مذبحة القضاة المعفيين في فصلها الثاني: استقلالية القضاء واستقلالية المحاماة في قضية واحدة


2023-01-09    |   

مذبحة القضاة المعفيين في فصلها الثاني: استقلالية القضاء واستقلالية المحاماة في قضية واحدة
عياشي الهمامي (مصدر الصورة tunisie tribune)

كان يمكن أن تكون قرارات المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ أوامر إعفاء 49 قاضيا خير نهاية لما أسمته المفكرة القانونية مذبحة قضاة تونس. بمعنى أن تذعن السلطة السياسية لقرار المحكمة التزاما منها بقيَم دولة القانون. لكن، خلافا لما كان يؤمل أن يحصل، اختارتْ السلطة السياسيّة أن تمضي قدما في مسارها وأن تصعّد في تحاملها على  القضاة المعفيين. وهكذا، وبدل أن تعود إلى الوراء تصحيحًا للخطأ، قفزتْ إلى الأمام من خلال إثارة مجموعة من القضايا الجزائيّة في حقّ هؤلاء. وقد تضمّنت هذه القضايا منسوبا عاليا من المبالغة، وصلتْ إلى درجة اتهام بعضهم بالانضمام إلى وفاق إرهابي. إلا أنه بعكس ما توخّته هذه السلطة، فإن إسرافها في التصعيد لم يؤدّ إلى إضعاف حجّتها وحسب، إنما أيضا إلى استدعاء مزيد من المقاومة الحقوقية والقضائية ضدها. وهذا ما سنحاول إبرازه في هذا المقال. 

التتبّعات الجزائية للقضاة المعفيين: البروباغندا ضد القانون

أصدرت رئاسة المحكمة الإدارية بتاريخ 09/08/2022 قرارها في إيقاف تنفيذ 49 أمرا بإعفاء قضاة، بعدما تخلّفت السلطة السياسية عن إثبات إثارتها لتتبّعات جزائية بحقهم. وبعد أيام معدودة (الأحد 14-08-2022)، وغداة احتفال القضاة في ناديهم بهذه القرارات، نشرتْ وزارة العدل على صفحتها الرسمية بياناً مقتضباً أكّدت فيه على “أن القضاة المشمولين بالإعفاء هم محل إجراءات تتبعات جزائية”. وقد عادت بعد أيام لتنشر بلاغا آخر على نفس الموقع بتاريخ 20-08-2022، مفاده أنه “وخلافا لما يتمّ تداوله في بعض وسائل التواصل الاجتماعي من قبل أطراف تسعى لتعطيل مسار المحاسبة وتدّعي عدم وجود ملفات، فقد تمّت إثارة التتبّعات الجزائية ضدّ القضاة المعفيين. وقد تعهّدت النيابة العمومية المختصة بالملفات (109 ملفا) وأذنت بإحالة عدد هام منها على الأقطاب القضائية المختصة في الجرائم الإرهابية والفساد المالي”. وإذ أملت وزارة العدل أن تضفي التتبعات الجزائية بحق القضاة المعفيين مشروعية على أوامر إعفائهم بما يبرر عدم تنفيذ قرارات إيقاف تنفيذها، إلا أن الأسابيع والأيام الأخيرة إنما كشفت عن اصطدام هذه التتبعات بعقبات ومواجهات لم تكن أبدا ضمن حساباتها وقد ترتدّ ضد مخططاتها بالكامل. أبرز هذه العقبات هي الآتية: (1) المجلس المؤقت للقضاء العدلي المنشأ في ظل تفرد الرئيس سعيّد بالحكم والذي كان يظن أنه سينكفئ عن أداء أي دور مواجه لإرادة السلطة السياسية، و(2) هيئة الدفاع عن القضاة المعفيين في ما نسب إليهم من اتهامات جزائية والتي اختارت أن تتمثّل بالناطق باسمها المحامي عياشي الهمامي وأن تعلّي الصوت مسمّية الأشياء بأسمائها من دون أي مواربة، و(3) نشوء حراك عابر للقطاعات المهنية للدفاع عن هيئة الدفاع عن  القضاة المعفيين، وذلك تبعا لمباشرة التتبعات الجزائية ضد الهمامي على خلفية عمله في الدفاع عن هؤلاء. 

وهذا ما سنحاول إبرازه في هذا المقال. 

مجلس القضاء العدلي، من مجلس منصّب إلى مجلس مقاوم؟ 

تنفيذا لتعليمات وزارة العدل، أحالت النيابة العمومية الملفات ال 109 على قضاة التحقيق المختصين، وهي تعني 47 قاضيا عدليا معفيا كانوا استفادوا كلهم من قرارات إيقاف أوامر إعفائهم. إلا أنّ عددا من قضاة التحقيق الذين أحيلت إليهم هذه الملفات اختاروا أن يُراسلوا المجلس المؤقت للقضاء العدلي للاستفسار منه عن الصفة المهنية للمتهمين المحالين إليهم في ظلّ القرارات القضائية الصادرة بوقف أوامر إعفائهم ورفض وزارة العدل رغم ذلك إرجاعهم إلى عملهم. وتجد هذه المراسلة أساسها في الفصل 22 من القانون الأساسي عدد 29 لسنة 1967 والذي يمنع الهيئات القضائية من تتبع قاضٍ من أجل جناية أو جنحة أو سجنه من دون الاستحصال مسبقا على إذن من المجلس القضائي المختص.   

وهنا أدّى المجلس المؤقت للقضاء العدلي دورا هاما انطلاقا من صلاحيته بالنظر في رفع الحصانة عن القضاة، علما أن المجلس يتمتع باستقلالية في ممارسة هذه الصلاحية، بخلاف أغلب صلاحياته الأخرى التي باتت تخضع بموجب المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المُحدث لمجالس القضاء المؤقتة، لوصاية رئيس الجمهورية. وعليه، أجاب المجلس قضاة التحقيق الذين استشاروه بأن المعنيّين استعادُوا صفاتهم المهنية بموجب حكم إيقاف تنفيذ أوامر إعفائهم وبات القانون الأساسي للقضاء بما فيه من ضمانات قضائية ينطبق حكما عليهم. وإذ أثبت المجلس في موقفه هذا جرأة في التزامه بقيم دولة القانون في مواجهة واضحة مع السلطة السياسية، يرجّح أن يكون هذا الموقف قد كبّد عددا من أعضائه (تحديدا القضاة السامين منهم) التعرّض لهجمات من صفحات التواصل الاجتماعي الموالية لرئيس الجمهورية، بحيث تمّ التشهير الإسمي بهم من دون أيّ اعتبار لحرمة  حياتهم الخاصة وكل ذلك من دون أيّ إدانة أو تدخّل من وزارة العدل التي تمارس الرئاسة الفعلية للنيابات العامة. 

وبناء على موقف مجلس القضاء العدلي، عاد عدد من قضاة التحقيق (وبالأخص قضاة التحقيق العاملين في القطب القضائي لمكافحة الإرهاب) ووجهوا إليه مطالب رفع حصانة في حق القضاة المتهمين أمامهم. وقد عيّن المجلس جلسات بتاريخ 24-01-2023 للنظر في هذه المطالب. وينتظر بالتالي موقفه فيها والذي سيؤكّد في كل الحالات أن المعفيين الذين أوقف تنفيذ أوامر إعفائهم ما زالوا يتمتعون بصفاتهم المهنية كقضاة. 

هيئة الدفاع عن القضاة المعفيين في القضايا الجزائية: 

صوتٌ قويّ يراد قمعه

التحدي الثاني للسلطة الحاكمة في معرض هذه القضية أتى من المحامين المتطوعين للدفاع عن القضاة المعفيين. ففي غرة شهر ديسمبر 2022، وفي إطار ندوة صحفية انعقدت في دار المحامي بتونس العاصمة، أعلنت مجموعة من كبار المحامين المهتمين بالشأن العامّ من بينهم العمداء السابقين للمحامين بشير الصيد وعبد الستار بن موسى وعبد الرزاق الكيلاني وشوقي الطبيب وفاضل محفوظ عن تكوين هيئة للدفاع عن القضاة المعفيين فيما ينسب لهم من اتهامات جزائية وعن اختيارهم المحامي الناشط الحقوقي والسياسي عياشي الهمامي ليكون ناطقا باسمهم ومنسقا لعملهم. ومن اللافت أن هيئة الدفاع اعتبرت أن مهامّها لا تقتصر على الدفاع عن القضاة المعفيين أمام الهيئات القضائية، إنما تشمل أيضا الجانب الاتصالي بهدف التعريف عن المظلمة التي تعرّض لها هؤلاء داخليا وخارجيا والتنبيه لخطورتها على استقلالية القضاء. وفي إطار ممارسة هذا الدور، تمّ استعراض وقائع عدد من القضايا الجزائية المثارة والاستماع لشهادات قضاة وجّه إليهم الاتهام فيها. وقد بيّنت هيئة الدفاع أن الأغلبيّة الكبرى من هذه الملفّات أثيرتْ خلال المدّة الفاصلة بين 12-08-2022 و12-09-2022 أي بعد إصدار المحكمة الإدارية قرارات لفائدتهم وأنها استندت في أغلبها إلى تقارير أمنية غير ممضاة ومحرّرة هي بدورها بعد قرارات الإعفاء وتتضمّن تقييما أمنيا لعمل القضاة المعنيين أو تنسب لهم تجاوزات بناء على ما يُشاع وفق ما ورد في نصها أو لشكايات عدد منها سبق البحث فيه وتبين عدم صحة الاتهام فيها. وقد وصفت هيئة الدفاع تلك التتبعات بالمفبركة والموجهة واضعة إياها في خانة غير المعقول. إذ من غير المعقول وفق ما جاء في الندوة أن توجّه اتهامات بارتكاب جنايات على علاقة بالجرائم الإرهابية ومنها الانضمام لوفاق إرهابي لستة عشر قاضيا من دون بيان وقائع تثبتها ومن دون أي بحث جدي. 

وبتاريخ 29-12-2022، وفي إطار مداخلاته الإعلامية في هذه القضية، عاد الهمامي ليصف مجددا في تصريح له على إذاعة شمس أف أم الملفات المقدمة ضد القضاة المعفيين بالملفّات المفبركة. 

كان ينتظر تبعا لانخراط هيئة الدفاع في توجيه انتقادات مباشرة لوزارة العدل بشأن التتبعات الجزائية ضد القضاة المعفيين وهي قضية مهمة تشغل الساحة التونسية وتمسّ بشكل كبير بالثقة العامة في القضاء، أن تردّ وزيرة العدل بالدليل دفاعا عن موقفها أمام الرأي العام. ولكنها هنا أيضا اختارت المضيّ قُدما في استعمال سلاح التتبعات الجزائية، مع فارق بسيط أن استعمالها هذه المرة استهدف ليس القضاة المعفيين إنما هيئة الدفاع عنهم. وبالفعل، لم تمضِ 24 ساعة من تصريح الهمامي حتى طلبت جفّال من النيابة العمومية إحالته على التحقيق على خلفية ما اعتبرته معطيات مغلوطة الغاية منها نشر أخبار زائفة على أساس الفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022 (استعمال شبكات وأنظمة اتصال لترويج ونشر إشاعات كاذبة بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام ونسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير أو تشويه سمعته والمستهدف منه موظف عمومي). وعليه، وفي ذات تاريخ الطلب، قرّر وكيل الجمهورية في محكمة العاصمة فتح بحث تحقيقي ضد  الهمامي بشأن الأفعال المذكورة والتي تصل عقوبتها إلى السّجن لعشرة أعوام كاملة. وبذلك، تأكدت النوايا التي حذر منها عدد كبير من الحقوقيين بإمكانية استعمال هذا المرسوم الصادر بتاريخ 13 سبتمبر 2022 بإرادة رئيس الجمهورية المنفردة لردع الأصوات المعارضة. 

إنما يلحظ هنا أنّ ما يُراد ردعه هنا هو نشاط المحامين في الدفاع عن ملفّات القضاة المعفيين، بما له من رمزية لجهة تجاوز النزاعات القطاعية في اتجاه توحيد المهن القانونية في الدفاع عن استقلالية القضاء وعن وظيفته في الدفاع عن الحقوق والحريات. فكأنما ضرب استقلالية القضاء لا يكتمل إلا بضرب استقلالية المحامين.    

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التطور السلبي جاء في نهاية سنة تميّزت بانخراط عدد كبير من المحامين والناشطين السياسيين والحقوقيين في الدفاع عن القضاة المعفيين والتضامن معهم في حراكاتهم وفي مقدمتها إضراب الجوع. فإلى جانب هيئة الدفاع عن هؤلاء فيما ينسب إليهم من تتبعات جزائية، نجد المحامين الذين يتولون الدفاع عنهم أمام المحكمة الإدارية وفي مقدمتهم المحاميان كمال بن مسعود وأحمد صواب. كما شهدت هذه السنة نشوء اللجنة المدنية للدفاع عن استقلالية القضاء والتي ضمت شخصيات حقوقية بارزة في مقدمتهم الناشطة الحقوقية والمحامية المتقاعدة بشرى بلحاج حميدة والأستاذة الجامعية سناء بن عاشور. وقد أدى انخراط جميع هؤلاء بما يمثلون من مصداقية في هذه القضية إلى زعزعة الرواية الرسمية في اتجاه إعادة الأمور إلى حقيقتها، لجهة أن هدف الإعفاءات ليس تطهير القضاء من القضاة الفاسدين إنما هو في أغلب الحالات استبعاد القضاة المستقلين وفرض الخوف من الإعفاءات في مجتمع القضاة بما يسهل سيطرة السلطة السياسية عليه. 

تضامن عابر للمهن القانونية حول هيئة الدفاع عن القضاة المعفيين

آخر العقبات التي تواجه مخططات السلطة السياسية في الفصل الثاني من قضية القضاة المعفيين، يتمثل في التضامن الواسع العابر للمهن القانونية حول الهمامي الذي ينتظر أن يمثل غدا أمام قاضي التحقيق في المحكمة الابتدائية بتونس ليجيب ومحاميه (ويرجح أن يكون عددهم بالمئات) عن التهم الموجّهة إليه والتي قد تسلبه حريته لعقد كامل من الزمن. ومن أبرز أشكال التضامن وأكثرها دلالة في هذا المجال هو البيان الذي أصدرته جمعية القضاة التونسيين على غرار العديد من المنظمات الحقوقية (ومنها المفكرة القانونية) في 3 جانفي. ويتمايز هذا البيان عن سواه من المواقف التضامنية مع همامي في أنه يقوّض احتمال تحويل التحقيق معه من قبل قاضي التحقيق إلى مواجهة بين القضاء والمحاماة، ليس فقط بفعل  صدوره عن جمعية القضاة ولكن أيضا وبالأخص بما تضمنه لجهة أن الغرض من تتبع الهمامي هو “التستر على المعلومة والخروقات الحاصلة في ملفات القضاة المعفيين وترهيب كل من يكشف جانبا من الحقائق للرأي العام حول هذا الملف” وبكلام آخر ردعه عن الدفاع عن القضاة المعفيين ومن خلالهم عن استقلالية القضاء.  ويُعيد هذا التّضامن بالحقيقة التّذكير بمحطّات كثيرة تجلّت فيها حراكاتٌ مشتركة للقضاة والمحامين دفاعا عن تصوّراتهم للعدالة. ومن أهم هذه المحطات وأكثر تشابها مع تطورات اليوم، البيان الذي صدر بتاريخ 02/03/2005 عن المكتب التنفيذي لجمعية القضاة ورفض بصوت لا لبس فيه المحاكمات السياسية التي كان يتعرّض لها عدد من المحامين وفي مقدمتهم المحامي محمد عبو. وإذ شكل هذا البيان الدافع الرئيسي لتدخل نظام بن علي لوضع اليد على إدارة الجمعية تبعا لما سمي آنذاك بالانقلاب، فإنه كشف أيضا مدى توجّس السلطة حيال أي تضامن للمهن القانونية حول قضايا الحريات والعدالة. كما نذكر في الإطار نفسه بموقف هيئة المحامين في تونس والتي فتحت أبواب المحاماة أمام القضاة المستقلّين (من جمعيّة القضاة الشبان) الذين فُصلوا عن القضاء عقابا لهم في سنة 1985 من سلطة جائرة فوجدوا في هيئة المحاماة وعميدها آنذاك المحامي منصور الشفي ملاذا لهم حفظ كرامتهم واحتفى بنضالهم. ومن المنتظر تاليا أن يمنحنا يوم الغد مزيدا من مشاهد التضامن العابر لهذين الجسمين والتي يؤمل أن تتطور لما فيه مصلحة للعدالة في تونس.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قضاء ، محاكم إدارية ، قرارات قضائية ، استقلال القضاء ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية