محكمة النقض تفرض رقابتها في تقدير العقوبة: اجتهاد مبدئي للحدّ من عقوبة الإعدام أم اجتهاد منعزل؟


2020-04-02    |   

محكمة النقض تفرض رقابتها في تقدير العقوبة: اجتهاد مبدئي للحدّ من عقوبة الإعدام أم اجتهاد منعزل؟

في خطوة لاقت اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط القانونية والقضائية في مصر، أرست محكمة النقض مبدأ قضائيًا جديدًا بشأن سلطتها في الرقابة على الأحكام الصادرة من المحاكم الجنائية، وتحديدًا فيما يتعلق بسلطة تقدير العقوبة[1]. فوفقًا للحكم الصادر في 10 يونيو 2019[2]، بسطت محكمة النقض رقابتها على تقدير محكمة الموضوع للعقوبة، دون الحاجة إلى نقض الحكم المطعون فيه وتحديد جلسة جديدة لنظر موضوعه، وذلك بخلاف المبادئ والأحكام السابقة التي استقر عليها قضاء المحكمة. فلطالما أكدت محكمة النقض في أحكامها المختلفة على مدار السنين أن تقدير العقوبة من تقديرات محكمة الموضوع بشكل مُطلق، ولا رقابة عليها في ذلك[3].

وتعود وقائع هذا الحكم إلى القضية المعروفة إعلاميًا ب “أحداث كرادسة”، والتي تمت محاكمة المتهمين فيها بمجموعة من الاتهامات على رأسها القتل العمد وتخريب المباني والمصالح الحكومية والتجمهر في منطقة كرداسة، إبان موجة الاحتجاجات التي تلت إزاحة رئيس الجمهورية الأسبق محمد مرسي من سدة الحكم في يوليو 2013. ففي عام 2018 طعن أحد المتهمين في تلك القضية على الحكم الصادر في حقه بالإعدام أمام محكمة النقض، والتي قضت بدورها بتعديل الحكم المطعون فيه وإلغاء عقوبة الإعدام، والاكتفاء بالسجن المؤبد. لتصبح تلك هي المرة الأولى التي تقضي فيها محكمة النقض بتعديل العقوبة أثناء نظرها في أحد الطعون بوصفها محكمة قانون وليس محكمة موضوع.

وعليه، وفي ضوء ذلك الحكم، يناقش هذا المقال مدى ملاءمة الرقابة على سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة، خاصة بعد التعديلات الأخيرة التي شهدها قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض[4]. كما يناقش أسباب تخلي المحكمة عن مبدئها القديم، في محاولة لفهم إذا كان هذا الحكم يمثل مبدأً جديداً يعبر عن اتجاه المحكمة بالفعل، أم مجرد خطوة منعزلة لإحدى الدوائر الجنائية.

محكمة النقض والرقابة على سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة

تعتبر سلطة القاضي التقديرية في توقيع العقوبة على أحد الأفراد إحدى السمات الضرورية الواجب توافرها في أي نظام جنائي يوصف بالعدالة. فطالما كان إرساء العدالة هو الهدف الأسمى لأيّ نظام قضائي جنائي، ويجب إتاحة الفرصة للقاضي أن يوقع العقوبة التي يراها متناسبة مع درجة جسامة الجريمة المرتكبة، ومع شخصية مرتكبها، والظروف التي دفعته لارتكابها، وهو الأمر الذي يعرف بمبدأ التفريد العقابي[5]. فالمُشرّع حين يفرض عقوبة معينة على إحدى الجرائم غالبًا ما ينص على حدّ أقصى وحدّ أدنى لهذه العقوبة، وفي بعض الأحيان ينص على عقوبتين مختلفتين كالحبس والغرامة لذات الجريمة، ويترك للقاضي السلطة التقديرية في اختيار القدر اللازم من العقوبة بين هذين الحدّين بهدف إتاحة الفرصة له لتفريد العقوبة على نحو يناسب شخصية الجاني وظروفه الاجتماعية، بالإضافة إلى ظروف وملابسات الواقعة محل المحاكمة[6]. وعليه، دأبت محكمة النقض على التعامل مع مسألة الرقابة على سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة بنوع من الحذر، فنأتْ بنفسها عن التعقيب على القضاة في تقديرهم للعقوبة، واعتبرتْ أن تلك السلطة هي من إطلاقات قاضي الموضوع التي لا يجوز مساءلته فيها. وهو الاتجاه الذي اختارته المحكمة وقيّدت به نفسها على مدار العقود الماضية، دون تأصيل قانوني واضح للسبب الذي دفع المحكمة لتبني هذا الاتجاه، خاصة وأنه لا يوجد أي نص تشريعي يحول بينها وبين ممارسة ذلك النوع من الرقابة.

لذلك، فإننا نرى أن الحكم الصادر حديثاً والذي أشرنا إليه في صدر هذا المقال قد يمثل تحولاً كبيراً في نظرة قضاة محكمة النقض إلى سلطتهم ودورهم في الرقابة على تقدير القضاة، على الرغم من أن حرية اختيار القاضي لمقدار العقوبة – طالما في الحدود المقررة قانونًا – هو أمر ضروري كما سبق وأن أوضحنا. في الوقت نفسه، علّلت المحكمة ذلك التحوّل تجاه بسط رقابتها على سلطة تقدير العقوبة بالتعديلات الأخيرة التي طرأت على بعض أحكام قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض[7]، وهي التعديلات التي اختصت محكمة النقض بنظر موضوع الدعوى إذا نقضت الحكم المطعون فيه[8]. وذلك بأن خلصت في حكمها إلى أنه ” لما كان تقدير محكمة الموضوع للعقوبة لا يعدو أن يكون خاتمة مطاف الموضوع ومحصلته النهائية، فمن غير المقبول عقلاً ومنطقاً أن يبقى تقدير العقوبة بمنأى عن رقابة محكمة النقض بعد التعديل الذي سنه الشارع في مايو 2017، ومن ثم فقد بات متعيناً بسط رقابة هذه المحكمة – محكمة النقض – على تقدير محكمة الموضوع للعقوبة، دون حاجة لنقض الحكم المطعون فيه وتحديد جلسة لنظر موضوعه[9]. وعليه، تقودنا تلك المبررات التي ساقتها المحكمة إلى ضرورة قراءة الحكم المُشار إليه بأسلوب تحليلي وعين أكثر نقدية لمحاولة فهم الأساس الذي شيدت المحكمة عليه تلك الحيثيات، والتي من شأنها تغيير أحد المبادئ الراسخة لمحكمة النقض على مدار تاريخها.

هل ارتفاع أحكام الإعدام السبب وراء تغيير محكمة النقض لمبدئها؟

في السنوات الأخيرة، تمّ إنشاء دوائر جنائية جديدة “دوائر الإرهاب” التي أصدرت أعداداً غير مسبوقة من أحكام الإعدام على المتهمين في قضايا سياسية[10]. وهو ما دفع جهات أممية بوصف ما يحدث في مصر على أنه “إعدامات جماعية” تفتقد إلى أدنى معايير المحاكمة العادلة. فعلى سبيل المثال، قضية أحداث كرداسة التي نحن بصدد التعليق على حكم النقض الصادر لأحد المتهمين فيها، شملت 22 متهمًا آخراً تم الحكم عليهم بعقوبة الإعدام أيضًا[11].

وعند قراءة الحكم، نجد أن محكمة النقض رفضت أوجه النقض التي دفع بها المتهم، وأيّدت محكمة الموضوع فيها. وهو ما يجعلنا نعتقد أن بسط رقابة المحكمة على تقدير محكمة الموضوع للعقوبة ما هو إلا محاولة منها لتخفيف العقوبة، ويندرج في إطار محاولة المحكمة في السيطرة على جموح بعض محاكم الجنايات التي توسّعت في إصدار العديد من أحكام الإعدام التي طالت الآلاف خلال السنوات القليلة الماضية، مما أثر بالسلب على ثقة الشارع المصري والمتابعين الأمميين والمجتمع الدولي ككل في نزاهة واستقلال القضاء المصري.

إخلال المحكمة بمبدأ تفسير الأحكام

يجب التأكيد على حقيقة أنه إذا ما أرادت إحدى المحاكم العليا كمحكمة النقض أن تعدل عن مبدأ قضائي ثابت لمدة زمنية طويلة، وأن تقر مبدأً جديدًا عكسه تمامًا، فإنه يقع على عاتقها مجهود مضاعف لتأصيل المبدأ الجديد بشكل يجعل منه مبدأً مستقرًا يسهل على القضاة والمحامين والباحثين فهم دوافعه وأسبابه، وإلا ما أُعتبر سوى مجرد نشوز منفرد لإحدى الدوائر الجنائية عن المنهج الثابت للمحكمة[12]. لذلك وعند قراءة الحكم، نجد أن المحكمة أسست حكمها على التعديلات الأخيرة التي طرأت على قانون “إجراءات وحالات الطعن أمام محكمة النقض”[13]. فوفقًا للتعديلات الأخيرة، تصحح المحكمة الخطأ الذي وقعت فيه محكمة أول درجة إذا كان حكمها مبنيًا على مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله[14]، وهو الأمر الذي لم يحدث في الحكم محل النقاش، حيث لم تشِر المحكمة في حيثياتها إلى أي مخالفة للقانون أو للخطأ في تطبيقه، وعلى الرغم من ذلك عدلت الحكم المطعون فيه ونزلت العقوبة إلى السجن المؤبد بدلًا من الإعدام. أيضًا، اختصّت التعديلات محكمة النقض بنظر موضوع الدعوى في حالة بطلان الحكم، أو بطلان أي من الإجراءات التي أثرت فيه، وهو الأمر الذي لا ينطبق أيضًا على تلك الواقعة؛ حيث رفضت المحكمة كما أشرنا الدفوع المبنية على ذلك. وبالتالي، أن ما انتهت إليه المحكمة بأنه قد “بات متعينًا بسط رقابة محكمة النقض على تقدير محكمة الموضوع للعقوبةاستنادا إلى تلك التعديلات، لم يتم تأسيسه وتوضيحه من قبل المحكمة. وما أفردته المحكمة بشأن أنه “من غير المقبول عقلاً ومنطقاً أن يبقى تقدير العقوبة بمنأى عن رقابة محكمة النقض بعد هذا التعديل“، لا يعد كافياً لتأصيل هذا المبدأ وتفسير استنادها للتعديلات. فالمحكمة تعاملت مع (العقوبة) على أنها جزء من (موضوع) الدعوى، وبالتالي تمتد سلطتها إلى مراقبة تقدير العقوبة، وبالتالي جواز تعديلها، دون نقض الحكم. وهو الأمر الصحيح إذا ما كانت المحكمة تنظر الدعوى، بعد نقض الحكم، باعتبارها محكمة موضوع، ولكن في الحكم الذي نحن بصدد تحليله، تظل محكمة النقض محكمة قانون ولم تشِر في حيثياتها من قريب أو بعيد إلى نظرها للدعوى باعتبارها محكمة موضوع. وهو ما يعني أن المحكمة تقرأ التعديلات الأخيرة بأن لها الحق بأن تنظر الدعوى “كمحكمة موضوع” من دون نقض الحكم، مما يفتح النقاش حول التخبط الذي تشهده دوائر محكمة النقض مؤخرًا حول كيفية تفسير وتطبيق التعديلات الأخيرة التي طرأت على قانونها، وكيفية الإفصاح عن كونها محكمة قانون أو موضوع في أحكامها، وهو ما ليس محل مناقشة في هذا المقال[15].

من ناحية أخرى، افتقر الحكم المشار إليه إلى الأسباب التي دفعت المحكمة إلى تعديل الحكم المطعون فيه وتبديل عقوبة الإعدام المقضي بها إلى عقوبة السجن المؤبد. فبينما تؤكد أحكام محكمة النقض المتعاقبة على أن ” تسبيب الأحكام من أعظم الضمانات التي فرضها القانون على القضاة، إذ هو مصدر قيامهم بعملهم من واجب تدقيق البحث وإمعان النظر لتعرف الحقيقة التي يعلنونها فيما يفصلون فيه من قضايا”[16]، اكتفى الحكم المشار إليه بالإشارة إلى أن سبب تعديل العقوبة هو “ما ارتأته المحكمة من ظروف الطعن”[17] فقط، دون الإشارة إلى ماهية تلك الظروف أو ملابستها.

لا مبدأ جديد بخصوص تقدير العقوبة

في 27/7/2019 أي بعدما يقارب شهرين من صدور الحكم موضوع المقال، أصدرت إحدى الدوائر الجنائية الأخرى بمحكمة النقض حكمًا في أحد الطعون المقدمة أمامها بخصوص محاكمة عدد من المتهمين بجريمة التجمهر أكدت فيه على المبدأ القديم لمحكمة النقض بأن “تقدير العقوبة من تقديرات إطلاقات محكمة الموضوع، وأن النعي على المحكمة في هذا الشأن غير مقبول”[18]. وأسهبت في قولها بأن “ما يثيره الطاعنون بشأن تفاوت مقدار العقوبة التي أوقعها الحكم عليهم لا يكون مقبولاً”، وذلك لأن محكمة الموضوع لا تُسأل عن الأسباب التي من أجلها أوقعت العقوبة بالقدر الذي ارتأته[19]. وعليه، فإنه لا يمكننا قراءة الحكم الصادر في يونيو 2019 والذي بسطت فيه محكمة النقض رقابتها على سلطة تقدير العقوبة سوى أنه خطوة منفردة محمودة من إحدى الدوائر داخل المحكمة، ولكنها افتقرت إلى أي تأصيل قانوني. لذلك، فأننا نرى أنه لا يمكننا أن نعتبر مثل هذا الحكم إرساءً لمبدأ قضائي جديد قبل تقره عدد من الدوائر الأخرى داخل محكمة النقض، مع تأصيله وتفسير أسبابه على نحو واضح.

خاتمة

حقيقة، أن تدخّل محكمة النقض لبسط رقابتها على العقوبة التي قررتها محكمة الموضوع محمود في ظلّ صدور مئات الأحكام بالإعدام أو بعقوبات أخرى مجحفة تمثل الحد الأقصى قانونا للجريمة المحكوم بها. وهي أحكام صدرت في غالبها عن قضاة معروفين بكراهيتهم لثورة يناير أو ما تلاها من احتجاجات شعبية بحق كل من شارك في تلك الفعاليات[20] دون مراعاة أي جوانب تتعلق بشخصية الجاني أو ظروفه الاجتماعية. وعليه، وإذ نرى أن إقدام إحدى الدوائر الجنائية بمحكمة النقض على كسر إحدى الثوابت القضائية للمحكمة هو أمر جيد من حيث النتيجة التي توصل إليها في القضية المعنية، فإننا نأسف لعدم تأصيله بشكل كافٍ وعلى نحو يسمح بتبنيه من قبل دوائر أخرى في وقت لاحق. كما أن من شأنه أن يفتح المجال لتسبيب قضاة الجنايات لأحكامهم بصورة أوضح لتفسير اختيارهم للعقوبة المحكوم بها؛ مما يمثل ضمانة إضافية تعزز حق المتهم في الطعن، وعدالة المحاكمة بشكل أوسع.


[2] الطعن رقم 13324 لسنة 88 قضائية – محكمة النقض – الدائرة الجنائية – الإثنين (ج) – جلسة 10 يونيو 2019.

[3] راجع كلًا من: الطعن رقم 19675 لسنة 67 قضائية، جلسة 5 أكتوبر 1999- الطعن 10239 سنة 63 قضائية، جلسة 2 أكتوبر 2002- الطعن رقم 26878 لسنة 75 قضائية، جلسة 27 نوفمبر 2012.

[4]  راجع القانون رقم 11 لسنة 2017 بشأن تعديل بعض أحكام قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959- الصادر في 27 أبريل 2017.

[5]  أيمن مجدي مغاوري – سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة – دراسة بحثية- كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، 2017 – ص4.

[6] للمزيد حول سلطة القاضي في تفريد العقوبة راجع: منة عمر، المحكمة الدستورية العليا المصرية: منع القاضي من تفريد العقوبة غير دستوري، المفكرة القانونية، 13-08-2015.

[7] راجع المرجع رقم (4).

[8]  لمزيد من المعلومات عن تلك التعديلات والنتائج المترتبة عليها يرجى مراجعة: منة عمر – هكذا عطلت محكمة النقض المصرية إجراءات الطعن أمامها: أي حدود لتفسير القاضي للقانون؟ – المفكرة القانونية – 16 سبتمبر 2019.

[9] راجع الطعن رقم 13324 لسنة 88 قضائية – محكمة النقض – الدائرة الجنائية – الإثنين (ج) – جلسة 10 يونيو 2019.

[10] بالأرقام رصد لأحكام الإعدام في مصر من 2011 إلى 2019 – تقرير صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية – 16 أكتوبر 2019.

[12]  محكمة النقض هي محكمة واحدة على مستوى الجمهورية تضم 72 دائرة منها 30 دائرة جنائية. راجع: التشكيل الجديد لدوائر محكمة النقض والهيئات القضائية – اليوم السابع – 18 سبتمبر 2018.

[13] راجع القانون رقم 11 لسنة 2017.

[14]  راجع نص المادة (39) من القانون 57 لسنة 1959، المعدلة بموجب القانون رقم 11 لسنة 2017.

[15] راجع مرجع رقم (8).

[16] نقض جنائي جلسة 31 يناير 1939- مجموعة المكتب الفني – الجزء الأول – رقم 170- ص.178.

[17]  راجع المرجع رقم (2) ص.13.

[18]  الطعن رقم ٢٥١١٧ لسنة ٨٨ قضائية – جلسة 27 يوليو 2019. راجع الحكم كاملاً على الموقع الرسمي لمحكمة النقض المصرية.

[19] راجع المرجع السابق.

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مصر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *