في البلاد، حيث بقيت نسب حصولهم على الجنسية التونسية ضعيفة جدا كما ذهبت إلى ذلك دراسة أنجزها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (27 % فقط من المغربيين يوفقون في الحصول على الجنسية التونسية). وأشار العديد من المستجوَبين في إطار نفس هذه الدراسة إلى “صعوبات حقيقية في إمكانية الولوج إلى الخدمات العمومية أو التغطية الصحية أو العمل دون حيازة شهادة الإقامة”. اليوم كما البارحة، تلاحق نفس هذه الإشكاليات، التي واجهت المغربيين والجزائريين منذ قرن، الوافدين على تونس من بلدان جنوب الصحراء، بل أصبح الأمر أكثر مأساوية[2] في ظل النزاعات الإقليمية المسلحة التي أثرت بشكل كبير على تنامي العنصرية والتمييز ضد هؤلاء المهاجرين الذين يعانون من سياسة “الإنقاذ والترحيل” التي تنتهجها دول جنوب المتوسط بدعم وتمويل من الجار الشمالي الذي اقتصر دوره على عسكرة حدوده ودعم الحلول الأمنية.

 

الصحراويون في تونس ورحلة البحث عن الجنة المفقودة

إضافة إلى الجالية الإفريقية المتكونة أساسا من الطلبة والمتمتعين بعقود عمل، تضاعفت أعداد المهاجرين الأفارقة غير النظاميين الذين فشلوا في العبور إلى الضفة الشمالية للمتوسط انطلاقا من الأراضي التونسية خلال الثلاث عقود المنصرمة. وقد أدى تبخر هذا “الحلم” إلى نشوء وضع إنساني مأساوي ومعقد لما يقارب 57 ألف مهاجر غير نظامي[3] يعيشون في دولة لا زالت تتلكأ في إنشاء إطار قانوني منصف يحفظ كرامتهم. البعض من هؤلاء محتجز بشكل اعتباطي في مراكز “التوجيه” رغم أن القانون التونسي والمعاهدات الدولية التي وقعتها تونس تمنع هذا النوع من الإجراءات ضد المهاجرين، كما هو الحال بالنسبة للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب. ولم يمنع نجاح بعض منظمات المجتمع المدني التونسي والمحامين في إطلاق سراح البعض من هؤلاء المهاجرين المحتجزين دون وجه حق، هذه الفضاءات من مواصلة استقبال نزلاء جدد من جنسيات مختلفة في ظروف لا انسانية. أمّا من نجا من هذه المراكز، فسيجد خارج أسوارها أشكالا أخرى من المعاناة.

إذ تتعرض المهاجرات على وجه التحديد، اللواتي يعملن بالأساس كمعينات منزليات إلى أبشع أنواع الاستغلال من طرف الوسطاء وأرباب العمل. فقد ذكر التقرير السنوي للهيئة الوطنية لمكافحة الإتجار بالأشخاص لسنة 2018، أن 40,5% من ضحايا الإتجار بالبشر في تونس هم إيفواريون، حيث أن 3 من أصل 7 حالات تشغيل قسري تتعلق بالرعايا الإيفواريين الذين يمثلون الجنسية الأكثر تضررا من جرائم الإتجار بالبشر في تونس سنة 2018. كما أن 78% من المهاجرين الذين أنجبوا أطفالا على الأراضي التونسية يفشلون في تمكين أبنائهم من الجنسية التونسية بسبب التعقيدات الإدارية. في ذات السياق، تجدر الإشارة إلى أن 51,1% من المهاجرين تعرضوا لأعمال عنصرية وكراهية من طرف مواطنين تونسيين تتراوح بين العنف الجسدي والتحيل والإبتزاز. كما أن 90,3% منهم لا يتمتعون بالتغطية الصحية. تُبيِّن كل هذه المؤشرات مجتمعة أن الدولة التونسية لا تمتلك سياسة منصفة تجاه المهاجرين الغير نظاميين، رغم أنها وقعت على الاتفاقيات الضامنة لحقوق هؤلاء. لكن، يبدو أن الإشكال أخذ أبعادا عملية تتجاوز مجرد المصادقة على الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية على أهميتها. 

 

الصحراويون ولعبة السياسة

خلال الانتخابات التشريعية الفارطة راسل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأحزاب السياسية التي تقدمت بمرشحين للمجلس النيابي لحثهم على ضرورة تبني جملة من القوانين والقرارات المناصرة لحقوق المهاجرين. إلا أن المنتدى لم يتلقّ أي إجابة من هذه الأحزاب التي رفضت جميعها، ومن دون استثناء، الدفاع عن قضاياهم. يعزو رمضان بن عمر المكلف بالإعلام في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية هذا الصمت السياسي إلى “خشية الساسة من إثارة حفيظة قاعدتهم الانتخابية إذا تم الإعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين، خاصة الحق في العمل، الذي يمكن أن يحرم عددا من التونسيين من مواطن عمل محتملة. بهذا المعنى، بقيت المعالجة السياسية لقضية اللاجئين سجينة المصالح الانتخابية الضيقة التي تحول دون إقرار صريح لحقوق المهاجرين في تونس، وحالت السياسة دون التحاق تونس بركب المناصرين لقضايا المهاجرين والقيم الكونية التي من المفترض أن تدافع عنها الديمقراطية الناشئة”.

وقد كانت السلطات المغربية سباقة في شمال أفريقيا في مسار تسوية[4] وضعية المهاجرين غير النظاميين منذ سنة 2014. ومع أن عدد المطالب المقبولة كان أقّل من التي تمّ رفضها، إلا أنها كانت تجربة فريدة من نوعها شارك في أعمالها المجتمع المدني المغربي وقدم تصوراته ومقترحاته لحل هذا الملف. ويذكر أن لجنة “المتابعة والإنصاف” المغربية قامت بتسوية وضعية كل المهاجرات غير النظاميات آنذاك. في المقابل، ترفض السلطات التونسية إلى حدود اليوم، ودون أن تعلن عن ذلك صراحة، تسوية ملفات المهاجرين غير النظاميين لأنها تنظر إلى التكلفة الاجتماعية لهذه التسويات، خاصة وأن نسبة البطالة بلغت أرقاما غير مسبوقة في الآونة الأخيرة قُدرت ب 18%[5].

 

إطار تشريعي وحقوقي أعرج 

رغم أن تونس وقعت على عديد الاتفاقيات الدولية لمنظمة العمل الدولية الضامنة لحقوق المهاجرين على غرار المعاهدة عدد 87 حول الحرية النقابية وحماية الحق النقابي في سنة 1948 والمعاهدة عدد 98 حول الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية، إلا أنها لم تصادق على المعاهدة عدد 97 وفصولها التكميلية عدد 143 المتعلقة بالعمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم[6]. ويمثل ذلك عائقا حقيقيا أمام تشغيل الأجانب رغم أن المساواة الشغلية مضمونة في مجلة الشغل التونسية التي تشترط الإقامة القانونية للتمتع بحق الشغل وهو ما يستوجب إصلاح الأطر التشريعية  بهدف مواءمتها مع المبادئ الكونية والدستور الجديد. وقد أوصت الهيئة الوطنية لمكافحة الإتجار بالبشر في تقريرها السنوي لسنة 2018 بضرورة تفعيل أحكام القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الإتجار بالأشخاص ومكافحته بإصدار النصوص التطبيقية التي تضبط تنظيم الهيئة وسير عملها وتخصيص اعتمادات تمكنها من الاضطلاع بدورها والإسراع بالمصادقة على اتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة الإتجار بالبشر لسنة 2005 والتعجيل بسن الأمر الحكومي المتعلق بمجانية العلاج لضحايا الإتجار بالأشخاص والعمل على إدراج الطفل ضحية جرائم الإتجار بالأشخاص ضمن التنقيح الذي ستشهده مجلة حماية الطفل، خاصة وأن 30,2% من المهاجرين يكونون مصحوبين بأبنائهم الذين يمكن أن يصبحوا بدورهم ضحايا محتملين للإتجار بالبشر.

 

أي دور للدولة؟

لم تقتصر الصعوبات على هذه النقائص التشريعية والحقوقية فقط، بل شملت أيضا الجوانب المؤسساتية التي حالت دون تطوير عمل الهيئة الوطنية لمكافحة الإتجار بالبشر على غرار العوائق المادية التي تواجهها منذ تأسيسها. لذلك، نبهت إلى ضرورة تمكينها من الموارد المادية اللازمة لتستطيع الاضطلاع بدورها على أحسن وجه خصوصا عندما يتطلب الأمر التنقل للجهات الداخلية والحدودية التي تقع فيها غالبية جرائم الإتجار بالبشر. وشددت الهيئة الوطنية كذلك على ضرورة القيام بحملات توعوية لنشر ثقافة مكافحة الإتجار بالأشخاص في المؤسسات التربوية ووسائل الإعلام العمومية والخاصة لتغيير نظرة التونسيين لقضية الهجرة والحد من التمييز العنصري والعنف المسلط على هذه الفئة الهشة التي تراوحت حاجياتها بين المساعدة على إعادة الإدماج في البلد الأصل والإعفاء من الخطايا القنصلية والمصاحبة القانونية والاجتماعية، وهو ما يتطلب انخراطا ومعاضدة أكبر من طرف الدولة.

 

لئن نجحت تونس في تحقيق مكاسب قانونية وحقوقية مهمة في مجال مكافحة الإتجار بالبشر، إلا أنها لا زالت لم توقع بعد على عديد الاتفاقيات الدولية الضامنة لحقوق المهاجرين، ولم توائم بعد العديد من نصوصها التشريعية للحدّ من الانتهاكات ضد الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء. كما أن انخراط تونس في سياسة “الإنقاذ والترحيل” بالشراكة مع الجار الأوروبي يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي حالت دون إيجاد مقاربة حقوقية لقضايا الهجرة تتجاوز الحلول الأمنية وتراعي حقوق شعوب الجنوب.

 

[1]  مجموعة البلدات الواقعة منطقة إنتاج الفسفاط في محافظة قفصة في الجنوب الغربي لتونس

[2]  دراسة بعنوان: Rapport conjoint de mission: POLITIQUES DU NON-ACCUEIL EN TUNISIE – الرابط: http://ftdes.net/rapports/ftdes.migreu.pdf

[3]  منظّمة الهجرة الدولية

[4]  أطلقت السلطات المغربية سنة 2014 مسارا لتسوية الوضعية القانونية للمهاجرين الغير نظاميين على مرحلتين. شملت المرحلة الأولى سنة 2014 أكثر من 23 ألف مهاجر. أما المرحلة الثانية فكانت سنة 2016 وانتهت بتسوية وضعية 11 ألف مهاجر ورفض 25 ألف مطلب آخرين.

[5]  المعهد الوطني للإحصاء

[6]  الاتفاقية الدولية المتعلقة بحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم والاتفاقيات عدد 97 -143 و189 لمنظمة الدولية للعمل

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مساواة ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *