ملاحظات حول مشروع قانون موازنة 2024: إعفاءات كبيرة تحت عنوان “إعادة تقييم”


2024-01-23    |   

ملاحظات حول مشروع قانون موازنة 2024: إعفاءات كبيرة تحت عنوان “إعادة تقييم”
رسم رائد شرف

دعا رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الهيئة العامة لمجلس النواب للانعقاد في 24 و25 كانون الثاني 2024 لمناقشة مشروع موازنة العام 2024 كما عدّلته لجنة المال والموازنة. وللتذكير، فإنّ هذا المشروع جاء بنتيجة دمج قامت به وزارة المالية لموادّ وأرقام مشروعيْ الموازنة لعاميْ 2023 و2024، من دون أن يعرض في صيغته الأخيرة على مجلس الوزراء. وقد تمّ الاستعجال في إنجاز المشروع كيفما أمكن آنذاك بهدف إرسالِه إلى مجلس النواب قبل بداية شهر تشرين الأول حفْظا لإمكانية إقراره بمرسوم حكوميّ في حال امتنع  المجلس النيابي عن النّظر فيه لسبب من الأسباب، وبخاصّة في ظلّ رفض عدد من الكتل المشاركة في التشريع إلى حين انتخاب رئيس جمهورية، ما جعل المشروع مشوبا بأخطاْ وتناقضات عدّة. وعليه، بات هذا المشروع هو الأول من نوعه الذي يُرسل ضمن المواعيد الدستورية منذ العام 2002. وما فاقم من المشاكل التي اعترت المشروع هو أن العديد من الوزارات طلبت من لجنة المال زيادة نفقاتها، الأمر الذي حمل لجنة المال إلى تعديل 87 من أصل 133 مادة في المشروع.

إلّا أنّ هذا المشروع وعلى الرغم من سرعة إقراره ومن ثمّ التعديلات التي أجريت عليه، لا يُمكن فصله عن سائر مشاريع الموازنات التي أُقرّت في السنوات الماضية لجهة الاستمرار في سياسة الترقيع والمعالجة غير المتناسقة لتداعيات انهيار العملة الوطنية التي حملت معها تعميقا للّاعدالة الضريبية، في ظلّ تجاهل تامّ لأي رؤية اقتصادية أو مالية واضحة ولأوضاع الوظيفة العامة والمتقاعدين رغم ارتفاع قيمة الضرائب والرسوم المفترض جبايتها، وفي استمرار للمخالفات الدستورية الفاضحة الواردة فيه.

وقبل المضي في ذلك، تجدر الإشارة إلى أن لجنة المال والموازنة ومعها وزارة المالية حاولتا تظهير إنجاز وهمي قوامه أنّ عجز الموازنة هو صفر، أي أنّ إيرادات الخزينة ستُساوي نفقاتها في العام 2024 من دون الحاجة لأيّ مصدر خارجيّ لتسديد العجز. وقد وصل الأمر إلى حدّ حذف لجنة المال والموازنة لجميع الضرائب والرسوم التي استحدثها المشروع الأصلي لكون الموازنة أخيرا “متوازنة”، والاستغناء عن الاستدانة لسدّ العجز. وفي حين أنّ لحذف الضرائب والرسوم الجديدة تفسيره الاقتصادي لجهة عدم وضع أعباء جديدة على اقتصاد منكمش تُربك عملية استعادة النمو، إلّا أنّ توازن الموازنة لا يستند إلى أيّ معطيات موضوعية ذات صدقيّة. فقد أكّد تقرير لجنة المال والموازنة أنّه تعذّر على وزارة المال تقدير ما يُمكن أن تحققه كلّ مادة من مواد الموازنة على حدة كما طلبت اللجنة. بالمقابل، طلبتْ وزارة المال غير القادرة على تحديد إيرادات مواد الموازنة، اعتبار الواردات المعدّلة في لجنة المال كافيةً لتغطية النفقات المقدّرة في المشروع والتي تبلغ أكثر من 295 ألف مليار ليرة (أكثر بقليل من 3 مليار دولار)، وقد أخذت لجنة المال بذلك لعدم قدرتها على فحص الأرقام. وما يُضاعف من المشكلة أنّ وزير المالية تعرّض لحادث يُفترض أن يمنعه من حضور جلسات مناقشة الموازنة، وبالتالي لا يوجد من يُدافع أو يفسّر الأرقام الصادرة عن وزارة المالية. ورغم أخذ لجنة المال بالأرقام “مرغمة”، اعتبرت في تقريرها نفسه أنّ الإصلاح البنيوي الأول في هذه الموازنة هو تصفير العجز نتيجة تعديلات لجنة المال والموازنة، ما يوجّه رسالة إيجابية للخارج والدخال وفق تعبيرها. وبذلك، يتبدّى أنّ إنجازا سيتظهّر للّبنانيين في الأيّام المقبلة قوامه صفر عجز في الموازنة العامة ومن دون اقتراض، وهو ما تعجز عن تحقيقه كُبرى القوى الاقتصادية العالمية. في حين أنّ الحقيقة تُفيد بأنّ هذا الأمر لا يتخطّى تقديرات من البيّن أنّها غير واقعية.

كما يسجل بداية أن لجنة المال والموازنة نحّت من القانون مفهوم الخدمة السريعة، التي كادت تحول الخدمة العامة إلى خدمة مدفوعة. كما نحّت أيّ بند يتصل بالوظيفة العامة.

مخالفات دستورية جسيمة

على الرغم من إرسال الموازنة ضمن المهلة الدستورية قبل بداية عقد تشرين الأول سندا للمادة 83 من الدستور والمادة 18 من قانون المحاسبة العمومية، إلّا أنّ العديد من المخالفات الدستورية قد اعترتها شكلا ومضمونا.

إحالة مشروع لم يوافق عليه مجلس الوزراء

المخالفة الأبرز والتي تحصل للمرّة الأولى تكمن في كون مشروع القانون الذي أُحيل من الحكومة إلى المجلس النيابي ليس هو نفسه المشروع الذي وافق عليها مجلس الوزراء في 12/9/2023. إذ قامت وزارة المال بتعديلات جوهرية على المشروع هدفت في غالبها إلى دمج بنود مشروع موازنة 2023 فيها، انسجاما مع توصية لجنة المال والموازنة النيابية.

وعود فارغة مجددا لجهة قطع الحساب

المخالفة الثانية والأهمّ تكمن في عدم إرسال مشروع قانون يتعلّق بقطع الحساب عن عام 2022. عوضا عن ذلك، أضافت لجنة المال والموازنة مادّة في نهاية المشروع المعدّل تُفيد بأنّه على سبيل الاستثناء سيتم إقرار نشر هذا القانون من دون قطع حساب، وأنه على الحكومة إنجاز قطوعات الحسابات عن 2022 وعن السنوات الماضية خلال مهلة أقصاها سنة. وتُدرك لجنة المال جيدا أنّ المادّة التي أضافتها ليست سوى ذرّ للرماد في العيون ومحاولة تجميلية لمخالفة فاضحة ترتكبها السلطتان التشريعية والتنفيذية سنويا. وهذا ما أشارتْ إليه لجنة المال في تقريرها حول هذا المشروع لجهة أنّ موادّ مشابهة أُدخلتْ على موازنتيْ 2017 و2019 من دون أن يتم التقيّد بها بأي شكل من قبل الحكومة، لا بل انتقد التقرير ذلك بقسوة حيث ورد فيه حرفيا عبارة “دولة بلا حسابات هي دولة بلا ذمة، ودولة بلا ذمة هي دولة بلا شرف. فإلى متى تستمرّ الحكومات المتعاقبة بالعمل على وسم دولتنا بهذه الصفة؟” وتجدر الإشارة في هذا الصدد أنّ المجلس النيابي لم يتّخذ يوما أيّ إجراء بحق أيّ حكومة أو وزير مالية في ما يتعلّق بهذه الفضيحة الدستورية، التي لا تذكر إذا ذكرت إلا في مواعيد إقرار الموازنات السنوية.

وللتذكير، فإنّ أولوية إقرار قطع الحساب على الموازنة تجد ما يبررها ليس فقط في المادة 87 من الدستور بل أيضا بأهمية المعطيات التي يجدر أن يتضمنها قطع الحساب والتي تسمح للمجلس النيابي التحقق من كيفية تنفيذ الموازنة السابقة فعليا وتاليا من مدى صدقية البيانات أو التوقعات الواردة في مشروع 2024، وكلها معطيات يحتاج إليها مجلس النواب لممارسة دوره الرقابي على تنفيذ قوانين الموازنة السابقة كما دوره التشريعي في إقرار قانون موازنة جديدة.

وقد أكّد المجلس الدستوري بكامل أعضائه على هذه المخالفة عند النظر بالطعن المقدّم بقانون موازنة 2022، وإن رفضت الأكثرية أن تُبطل القانون بحجة انتظام المالية العامة، بخلاف ما رآه عضوان مُخالفان. وإذ استعادتْ الأكثريّة في قرارها القول بأن إقرار قانون موازنة من دون قطع حساب إنما يشكل حالة شاذة وأنه يقتضي الخروج منها سريعاً، فإنها وجّهت اللوم إلى السلطتيْن التنفيذية والتشريعية عمّا وصفه بتقاعس كلّ منهما في هذا الصدد.

تضمين الموازنة تسوية ضريبية سبق وأن أبطلها المجلس الدستوري

عند التدقيق في الموادّ التي أضافتها لجنة المال والموازنة على مشروع الحكومة، يتبيّن أنّها تضمّنت مخالفة دستورية تتعلّق بما قد سبق وأنّ بتّ به المجلس الدستوري وكرّس بموجبه مبادئ دستورية تؤكّد على المخالفة. وإذ يُظهر هذا التوجّه استسهالاً في تجاوز قرارات هذا المجلس (ومعها مبادئ هامة استندت إليها هذه القرارات)، تكون المادة 89 من المشروع المعدّل بحكم الباطلة حتى ولو تمّ إقرارها عملا بمبدأ إلزاميّة قرارات المجلس الدستوري لجميع السلطات العامة (ومنها المجلس النيابي) بموجب المادة 13 من قانون إنشاء هذا المجلس.

فكما في موازنة 2022 وموازنات سابقة، سمح المشروع المعدّل للمكلّفين ضريبياً إجراء تسوية على التكاليف المتعلقة بضريبة الدخل والضريبة على القيمة المضافة المُعترض عليها أمام الإدارة الضريبية أو لجان الاعتراضات. وتقوم التسوية على تسديد 50% فقط من قيمة الضريبة المعترض عليها.

وإجازة هذه التسوية تتعارض تماما مع قرار المجلس الدستوري رقم 2/2018 بشأن قانون موازنة 2018، والذي أبطل بنداً مشابهاً سمح بإجراء تسويات ضريبية عملاً بمبدأ المساواة ومبادئ العدالة الاجتماعية ومبدأ العدالة الضريبية وأيضا على خلفية أنه يؤدي إلى التشجيع على التهرب الضريبي ويبدّد المال العام. وقد جاء في متن القرار المذكور: “بما أن التسوية الضريبية أعفت مكلّفين تخلّفوا عن القيام بواجبهم بتسديد الضرائب المفروضة عليهم بموجب القانون، من جزءٍ من هذه الضرائب، بينما سدد المكلفون الذين هم في موقع قانوني مماثل لهم الضرائب المتوجبة عليهم بكاملها، التزاماً منهم بتنفيذ القانون، وبما أنه ينبغي التقيّد بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز أو تفضيل وفق ما جاء في الفقرة (ج) من مقدمة الدستور، ووفق ما نصت عليه المادة السابعة من الدستور… وبما أن ما نصت عليه المادة 26 من القانون المطعون فيه، لم يميز بين اللبنانيين وحسب، إنما ميز بينهم لصالح المتخلّفين عن القيام بواجبهم بتسديد الضرائب المتوجبة عليهم بموجب القانون، وأعفاهم من جزءٍ منها، بينما التزم مواطنون، في موقع قانوني مماثل لهم، بتسديد ما عليهم ضمن المهل المحددة، … وبما أن التسوية الضريبية … من شأنها تشجيع المواطنين على التخلف عن تسديد الضرائب المتوجبة عليهم، وحمل الذين دأبوا على الالتزام بتأدية واجبهم الضريبي على التهرّب من تسديد الضرائب المتوجبة عليهم أملاً بصدور قوانين إعفاء ضريبي لاحقاً… وبما أن قانون التسوية الضريبية، …. يؤدي إلى التفريط بالمال العام، وبالتالي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة، في وقت تزاد فيه الضرائب والرسوم على سائر المواطنين بحجة تغذية الموازنة وتخفيض العجز المتنامي فيها”.

وعليه، يتبين بوضوح أن إعادة تضمين مادة تسوية عن الضرائب نفسها في المشروع المعدّل لموازنة 2024 إنما يشكّل مخالفة لما جاء في هذا القرار، وإصرارا من السلطة السياسية على انتهاكه. ولعل أسوأ ما في هذا الانتهاك أنه يأتي في زمن تحتاج فيه الخزينة إلى زيادة إيراداتها.

فرسان الموازنة

تضمّن مشروع الموازنة عشرات المواد التي تخرج عمّا يجب أن يتضمّنه القانون، وهي المواد التي تُسمّى بفرسان الموازنة لكونها دخيلة عليها بحكم أنها لا تتصل بالإيرادات والنفقات المتوقعة والنصوص المؤثرة بها. يُشار إلى أنّ المجلس الدستوريّ أكّد في عددٍ من قراراته على عدم دستورية فرسان الموازنة استنادا إلى المادة 83 من الدستور التي تحصر بنود الموازنة بما يتعلّق بالنفقات والإيرادات المتوقعة والنصوص التي تؤثّر فيها من دون أن يتعدّاها إلى مواد تتضمن إجراءات تنظيمية وإدارية لا تتصل بهذه المشتملات (مثال على ذلك: القرار 2/2018).

ومن أبرز الأمثلة الفاقعة على هذه المخالفة هي المادة 93 التي تحدّثت عن كيفية احتساب تعويضات نهاية الخدمة من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو المادة 59 التي أتاحت تأجير أملاك الدولة الخصوصية لمدّة قد تصل إلى 18 عاما، وغيرها من عشرات المواد المخالفة لهذا المبدأ.

كما نذكر بشكل خاص ما أضافته لجنة المال والموازنة في المادة 92 من المشروع المعدّل حيث حدّدت طريقة استيفاء رسوم الجامعة اللبنانية وزيادتها، بحيث تُحدّد رسوم التسجيل وسائر الرسوم والبدلات من قبل مجلس الجامعة على أن تخضع لمصادقة وزيري التربية والمالية، وفتح التعديل إمكانية تحديدها وفي حال غياب المجلس بقرار من رئيس الجامعة يحظى بمصادقة الوزيريْن. الأهمّ من ذلك، اعتبرت المادّة أنّ جميع قرارات تعيين الرسوم السابقة لهذا التعديل تُعتبر قانونية، وذلك بهدف واحد وهو تشريع المخالفة البينة والواضحة التي تمثلت في زيادة رسوم التسجيل في الجامعة بأكثر من 10 أضعاف. وما يزيد من قابلية الأمر للانتقاد هو أن هذا التعديل إنما يرشح عن تدخل في عمل مجلس شورى الدولة، وتحديدا في المراجعة التي كان تقدّم بها 3 طلاب أمام مجلس شورى الدولة لإبطال هذه الزيادة. ومن هذه الوجهة، تنتهك هذه المادة أيضا مبدأ فصل السلطات واستقلالية السلطة القضائية، بالإضافة إلى كونها فارسا من فرسان الموازنة.

مخالفة مبدأ سنوية الموازنة

تضمّن المشروع وتعديلاته عشرات الموادّ التي يمتدّ مفعولها لأكثر من سنة، بما يخالف مبدأ سنوية الموازنة المنصوص عنه في المادة 83 من الدستور، علما أن بعض هذه المواد أخذ طابع قواعد عامة دائمة. وقد كان لافتا في هذا الصدد ورورد العديد من المواد التي تمنح مهلا أو تمدد مفاعيل قانونية لغاية نهاية العام 2026، من دون أن يُفهم سبب اعتماد هذا التاريخ للعديد من المواد. ومن بعض أمثلة هذه المواد العديدة المادة 91 التي تُمدّد فرض رسم 3% على المستوردات حتّى نهاية 2026، والأمر نفسه المتعلّق بإعادة تقييم الأصول والمخزون في المادتيْن 56 و57، والمادة 88 المتعلّقة بتخفيض أرباح التفرّغ عن العقارات إلى 1%، فيما أعفت المادة 72 جميع السيارات والمركبات التي تعمل بشكل كلّي على الكهرباء والتي يتم استيرادها خلال 5 سنوات من الرسم الجمركي ورسم الاستهلاك الداخلي.

العدالة الضريبية المفقودة

كما في كل الموازنات، أدخل المشروع عددا من البنود التي من شأنها إدخال ضريبة تراجعية وإعفاء الشركات الكبرى من الضرائب أو التخفيف منها، على نحو يقلل من الضريبة المباشرة على هؤلاء ويزيد من نسبة الضرائب غير المباشرة في مجموع عائدات الدولة، ومن أهم الوسائل المعتمدة لهذه الغاية، الآتية:

الضرائب المباشرة: لا عدالة في ظل غياب الالتزام بسعر صرف موحّد

أدخلت لجنة المال والموازنة تعديلات هامّة على آلية فرض الضرائب الواردة في مشروع الحكومة لجهة الشطور والتنزيلات، مضاعفة إياها ب 60 مرة بالنسبة إلى ما كانت عليه في 2019 أي ما يوازي نسبة انهيار سعر الصرف وفق سعر السوق. وقد تعمم هذا التوجه بما يتصل برسم الانتقال والضريبة على الأملاك المبنية وضريبة على الأرباح التجارية والصناعية والمهنية، فضلا عن الضريبة على الرواتب والأجور. إلا أن اعتماد هذه المضاعفة على أساس سعر السوق لم يترافق مع اعتماد صريح لنفس سعر الصرف في احتساب المبالغ المقبوضة بالعملة الأجنبية، إنما ترك مشروع الموازنة مجالا لإعمال أسعار صرف مختلفة بما يتصل بهذه الرسوم والضرائب. وهذا ما أفادت به لجنة المال في تقريرها حيث جاء حرفيا أنه تمّ: “شطب أي نصّ يتضمن تشريعا لعبارة منصة صيرفة وحصر كل ما يتعلق بهذا الشأن بعبارة وفق لسعر الصرف الذي يقرره مصرف لبنان بوصفه صاحب الصلاحية القانونية في هذا المجال علما أن مشروع الموازنة موضوع البحث لم يتضمن سعر صرف موحد فالرواتب والأجور وتعويضات نهاية الخدمة جرى احتسابها على سعر صرف 1500 ليرة للدولار الواحد بينما احتسب معظم الإيرادات الضريبية على أساس سعر صرف 89000 ليرة لبنانية للدولار والبعض الآخر احتسب على أساس 50000 ليرة لبنانية”. وفي حين يستشف من ذلك أن مشروع الموازنة ما زال يعتمد أسعار صرف مختلفة في احتساب المبالغ الخاضعة للضرائب، فإن الصحيح وخلافا لما جاء في تقرير اللجنة أن المشروع فرّق بين سعر الصرف الذي يتحدّد بقرار من وزير المالية وحاكم مصرف لبنان وسعر الصرف الذي يحدده مصرف لبنان. وهذا ما نستشفه بوضوح من المادة 20 من المشروع التي اعتبرت أن سعر الصرف الذي يؤخذ به لغاية احتساب قيمة الأجور والرواتب المسددة بالعملة الأجنبية هو سعر الصرف المحدد بقرار مشترك بين وزير المالية وحاكم مصرف لبنان وفق موازنة 2022 والذي هو حاليا 15000 ل.ل. للدولار الواحد. وهذا الأمر إنما يعني استمرار العمل بالضريبة التراجعية في هذا الخصوص، بحيث يؤدي اعتماد سعر الصرف المتدني إلى تخفيض قيمة الراتب المدفوع بالعملة الأجنبية الخاضع للضريبة بالنسبة إلى الرواتب المدفوعة بالليرة اللبنانية، وفق ما أوضحناه مرارا من قبل. وما يزيد من قابلية الأمر للانتقاد هو أن الضريبة على قيمة الدخل المحتسبة وفق سعر صرف متدنّ ستحتسب وفق التنزيلات والشطور التي تمت مضاعفتها بما يوازي نسبة انهيار العملة، مما يؤدي إلى ضريبة 0 أو ضريبة زهيدة في أكثر الحالات. فمثلا، إنّ كل من يتقاضى راتب 2500 دولار أميركي شهريا (أي ما يعادل 450 مليون ليرة سنويا على أساس سعر صرف 15,000 ليرة) لن يدفع أيّ ضريبة طالما أنّ التنزيل الفرديّ لكلّ مكلّف من دون احتساب التنزيل العائلي أصبح 450 مليون ليرة. بالمقابل، فإنّ من يتقاضى مبلغ 50 مليون ليرة شهريا بالليرة اللبنانية (حوالي 550 دولار) سيكون مكلّفا بالضريبة لكون ما سيتقاضاه سنويا سيتخطّى مبلغ 450 مليون ليرة لبنانية.

يشار أخيرا إلى أنّ مصرف لبنان أفاد عددا من النواب أنه يرفض بشكل مطلق اعتماد سعر صرف 89,500 ليرة في الموازنة، وأنّ الأمر سيبقى رهنا لما ستنتج عنه المفاوضات والنقاشات المتعلّقة بذلك في هذا الشأن.

تعميم الضريبة على القيمة المضافة على الشركات الصغيرة والمتوسطة في قلب الأزمة

قرّرت لجنة المال والموازنة إضافة المادة 15 إلى المشروع بحيث يُرفع رقم الأعمال الذي يُلزم من يحقّقه أن يخضع للضريبة على القيمة المضافة من مائة مليون ليرة إلى ثلاثة مليارات ليرة سنويا (حوالي 33.7 ألف دولار وفق سعر صرف السوق)، وذلك في تصحيح متأخّر لانهيار العملة الوطنية. وعليه، نتبيّن أنّ المضاعفة المعتمدة هنا هي 30 مرّة أي نصف المضاعفة المعتمدة في احتساب الشطور وفق ما بيناه أعلاه. ومن شأن ذلك أن يوسّع من دائرة الخاضعين للضريبة على القيمة المضافة بالنسبة إلى ما كانت عليه في 2019 قبل الأزمة، بحيث تشمل عددا كبيرا من الشركات الصغيرة ومجمل الشركات المتوسطة ويخضعها تاليا لإجراءات واشتراطات مكلفة بالنسبة إلى حجمها.

وقد حاول مشروع القانون التخفيف من ذلك وتصحيح النتائج المترتبة على التأخر في تعديل قيمة رقم الأعمال المعمول بها لفرض الخضوع لنظام الضريبة على القيمة المضافة، من خلال إعفاء من لم يدخل في السنوات السابقة في هذا النظام من أي موجب في حال لم يتجاوز رقم أعماله 3 مليارات، كما مكن الذي دخل في هذا النظام رغم عدم تحقيق رقم الأعمال المذكور، أن يلغي دخوله فيه. كما يلحظ أن المشروع وضع على عاتق وزارة المالية واجب تبسيط الإجراءات بالنسبة للذين لا يتجاوز رقم أعمالهم 5 مليارات.      

تعميم ممارسة إعادة التقييم لتمكين كبار التجّار والمضاربين التهرب من الضريبة المتوجبة

تضمنت مشاريع موازنات لسنوات سابقة مواد تسمح للمؤسسات والشركات بإجراء إعادة تقييم أصولها الثابتة مقابل تسديد ضريبة مخفضة عن الفارق الإيجابي في سعر هذه العقارات، وهي أقل بكثيرة من ضريبة الربح المفروضة على الشركات وهي 17%. وقد لاقت هذه المواد اعتراضات متكرّرة في السنوات الماضية. وقد جاء مشروع قانون 2024 ليحوّل هذه الممارسة إلى ممارسة دورية منتظمة، فضلا عن توسيع مداها ليشمل ليس فقط الأصول الثابتة ولكن أيضا العقارات والمخزون STOCK. فضلا عن ذلك، تضمّن المشروع آليات من شأنها تسهيل التهرب الضريبي حتى من الضريبة المنخفضة الناتجة عن إعادة التقييم هذه وفق ما نفصله أدناه. وعليه، أدّى المشروع بفعل هذه الأحكام إلى تخفيض العبء الضريبي بدرجة كبيرة عن جميع الشركات وبخاصة الكبيرة منها. 

إعادة تقييم المخزون

للمرة الأولى، أفسح مشروع الموازنة العامة كما عدلته لجنة المال والموازنة في مادته 57 للمؤسسات إعادة تقييم لكامل مخزونهم من دون أن يُفرض عليهم أي ضريبة، بعدما كان مشروع الحكومة يفرض عليهم ضريبة بنسبة 7% عن الفروقات الإيجابية الناجمة عن إعادة التقييم. ولم تقتصر هذه المنحة على سنة الموازنة إنما هي تنسحب وفق المشروع على 3 سنوات حتّى نهاية 2026 (مما يشكل مخالفة صريحة لمبدأ سنوية الموازنة كما سبق بيانه). ولتبسيط تعقيدات المادة، فإنّ أي مكلّف لديه بضائع في مستودعاته سبق وأن اشتراها بأسعار مخفّضة قبل رفع أسعار الجمارك أو بسبب استفادته من الدعم الحاصل سابقا أو استفاد من التضخّم، أصبح بإمكانه إجراء إعادة تقييم لما خزّنه منها وذلك تعديلا لأوضاع رأسماله، من دون أن يكلّف بأي ضريبة عن الربح المحقق وبمعزل عما إذا كان تسعيرها حاصلا بالليرة أو بعملة أجنبية وبمعزل عن نسبة انهيار العملة الوطنية بالنسبة إلى المخزون المقدر بالليرة اللبنانية قبل 2019. ولا تتوقّف مخاطر هذه المادة عند تفويت الأموال على الخزينة، لا بل يُرجّح أن تكون في العديد من الحالات تشريعا لأرباح غير مشروعة نتجت عن احتكار وتخزين مواد مدعومة على حساب من كان يجدر أن يستفيد منها (المحروقات مثلا) أو التنصل من أي ضريبة عن الاستفادة من استيراد بضائع وسلع في وقت كانت خاضعة لتعريفات جمركيّة زهيدة.

ولا تتوقّف محاباة هؤلاء عند هذا الحدّ. فقد سمحت المادة باعتبار طلب إعادة التقييم مقبولا في حال عدم ورود أي جواب من الإدارة الضريبية خلال سنة من تاريخ تقديمه. ويُمكن التساؤل إذ ذاك عن قدرة الإدارة الضريبية على البتّ بهذه الطلبات تبعا لوضع الإدارة العامّة الحالي، علما أنّه من المتعارف عليه في علم القانون الإداري أنّ عدم جواب الإدارة يعني رفضا ضمنيا لا قبولا ضمنيا في جميع المجالات.

إعادة تقييم الأصول الثابتة

الأمر نفسه ينطبق على إعادة تقييم الأصول الثابتة الوارد في المادة 56 من المشروع المعدّل بحيث سُمح بإجراء إعادة تقييم سنويا حتّى نهاية العام 2026، على أن يُسمح بإجراء إعادة تقييم مرّة كلّ 5 سنوات من بعدها، كلّ ذلك في مخالفة لمبدأ سنوية الموازنة. وفي حال تخمين عناصر الأصول الثابتة بأعلى من سعرها الأصلي، تُعتبر ربح تحسين وتُفرض عليها ضريبة بنسبة 15% (أي أقل بنقطتين من ضريبة الربح على الشركات)، إلّا إذا أبقيت في حساب خاص أو إذا استُعملت لإطفاء خسائر. وهنا أيضا، وإذ أجاز مشروع القانون للدائرة المالية المختصة الاعتراض على إعادة التقييم التي يتقدّم بها المكلّف أمام لجان الاعتراضات الضريبية، فإنه اعتبر أن محضر التخمين يكون نافذا في حال لم يصدر قرار عن هذه اللجان خلال 6 أشهر من تقديم الاعتراض أمامها. وما يزيد من عبثية هذه المادة هو أن الموازنات السابقة كلها تقريبا فتحت الباب وخلافا لقرار المجلس الدستوري أمام تسوية النزاعات الضريبية أمام هذه اللجان بحجة عدم تشكّلها أو تأخرها في بتّ الاعتراضات.   

فضلا عن ذلك، فتح مشروع القانون مجالا واسعا للتهرب والتحايل الضريبيين، من خلال منح إعفاء من دفع أي ضريبة على إعادة التقييم، في حال استعمال الأرباح في بناء مساكن للأجراء لديه (وهي ممارسة غير مألوفة ويرشح أنها ذكرت هنا فقط لغاية تسهيل التهرب الضريبي).

ولا تتوقف خطورة هذه المادة عند حدود حرمان الخزينة من إيرادات كبيرة، بل هي محاولة لتعويم هذه المؤسسات وعلى رأسها المصارف عبر تضخيم أصولها وموجوداتها بالليرة اللبنانية نتيجة الفوارق في سعر الصرف أو التخفيف من خسائرها حسابياً، لا بل أنّ هذا التخفيف يُقابله تسهيلات ضريبية بالإعفاء من هذه الضريبة.

ضريبة بخسة على أرباح التفرّغ على العقارات

أدخلت لجنة المال والموازنة مادة لم تدرجها الحكومة في مشروعها، تتعلّق بتخفيض استثنائي للضريبة على الأرباح الناتجة عن التفرّغ عن العقارات من 15% إلى 1% وذلك حتّى نهاية العام  2026 (المادة 88). وفي حين أخذت المفكرة علما أنّ هذه المادّة قد سقطت “بالباراشوت” على لجنة المال والموازنة، فهي لا تجد ما يُبرّرها سوى الرغبة في تخفيف الأعباء الضريبية بما يفيد أصحاب الرساميل.

ضريبة على الأرباح المحققة من مقيمين خارج لبنان

بعدما تراجعت الحكومة عن إعفاء هذه العائدات عن الفترة السابقة (المادة 26 من مشروع قانون موازنة 2023)، فإن اللجنة أدخلت تعديلا على المادة المقترحة تمثل في حذف كامل العقوبات التي وردت في مشروع الحكومة المفروضة على اللبنانيين في الخارج الذين يمتنعون عن التصريح عن إيرادات رؤوس الأموال المنقولة ومنها وضع إشارات على الممتلكات وإحالة الملف إلى النيابة العامة بجرم تهرب ضريبي، مما يُخفف من قوة الرادعة. هذا فضلا عن أنه يخشى، في ظل لزوم مشروع القانون الصمت في هذا الخصوص، أن تحتسب الإيرادات المحققة حتى أواخر 2022 على أساس سعر صرف زهيد وهو 1500 ليرة للدولار الواحد، عملا بالأصول التي كان معمولا بها حتى ذلك الحين.

إلغاء الضريبة على المستفيدين من منصّة صيرفة

ألغت لجنة المال والموازنة المادّة 125 من مشروع الحكومة التي كانت تخضع لضريبة بنسبة 17% جميع المستفيدين من عمليات على منصّة صيرفة، وهي ضريبة كان يُفترض أن تطال المصارف والمضاربين الكبار الذين حققوا أرباحا سهلة من جرّاء صيرفة.

تعويضات نهاية الخدمة: 6 مرّات أقلّ من قيمتها الواجبة محاباة للهيئات الاقتصادية

أخيرا، ومن باب إعفاء الشركات الكبرى من مسؤولياتها، أضافت لجنة المال إلى مشروع القانون فارسا آخر من فرسان الموازنة تمثّل في تحديد أسس احتساب تعويض نهاية الخدمة لأجراء القطاع الخاص. وعليه نصت المادة 93 منه على احتساب هذه التعويضات بقيمة 15,000 ليرة لبنانية لكل دولار لاحتساب تعويض نهاية الخدمة عن الفترة ما قبل 1/1/2024، على أن تُحتسب التعويضات عن الفترة التي تليها وفقا لأحكام قانون الضمان الاجتماعي. بذلك، يكون مشروع القانون قد خفض تعويض نهاية الخدمة (وهو بدل شهر يعادل البدل الأخير عن كل سنة عمل) ست مرات، طالما أن سعر الصرف الفعلي هو 90000 أي 6 مرات سعر الصرف المعتمد في هذه المادة. ويرجّح أن يتفاقم الانتقاص من هذا التعويض في حال استمرار انهيار الليرة اللبنانية.   

وبدل أن تلقى هذه المادة اعتراض الهيئات العمالية، رحّب رئيس الاتّحاد العمّالي العام بشارة الأسمر ومعه ما يسمى الهيئات الاقتصادية بها.

وقد أخذت المفكرة علما أنّ اعتماد هذه المادة تم بضغط من الهيئات الاقتصادية وأصحاب العمل.

أخيرا، يلحظ أنّ لجنة المال بحجة عدم ازدواجية الضريبة مادّة وردت بمشروع الحكومة تتعلّق باقتطاع المصرف نسبة من أموال المتوفّي لديه (3%) وتحويلها إلى الخزينة، لكون الورثة عادةً لا يُصرّحون عن هذه الأموال، ما كان سيحدّ من التهرّب الضريبي في ما يتعلّق برسوم الانتقال.

الاستهتار بمصالح الدولة العامة

تضمن مشروع القانون ما يفيد استهتارا واضحا بالأملاك العامة كما بالوظيفة العامة.

الأملاك العامة المهددة

بالإضافة إلى ما تقدم، وسّع مشروع القانون إمكانية تأجير الأملاك الخاصة للدولة والبلديات لفترات طويلة. هذا ما نصت عليه المادة (59) منه والتي سمحت بتأجير أملاك الدولة الخصوصية لفترات قد تصل إلى 18 عاما (حاليا لا يمكن أن تتجاوز مدة تأجير هذه الأملاك أربع سنوات) عن طريق مزايدة عمومية، علما أن لجنة المال حذفت منها أي إشارة إلى اعتماد حدّ أدنى لبدل الإيجار. يذكر أن مادة مشابهة كانت وردت في مشروع موازنة 2022 وقد ردتها آنذاك الهيئة العامة لمجلس النواب. يخشى أن تفتح هذه المادة الطريق أمام استباحة الأملاك الخصوصية للدولة، في ظلّ ظروف ما تزال فيها الرقابة في حدها الأدنى. 

الأمر ليس أفضل بالنسبة إلى الأملاك العامة البحرية التي تبقى مستباحة من أصحاب النفوذ بشكل شبه مجاني. ففيما أشار جدول الإيرادات إلى ارتقاب تحصيل إيرادات بقيمة عن 26 مليون دولار (2550 مليار ليرة) تحت بند: إيرادات ناتجة عن تسوية الأملاك البحرية”، بقيت قيمة بند “الضرائب على الأملاك البحرية” وهو البند الذي كان يفترض أن يشمل رسوم الإشغال، صفرا.

استمرار الهشاشة في أوضاع الموظفين العامين

على عكس ما جرتْ عليه العادة في مشاريع موازنات السنوات الماضية، خلا مشروع موازنة 2024 من أيّ مادّة تتعلّق مباشرة بأوضاع الموظفين العموميّين، سواء فيما يتعلّق برواتبهم أو أوضاعهم الوظيفية والتقاعد وغيرها. ويعكس هذا الأمر تماديا في إهمال أوضاع الموظفين العامين، الأمر الذي سينعكس على أداء المرافق العامة وتاليا حقوق المواطنين كافة. بالمقابل، يُسجّل إيجابا إلغاء لجنة المال والموازنة للمادّة المتعلّقة ببدل الخدمات السريعة لدى الإدارات العامّة والتي انتقدناها تفصيليا حينها.

للاطّلاع على مشروع قانون موازنة 2024 بصيغة PDF

انشر المقال



متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، البرلمان ، تشريعات وقوانين ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية