مشروع إلغاء الإفراج الشرطي في جرائم التجمهر في مصر: خطوة جديدة في اتجاه تأميم الحياة السياسية


2020-02-18    |   

مشروع إلغاء الإفراج الشرطي في جرائم التجمهر في مصر: خطوة جديدة في اتجاه تأميم الحياة السياسية

في خطوة لاقت العديد من الانتقادات[1]، وافقت لجنة الشؤون التشريعية والدستورية بمجلس النواب على مشروع القانون المقدم من الحكومة فيما يتعلق بتعديل قانون تنظيم السجون، والذي يهدف إلى إلغاء إفراج نصف المدة المشروط للمحكوم عليهم في جرائم التجمهر والمخدرات والإرهاب وغسيل الأموال[2].

ويأتي هذا التعديل بعد أقل من عامين من إقرار القانون رقم 6 لسنة 2018، الذي خفض المدة التي يجوز بعد انقضائها الإفراج الشرطي عن المحكوم عليهم نهائيًا بأحكام مقيدة للحرية إلى نصف مدة العقوبة، بعد أن كانت ثُلثي مدة العقوبة. ويعتبر هذا التعديل الأول من نوعه الذي يهدف إلى حرمان المحكوم عليهم في عدد من الجرائم المحددة سلفًا، دون غيرهم، في التمتع بالإفراج قبل انقضاء مدة العقوبة كاملة، بشرط أن يكون المُفرج عنه حسن السلوك أثناء وجوده في السجن، وألا يمثل الإفراج عنه خطرًا على الأمن العام. وعليه، يناقش هذا المقال الفلسفة العقابية من وراء الإفراج الشرطي والتي تهدف إلى إعادة دمج المحكوم عليهم في المجتمع مرة أخرى، وذلك كمحاولة لفهم مدى مواءمة التعديلات الجديدة لهذا المنهج، في ظل النصوص الحالية لقانون تنظيم السجون ولائحته التنفيذية. كما يسلّط المقال الضوء على إدراج جرائم التجمهر ضمن الجرائم التي شملها التعديل، وبالتالي استثناء مرتكبيها من التمتع بالإفراج الشرطي، مع الأخذ في الاعتبار التوسع في استخدام قانون التجمهر كأداة لقمع كافة أشكال المعارضة في السنوات الأخيرة. وأخيرًا، نحاول فهم دور السلطة القضائية في الرقابة على مدى التزام وزارة الداخلية بضوابط الإفراج الشرطي لضمان عدم تعسفها في تطبيقه.

الفلسفة العقابية وراء الإفراج الشرطي

أجمعت أغلب النظريات الحديثة في علم العقاب على أن الهدف الأسمى لأي عقوبة هو إصلاح المحكوم عليهم وإعادة تأهيلهم، وليس تحقيق الانتقام أو ممارسة القسوة تجاههم. وعليه تغيرت النظرة إلى العقوبات السالبة للحرية بشكل كبير من كونها وسيلة عقابية في حد ذاتها، إلى وسيلة عقابية تسمح من خلالها بتحقيق الإصلاح المرجو منها، وذلك عن طريق عدد من التدابير والإجراءات مثل برامج التأهيل التي يخضع لها المحكوم عليهم، بالإضافة إلى ورش تعليم الحرف والصناعات المختلفة[3].

ويعتبر الإفراج الشرطي أحد تلك التدابير التي تقوم ببساطة على فكرة الحد من بقاء المحكوم عليه في السجن طوال مدة العقوبة، كمكافأة له، إذا ما ثُبت خلال الفترة التي أمضاها أنه عاد إلى جادة الصواب وأصبح قادرًا على أن يندمج في المجتمع مرة أخرى، كفرد صالح لم يعد يسبب أي خطورة. بالإضافة لذلك يعتبر الإفراج الشرطي إحدى الإستراتيجيات الفعالة التي تتبعها العديد من الأنظمة القانونية لمواجهة ظاهرة تكدس السجون. من ناحية أخرى، وعلى صعيد الممارسة العملية، أعتمد المُشرع الجنائي المصري سياسة الإفراج الشرطي منذ أربعينات القرن الماضي، حين نص على جواز الإفراج عن المحكوم عليه بعد قضائه ثلاثة أرباع مدة العقوبة، إذا تبين أن سلوكه أثناء وجوده في السجن يدعو إلى الثقة بتقويم نفسه، وذلك ما لم يكن في الإفراج عنه خطر على الأمن العام[4]. وهو المنهج الذي استمر المُشرع في أتباعه في كافة التعديلات التي شملت قوانين تنظيم السجون خلال السبعين سنة الماضية[5]. ومن الجدير بالملاحظة، أنه خلال السنوات الأخيرة الماضية اتجهت إرادة المُشرع إلى خفض المدة التي يجب أن يقضيها المحكوم عليه من أصل مدة العقوبة ليستحق الإفراج الشرطي؛ وهو الأمر الذي يجب الإشادة به، وتسليط الضوء على أهميته في وضع سياسات تأهيلية بديلة. ففي عام 2014، تمّ تعديل نص المادة (52) من قانون تنظيم السجون الذي شمل خفض المدة من ثلاثة أرباع مدة العقوبة، إلى ثلثي مدة العقوبة[6]. كذلك في عام 2018 طرأ تعديل جديد على نفس المادة لينزل بمدة العقوبة التي يجب قضاؤها قبل الإفراج الشرطي من الثلثين إلى نصف مدة العقوبة، وهو الأمر الذي لم يكن مسبوقًا على الإطلاق[7].

لذلك، فإننا نرى أن التعديل المُقترح باستثناء المحكوم عليهم في جرائم التجمهر والمخدرات وغسيل الأموال والإرهاب، وحدهم دون غيرهم، من التمتع بالإفراج الشرطي، قد خالفه الصواب إلى حد كبير وغير مبرر. فضلاً عن كونه يتعارض مع السياسة التشريعية التي يتبعها المُشرع الجنائي المصري مؤخراً، والتي تظهر جليًا بتتبع التطور التشريعي لأحكام الإفراج الشرطي في السنوات الأخيرة. فالإفراج الشرطي في حقيقته هو “رخصة” تملكها السلطة التنفيذية وحدها متمثلة في وزارة الداخلية للإفراج فقط عمن ثبت حسن سلوكه أثناء قضاءه لفترة العقوبة، وأيضًا إذا ما لم يمثل الإفراج عنه أي خطر على الأمن العام. وفي الوقت نفسه، لم ينص القانون يومًا على أن الإفراج الشرطي هو “حق” للمحكوم عليهم، يجب على أثره الإفراج عنهم بعد مضي ثلاثة أرباع أو ثلثي أو نصف المدة. وبالتالي، فلا مجال للحجج التي تسوقها الحكومة مبررة هذا التعديل المقترح من جانبها بأن مرتكبي تلك الجرائم على وجه الخصوص يمثلون خطورة كبيرة على المجتمع[8]. فإذا افترضنا أن جميع المحكوم عليهم في الجرائم المذكورة هم خطر على الأمن العام، وهو الأمر الذي لا يمكن تصديقه نظرًا لتفاوت الجرائم واختلاف ظروف ودوافع كل قضية، فإن وزارة الداخلية بصفتها صاحبة رخصة الإفراج الشرطي تستطيع حرمان المحكوم عليهم الذين يمثلون خطورة على الأمن العام من الإفراج الشرطي وفقًا للنص القائم وبدون أي حاجة للتعديلات المقترحة. أيضًا، تنص اللائحة الداخلية للسجون على أنه لا يجوز توقيع الإفراج الشرطي على المحكوم عليهم في الجرائم المُضرّة بأمن الحكومة في الداخل والخارج، والقتل العمد، وعدد آخر من الجرائم، إلا بعد أخذ رأى جهات الأمن المختصة[9]. وهو الأمر الذي يوضح أن المُشرع قد راعى منذ أكثر من ستين عامًا أن هناك جرائم تعتبر أشد خطرًا من غيرها، وضمانًا منه لعدم الإفراج عمن يشكلون خطورة على المجتمع، قرر إدراج شرط إضافي قبل الإفراج عن مرتكبي تلك الجرائم الخطرة، وهو أخذ رأي كافة الأجهزة والإدارات الأمنية المختصة. وليس حرمان هؤلاء المحكوم عليهم من التمتع برخصة الإفراج الشرطي نهائيًا، مثلما يقترح التعديل المتوقع إقراره قريبًا.

أداة عقابية جديدة في حق المحكوم عليهم في جرائم التجمهر

نصت المذكرة الإيضاحية المرفقة لمشروع القانون المقترح تعديله، والتي أعدتها وزارة الداخلية، على أن السياسة التشريعية التي أتبعها المُشرع في السنوات الأخيرة أدت إلى صدور العديد من الأحكام القضائية التي تُلزم وزارة الداخلية بالإفراج الشرطي عن عدد كبير من المحكوم عليهم في قضايا التجمهر وغسيل الأموال وبعض صور جرائم الإرهاب، وذلك لعدم وجود نص قانوني صريح يمنع ذلك وهو ما شكل خطورة داهمة على المجتمع وأمنه[10]. فوزارة الداخلية تخضع في ممارستها لرخصة الإفراج الشرطي لرقابة القضاء الإداري، وذلك باعتبارها قرارات إدارية يُخشى التعسف في استخدامها بمنحها لمن لا يستحق، أو بحجبها عمن تتوافر في حقه شروط منحها. وعليه، وبموجب هذا التعديل لن يصبح هناك أي مجال للتقاضي أمام القضاء الإداري طلبًا في إنفاذ رخصة الإفراج الشرطي للمحكوم عليهم بموجب قانون التجمهر، لأن القانون نفسه سيحرمهم من التمتع بهذه الرخصة.  وهو الأمر الذي يدفعنا للاعتقاد بأن الهدف الحقيقي وراء إقرار تلك التعديلات هو رغبة السلطة التنفيذية في القضاء على أي إمكانية في الإفراج عن المحكوم عليهم في قضايا التجمهر ذات الطابع السياسي قبل انقضاء مدة العقوبة كاملة. ففي الوقت الذي يُحاكم فيه آلاف المصريين بموجب قانون التجمهر، وفي ظل استخدام أحكام هذا القانون كأداة لقمع كافة أشكال المعارضة السلمية، فأننا نرى أن الزج بالمحكوم عليهم في قضايا التجمهر ضمن المطلوب استثناؤهم من توقيع الإفراج الشرطي، هو مؤشر على رغبة السلطة التنفيذية في استخدام هذا التعديل كأداة عقابية جديدة في حق معارضيها. فلو أن الدافع الحقيقي وراء هذا التعديل هو مواجهة الخطر الناتج عن الإفراج عن المحكوم عليهم في القضايا التي تضمنها النص المقترح – كما يروج أنصار التعديل- لكان الأولى ترك الأمر لرقابة القضاء للفصل في مدى خطورتهم من عدمها، في ضوء الحجج والتقارير الأمنية، وبعد تحقيق دفاع المحكوم عليهم في تلك القضايا. فبمراجعة السوابق القضائية للقضاء الإداري في الدعاوى المتعلقة بالإفراج الشرطي، نجد أنه قد سبق وأن أقرت المحكمة الإدارية بحق وزارة الداخلية بمنع الإفراج الشرطي عن عدد من المحكوم عليهم في جرائم الاعتداء على بعض المنشآت الأمنية، نظرًا لما اعتبرته المحكمة حينها بأن الإفراج عنهم يشكل خطورة على المجتمع[11]، وذلك بغضّ النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا مع رؤية المحكمة تجاه هؤلاء، ومدى توافق تلك الرؤية مع الفلسفة العقابية المرجوة.

من ناحية أخرى، تثير التعديلات المُقترحة في حال إقرارها إشكالية جواز تطبيقها من عدمه على المحكوم عليهم حاليًا، ومن يخضعون للتحقيق على ذمة قضايا تجمهر. وهو الأمر الذي أشار إليه النائب بهاء أبو شقة أثناء مناقشة مشروع القانون داخل أروقة اللجنة التشريعية، حين صرح أن “القاضي وفق هذا القانون الصادر في حينها أدرك أحكام وفي ذهنه وجود شرط إعفاء نصف المدة، ومن ثم العودة لإلغاء هذا الأمر على المستوى التشريعي يحدث خلل”[12]. لذا فإننا نرى أنه إعمالاً لمبدأ عدم رجعية النصوص العقابية لا يجوز تطبيق أحكام التعديل المقترح “حال إقراره” على المُدانين حاليًا بالجرائم التي شملها التعديل. وهو ما أكدته المحكمة الدستورية العليا من قبل حين أكدت على أنه لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لنفاذ القانون الذي ينص عليها[13]. وعلى الرغم من أن التعديلات الجديدة لم تقرر أي عقوبة جديدة، كما أنها لم تجرم فعلًا لم يكن مجرمًا من قبل، لكنها حرمت فئة من المُدانين ببعض الجرائم من التمتع برخصة الإفراج الشرطي التي كان قد منحها القانون القديم.

خاتمة

تعتبر الخطوة القادمة بعد موافقة لجنة الشؤون التشريعية والدستورية بمجلس النواب على التعديل المقترح بخصوص الإفراج الشرطي، هي طرح مشروع القانون للمناقشة في الجلسة العامة، والتصويت عليه بالقبول أو الرفض. ومع الأخذ في الاعتبار السوابق البرلمانية في السنوات الأخيرة، والأداء التشريعي لمجلس النواب تجاه التشريعات التي قد تمس مسائل التجمهر أو التظاهر أو الإرهاب، أو تمثل أي نوع من التوسع في السياسات العقابية بشكل عام، فإننا نعتقد أن إقرار القانون هو أمر واقع إلى حد كبير. وبالتالي، فأننا سنكون أمام واقع قانوني جديد، لن يسمح بالإفراج عن أي مُدان بجريمة التجمهر قبل انقضاء مدة العقوبة المحكوم بها عليه كاملة. وهو الأمر الذي لا يمكن اعتباره سوى حلقة جديدة في سلسلة التشريعات والسياسات التي تتبعها كلً من السلطتين التشريعية والتنفيذية لتأميم الحياة السياسية في مصر والقضاء على كافة أشكال المعارضة السلمية.


[4] راجع، نصوص المواد (73 و74) من القانون 180 لسنة 1949 بشأن تنظيم السجون.

[5] راجع، نص المادة (52) من القانون 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون وتعديلاتها المختلفة، وهي المادة المُقترح تعديلها حاليًا.

[6]  راجع، قرار رئيس الجمهورية بقانون رقم 49 لسنة 2014 بشأن تعديل بعد أحكام قوانين العقوبات والإجراءات الجنائية وتنظيم السجون.

[7]  راجع، قانون رقم 6 لسنة 2018 بتعديل بعض أحكام القانون 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون.

[9] تنص المادة (86) من قرار وزير الداخلية رقم 79 لسنة 1961 الصادر باللائحة الداخلية للسجون على أنه: ” لا يجوز الإفراج تحت شرط عن المحكوم عليهم في الجرائم المضرة بأمن الحكومة في الداخل والخارج المنصوص عليها في البابين الأول والثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، وكذا المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة أو السجن في جرائم القتل العمد المنصوص عليها في المادة 234 فقرة ثانية من قانون العقوبات وجرائم التزييف والقبض على الناس دون وجه حق والسرقة وتهريب النقد وجرائم المخدرات عدا جرائم التعاطي والإضرار بغير قصد الإتجار، إلا بعد أخذ رأى جهات الأمن المختصة.”

[10] راجع، المرجع رقم (2).

[13] القضية رقم 84 لسنة 17 قضائية دستورية – جلسة 15 مارس 1997 – قاعدة رقم 70/3 – ص 466 من الجزء الثامن من مجموعة أحكامها.

انشر المقال

متوفر خلال:

البرلمان ، المرصد البرلماني ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مصر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *