ملاحظات على مشروع قانون التنظيم القضائي في المغرب: التضييق على القضاء الإداري غير دستوري


2016-09-06    |   


لقد شكل الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 منعطفا حاسما في تاريخ القضاء المغربي، فيما نص عليه من الرقي بالقضاء إلى سلطة مستقلةعن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، تعزيزا لاستقلاليته مع تخويل المجلس الأعلى للسلطة القضائية مهمة حماية الضمانات الدستورية للقضاة الكفيلة بترسيخ الثقة في قضاء مستقل وكفء ونزيه ومحايد وفعال. وإذا كان القضاء حسب الفصل 117 من الدستور، يتولى حماية الحقوق والحريات، فإن القضاء الإداري يعتبر وفقا لهذا المنظور حجر الزاوية في صون المشروعية التي عمادها سيادة القانون والمساواة أمام القضاء، بما تعنيه من ضمان الحقوق والحريات الفردية والجماعية على حد سواء.

ولهذه الغاية، سنّ الفصل 118 من الدستور في مجال القضاء الإداري، مرتكزين أساسيين للمشروعية: أولاهما مبدأ دستورية الرقابة القضائية وثانيهما مبدأ حظر تحصين أي قرار إداري من الطعن الإداري.
وفي هذا الإطار، يقتضي تعزيز السلطة القضائية طرح مجموعة من التساؤلات الدستورية عن موقع ومركز القضاء الإداري في مشروع قانون التنظيم القضائي، لا سيما مع التنصيص على إمكانية إحداث غرف متخصصة قضائية للنظر في القضايا الإدارية في بعض المحاكم الابتدائية التي لا توجد في دوائرها محاكم إدارية. كما أن تجاهل إحداث مجلس الدولة يقتضي مناقشة التفاضل بين وحدة النظام القضائي أو حتمية ازدواجية هذا النظام. وهذه المناقشة تصبح أكثر إلحاحاً بعدما أثبت القضاء الإداري ريادته في حماية الحقوق وصون الحريات وإنشاء وتطوير القواعد القانونية، مما يجعله خيارا استراتيجيا محمياً ومحصناً دستورياً لا يمكن التراجع عنه.

ولتفعيل المرتكزات الدستورية الموضوعية باعتبارها قواعد لسير العدالة وحماية المتقاضين، نص الدستور في فصله 114 على إحداث هيئة قضائية إدارية عليا باعتبارها المرجع القضائي الذي سيعلو هرم القضاء الإداري. وينيط هذا الفصل بهذا المرجع المزمع إنشاؤه، النظر كمحكمة قانون في طلبات النقض الموجهة ضد القرارات النهائية الصادرة عن محاكم الاستئناف الإدارية فضلا عن تقديم الاستشارات القانونية لمختلف الإدارات العمومية ومهام قضائية أخرى. وبذلك، يستحدث هذا الفصل دعامة جديدة لبناء دولة الحق القائمة على احترام مبدأ المشروعية الدستورية وصون الحقوق وحماية الحريات، دعامة تضاف إلى ما كان سبق النظام المغربي أن حققه مع إحداث محاكم الاستئناف الإدارية. لكن مشروع التنظيم القضائي للمغرب وللأسف عاد للتمسك بمبدأ وحدة القضاء قاطعا كل أمل نحو إزدواجية القضاء.
وهكذا وبعد تشخيص أهم المشاكل المثارة التي تعترض القضاء الإداري اهتدينا إلى حلول جذرية لأهمها من خلال المحاور التالية:
 
أولا:إحداث الغرف المتخصصة الإدارية بالمحاكم الابتدائية العادية
إن الحديث عن إشتغال مختلف مكونات مختلف التنظيم القضائي وفق مبدأ القضاء المتخصص يبقى مجرد شعار لأن واقع الممارسة القضائية تجعل من الأقسام والغرف بالمحاكم هيئات قضائية عامة لا صلة لها بالتخصص، لأنه يمكن لكل قاض أو مستشار بالمحكمة أن يكون عضوا في كل الأقسام والغرف.
وهكذا نصت المادة من 42 مشروع التنظيم القضائي على صنف من المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة المشتملة على أقسام متخصصة في القضاء الإداري، وأضافت المادة 46 على أن هذه الأقسام المتخصصة تحدث بمرسوم بعد استشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية يبين عددها ودوائر اختصاصها المحلي.

وإذا كان إحداث الاقسام المتخصصة للقضاء الإداري فسر بالرغبة في تقريب القضاء من المتقاضين لعدم وجود المحاكم الادارية في كل جهات المملكة ولكون عددها لا يتجاوز السبع محاكم متمركزة في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش وأكادير وفاس ومكناس وووجدة على مستوى محاكم الدرجة الأولى ومحكمتي الاستئناف الاداريتين بكل من الرباط ومراكش، فإن هذا الخيار التبسيطي والسطحي يبدو متجاوزا ويستهدف التضييق على القضاء الاداري وتمييع قواعده، بجعله قضاء عاديا على غرار القضاء العادي تحت مسمى "الأقسام المتخصصة". وما يزيد الأمر قابلية للنقد هو أنه لا دليل على تنظيم أي تكوين للقضاة العاديين على طبيعة القضاء الاداري وتقنياته لأنه قضاء متخصص بقواعد وآليات خاصة لا تأتلف مع طبيعة وخصوصية القضاء العادي وقواعده. ناهيك أنه كيف يمكن القبول عقلا ومنطقا بصلاحية القاضي المدني أو الأسري أو الجنحي بالبت في المنازعات الادارية، مما سيفضي لا محالة لهدم مقومات القضاء الإداري ويعكس الرغبة  الحثيثة في إلغائه نهائيا والعودة عن نظام القضاء المتخصص المستقل.

لقد كان أمام واضعي مشروع قانون التنظيم القضائي حل دستوري وقانوني يتمثل في الزيادة في عدد المحاكم الإدارية لتشمل جميع جهات المغرب دعما لتجربة القضاء الإداري وتطويرا لها، لأن تقريب القضاء من المتقاضين يعني تقريب القضاء المتخصص وليس الاقسام المتخصصة. فمبدأ تحقيق فعالية الحق في التقاضي كحق مضمون يقتضي ضمان قضاء مؤهل وكفؤ ومتخصص. فليس التقريب الجغرافي هو الحلّ الناجع إن كان بعيدا عن تحقيق الغاية، لأن المتقاضي قد لا تهمه المسافات إن كان هناك قرب معنوي يوفر للمتقاضين حاجاتهم في الحماية القانونية لحقوقهم وحرياتهم والتطبيق العادل للقانون بقضاء اجتهادي إداري مبدع وخلاق.
ومن المهم الإشارة أن توزيع الاختصاص بين المحاكم العادية والمحاكم الإدارية للمنازعات الإدارية اختيار مخالف للدستور لكون الفصل 118 واضحاً ولا يقبل أي تأويل مخالف.فكلقراراتخذفيالمجالالإداري،سواءكانتنظيمياأوفرديا،يُمكنالطعنفيهأمامالهيئةالقضائيةالإداريةالمختصة.
وقد تجلّت إرادة المشرع الدستوري واضحة في حماية اختصاص القضاء الإداري بنظر المنازعات الإدارية لتحقيق نجاعته وفعاليته. لكن إرادة واضعي مشروع التنظيم القضائي لم تلتفت لهذا الخرق الدستوري لأن هناك قلقا وانزعاجا بالغين من اجتهادات القضاء الإداري عجلا بهدا الإصلاح غير الدستوري.

 
وهكذا، فإن توزيع الاختصاصبين الأقسام والمحاكم المتخصصة في المنظومة القضائية المغربية لا يمكن بتاتا ربطه بمبدأ حسن سيرالعدالة، لأنه من الأولى ضم جميع المنازعات المتعلقة بالقضايا الإدارية وإخضاعها لرقابة هيئة قضائية موحدة، لتفادي تشتت منازعات بين أنظمة قضائية  مختلفة،مما قد يؤدي إلى تعارض الأحكام، مع ما يستتبعه ذلك من إلحاق بالغ الضرر بالمتقاضين، فالرغبة إذن يجب ان تكمن في ضمان تفسيرموحد للقانون وتوحيد الاجتهاد القضائي. والجدير بالذكر أن مبدأ حسن سيرالعدالة، لم يعد ينحصر في المفهوم التقليدي الذي يعني السرعة في التقاضي، تكوين القضاة، إنشاء مختلف الأجهزة القضائية، وحسن تنظيم إدارة العدالة، بل تطور ليبلغ حد البحث عن الهيئات القضائية الأكثر ملاءمة، للنظرفي مثل هذه القضايا.[1] ومن المعلوم أن الطبيعة المعقدة للقضايا الإدارية تتطلب تكوينا خاصا، قد لا يتوافر لدى معظم قضاة المحاكم العادية، هذا من الناحية الموضوعية، أما من الناحية المسطرية، فالقاضي العادي قد  لا  يتكيف على طبيعة المسطرة الإدارية، التي تقتضي تدخلا أكبر وفعالية أكثر، في توجيه الدعوى، والبحث عن وسائل الإثبات، بالنظر للسلطات الواسعة التي يتمتع بها القاضي الإداري، والتي تخوله دائرة واسعة في استقصاء العدالة، وتقصي العيوب التي تشوب القرارات الإدارية للسلطات الإدارية.

 
ثانيا: لماذا الإمتناع عن إحداث مجلس الدولة؟
تضمن مشروع قانون التنظيم القضائي للمغرب الإبقاء على الغرفة الإدارية بمحكمة النقض كجهة للطعن في قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية. وهذا المقترح غير دستوري وغير منصف وهو يخالف مبادئ الحياد والعدالة التي تقتضي تولي جهة قضائية حيادية لا ينتمي أعضاؤها أو رؤساؤها للمجلس. فالمتقاضي في حاجة إلى قاضيه الطبيعي وهو القاضي الإداري على مستوى الدرجة العليا لإحقاق الحقوق ورفع المظالم ورد الشطط. كما أن المواطن يحتاج لقضاء كفئ مستقل ومحايد يتميز بالتخصص والاحترافية على جميع مستويات التقاضي .
تتجه أنظار الحقوقيين ،ولاسيما المهتمين بالقضاء الإداري إلى قبة البرلمان حيث ستبدأ مناقشات هذا المشروعفهل سينجح البرلمان في تعديل هذا المقترح في اتجاه إحداث مجلس الدولة؟ 
 ومن المفيد هنا أن نسترجع ا نص الكلمة السامية للملك محمد السادس والتي ألقاها أثناء افتتاح أشغال المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 15 دجنبر 1999. وقد جاء فيها أن "إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط، وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين". وقد تكرست هذه الكلمة في الفصل 114 من الدستور.
وإذ يتجه التفكير الحقوقي الجمعي في معظمه نحو المطالبة الملحة بإحداث مجلس للدولة استكمالا للهياكل المؤسساتية لقضاء إداري فعال،
 
فإن مشروع التنظيم القضائي الحالي، جاء مخيبا للآمال لجهة استعادة ”نظام وحدة القضاء“. وهذا الخيار إنما يطرح التساؤل عن سبب التحفظ على القضاء الإداري. هل يرجع لتكوين الهيئة، أو لعدم تخصيص ندوات للقضاء الإداري، أم يتعلق الأمر بمعاقبة القضاء الإداري على جرأته؟ أو عدم الرغبة في أن يكون للقضاء رأسان، أم جهل بفلسفة القضاء الإداري؟
 
إن المطالبة بإحداث مجلس الدولة ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة لاقتضاء الحقوق ودعم دولة المؤسسات وصيانة المشروعية والمساواة أمام القانون ورفع الشطط في استعمال السلطة ،لذلك فإن تدعيم دوره وتقويته كمؤسسة دستورية تنتظر التفعيل الدستوري يتطلب:

  • ملاءمة التنظيم القضائي مع الدستور الجديد
  • استكمال صرح القضاء الإداري وتكريس ازدواجية كاملة للنظامين القضائي والقانوني.
  • دعم التخصص واحترافية القضاء الإداري ليتطور من خلال فلسفة القضاء الإداري المتخصص وليخرج من رحم القضاء العادي المتشبع بحرفية النصوص وسيطرة الإجراءات الشكلية.
  • تحقيق استقلالية كاملة لمحكمة النقض عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية. فلا يعقل أن تراقب محكمة النقض نفسها في قرارات رئيسها المعتبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة. فتحقيق ضمانة مراقبة مشروعية وملاءمة القرارات التأديبية بصفة جدية وناجعة يستلزم إحداث المحكمة الإدارية العليا لرفع استشعار الحرج عن قضاة النقض وحماية حقوق القضاة في نفس الوقت وبت الطمأنينة والأمان على مصائرهم.
  • تدعيم المشروعية الدستورية في حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية
  • ضمان الأمن القانوني والقضائي من خلال توحيد الاجتهاد القضائي الإداري استحضارا لدور القاضي الإداري في خلق وابتكار جل قواعد القانون العام.
  • مواجهة تراكم القضايا الإدارية وتطور عددها المطرّد كما وكيفا.
  • خلق منافسة شريفة وطيبة بين القضائين ،وتوطيد أركان العدالة والدولة الديمقراطية ببلادنا،
  • دعم تخصص القضاء واحترافية في أعلى هرمه
  • مواكبة التطور الحقوقي في ضوء المقاربة الدولية للحقوق والحريات
  • مسايرة التجارب المقارنة الإدارية التي تأخذ بمجلس الدولة

 
وبالطبع، يفرض إحداث مجلس الدولة تحديات قانونية تتطلب معالجة مسألة الملاءمة مع القوانين الحالية السارية النفاذ بما يكفل ولادة طبيعية دون أدنى مشاكل عضوية أو بنيوية من قبيل تبيئة الظروف لإنجاح التجربة المستقبلية لإنجاح المؤسسة. لهذا، يدخل ضمن مقومات المواءمة:

  • وجوب الحفاظ على مبدأ وحدة النظام الأساسي للقضاة،
  • تشكيل مجلس الدولة يمكن أن يأخذ نفس الآليات المحددة لتشكيل محكمة النقض بمعنى أن يترأسه رئيس أول وأن يتم تقسيمه إلى عدة غرف التي يمكن تقسيمها بدورها إلى عدة أقسام،
  • الاحتفاظ بخصوصية القضاء الإداري من حيث تواجد مفوضين ملكيين للدفاع عن القانون والحق بدل النيابة العامة،
  • تحتفظ مؤسسة المفوض الملكي بنفس الصلاحيات التي تمارسها أمام المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية.
  • فيما يتعلق بالاختصاص، تنقل إلى المجلس نفس الاختصاصات المخولة للغرفة الإدارية بمحكمة النقض .
  • يمكن منح الرئيس الأول لمجلس الدولة منح المساعدة القضائية طبقا لمرسوم 1966
  • يقتضي وضع خريطة قضائية أكثر توازنا من حيث توزيع المحاكم الإدارية وكذا عددها، تماشيا مع التنظيم الجهوي المرتقب
  • إفراد قانون إجرائي خاص بالقضاء الإدارييتلاءم مع خصوصية المادة الإدارية، ويتدارك الإختلالات الإجرائية التي كشفت عنها الممارسة القضائية.
  • تنظيم الفحص المسبق للنظر في قبول الطعن "إذا كان هذا الطعن غير مقبول أو لا يستند على سبب جدي".
  • إشكالية تمديد اختصاص المحكمة الإدارية العليا إلى مجال إصدار الفتاوى القانونية للإدارات العمومية
  • تنظيم مسطرة الطعن بالنقض الإداري بتخويل المحكمة الإدارية العليا صلاحية التصدي الوجوبي.
  • إحداث مؤسسة المفوض الملكي  وتدعيم دورها على صعيد المحكمة الإدارية العليا
  • إحداث غرفة  التنازع للبت في تنازع الاختصاص بجميع صوره بين جهتي القضاء العادي والإداري .

 

 


[1]– محمد باهيأبويونس:الرقابة القضائيةعلى شرعية الجزاءات الإدارية العامة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية 2000 ص227.
انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، المرصد البرلماني ، المرصد القضائي ، المغرب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *