مجلس القضاء العدلي يتدخّل لفرض رقابته على تدوينات القضاة في تونس: مخاوف مشروعة على حرية انتقاد عوامل الخلل في القضاء


2020-10-08    |   

مجلس القضاء العدلي يتدخّل لفرض رقابته على تدوينات القضاة في تونس: مخاوف مشروعة على حرية انتقاد عوامل الخلل في القضاء
رسم رائد شرف

بتاريخ 29-09-2020، صدر عن مجلس القضاء العدلي بلاغ  موضوعه كما ورد في عنوانه “تعاطي القضاة مع وسائل التواصل الاجتماعي”؛ وقد تضمن جملة من المقررات التي ذكر صلبه أنها ستكون سارية لحين صدور مدونة السلوك القضائي وتتعلق بحضور القضاة العدليين بشبكات التواصل الاجتماعي وما سيتتبع مخالفتها من إجراءات.

ورد بتلك الوثيقة أن مجلس القضاء العدلي يؤكد على عدد من الأمور:

  • “الأهمية البالغة لوسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها منبرا حرا للرأي والرأي الآخر ومجالا رحبا ليمارس الشخص حريته في التعبير عن رأيه والتفاعل مع محيطه”،
  • “أهمية المنصب القضائي في المجتمع باعتبار أن القاضي يتعرض دائما للفحص والتدقيق من عامة الناس”، مما يوجب “عليه أن يقبل قيودا شخصية قد تمثل عبءا بالنسبة للمواطن العادي، بما يعزز الثقة في المنظومة القضائية”، وهي ثقة تكتسي “أهمية بالغة في المجتمعات الديمقراطية”،
  • “أن حرية التعبير ضمانة أساسية لاستقلال القضاء وأن للقاضي الحق في حرية التعبير عن رأيه بمواقع التواصل الاجتماعي مع الحرص على الموازنة بين حريته والحاجة إلى الحفاظ على حياده وعلى هيبة القضاء وعلى استقلال السلطة القضائية”.

وانطلاقا من هذه القواعد، وضعت الوثيقة أن “على القاضي أن يمتنع عن نشر كل ما من شأنه أن يتضمن الانتصار لحزب أو أي جهة سياسية أو انتهاك الدستور أو القوانين المقررة محليا ودوليا وعن افشاء سرية المداولات في إبداء رأي أو تعليق بأي طريقة كانت بشأن الدعوى المعروضة أمامه، وله ممارسة الحريات التي نص عليها الدستور ضمن الحدود القانونية مع تجنب كل ما يمس بسمعته أو سمعة زملائه أو سمعة  الهيئات القضائية”.

يطرح  بيان مجلس القضاء العدلي من جهة الشكل سؤالا هاما عن اختصاصه في التعاطي مع موضوعه الذي يبدو موقفه منه مثيرا لسؤال أعمق عن حق القضاء في ممارسة مواطنتهم ومنها حق التعبير.

هل خاض المجلس في مجال يخرج عن اختصاصه؟

يسند الدستور[1] ومن بعده القانون الأساسي المنظم للمجلس الأعلى للقضاء[2] للمجالس القضائية أي المجلس العدلي والإداري والمالي صلاحية البت في المسائل التي لها علاقة بالمسار المهني للقضاة[3] وأجاز لها التداول “في كلّ ما يخصّ سير العمل القضائي في نطاق اختصاصها”، فيما تركت ذات النصوص الإطارية للجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء والتي تتكون من أعضاء المجالس القضائية القطاعية الثلاث مسؤولية “ضمان حسن سير القضاء واحترام استقلاله”[4] واقتراح الإصلاحات اللازمة لذلك وصياغة مدونة سلوك القضاة[5].

وتبرز المقاربة بين المقرر في موضوعه والتشريع في مقتضاه أن المجلس اعتبر تدوينات القضاة العدليين بشبكات التواصل الاجتماعي من متعلقات سير العمل القضائي أو من العوامل المؤثرة فيه بما يكون معه إصداره لمنشور من صلاحياته التي يستمدها من افتقار المنظومة الإجرائية مؤقتا لمدونة سلوك تؤطر الممارسة.

كان يفترض هنا ليكون هذا التمشي المنطقي مقبولا أن يسند القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء في باب أحكامه الانتقالية للمجالس القطاعية لمثل هذه الصلاحية المؤقتة وهو ما لم يكن. وعليه، يجدر التصريح بأنّ المشرع لم يجِزْ لغير الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء التدخل في ضبط ما قد يكون لازما من قيود على حريات القضاة تفرضها عليهم خصوصية وظيفتهم الاجتماعية ولم يسمح لهذه الجلسة أن تعتمد وسيلة غير مدونة الأخلاقيات في ذلك.

يستفاد مما سلف أن مذكرة المجلس شابها عيب اختصاص وقيدت حقوقا بغير ما أوجب القانون من وسيلة لذلك فأتت مختلة شكلا بشكل يفرض التصريح بكونها غير ذات قيمة قانونية. وهو استنتاج لا يجب أن يحجب خطورة  التصور الذي صيغت به والذي يخشى أن يمتدّ فعله لمشروع مدونة السلوك بما يحولها نصّا للمنع والقيد، وبما يهدّد مكاسب للقضاء المستقل تحققت بفضل الحرية وما كان لها أن تتحقق من دونها.

 

ألم يكن من الأجدى الإنتصار للحرية والتصدّي للتدخل في القضاء؟

صدرت مذكرة المجلس العدلي في توقيت كان يفترض فيه أن يكون من أصدرها منشغلا عنها بالإعداد المادي لحركة الاعتراضات عن تنقلات القضاة لسنة 2020-2021 وفي تاريخ كان وعد أن ينشر فيه تقريرا تفصيليا حول الحركة القضائية السنوية التي أجراها وهو ما لم يتولاه بما يدفع للسؤال عن سبب الاستعجال فيها والتضحية في سبيلها بما يفترض من وحدة بين كل أصناف القضاة في التزامهم بأخلاقيات مهنتهم  بشرت به وحدة مجلسهم.

في سياق محاولة إيجاد مثل هذا التفسير، يلاحظ:

  • أن تقييدات النشر التي تعلقت بسرية المفاوضة وبالمواقف الحزبية مكرسة في القانون الأساسي للقضاة بما يعني أن المذكرة لا تقدم لجهات التأديب إضافة في شأنها.
  • أن التحجير الذي تعلق بما سمي سمعة القضاة والهيئات القضائية ورد بصيغة فيها كثيرا من التعميم بما يتعارض مع ما تضمنته المذكرة ذاتها من إقرار بكون الأصل في الأمور أن للقضاة حرية كاملة في التعبير والنقد وأن كل تحديد لتلك الحرية يكون مقيدا ومحددا.

كما يلاحظ أن صدور المذكرة تزامن مع انتقادات وجهت للمجلس وتعلقت بإدارته لملف الحركة القضائية السنوية كان منطلقه اتهامات وجهتها له جمعية القضاة وتطورت لاحقا لمواقف فردية عبر عنها القضاة في صفحات التواصل الاجتماعي. وكان عدد من القضاة طرحوا في تدويناتهم التي نشرت وفيما تعلق بذات الحركة السؤال عن العلاقة بين تنحية وكيل جمهورية تونس بشير العكرمي من موقعه وأبحاث قضائية باشرها على علاقة بملف فساد قضائي تطورت بشكل لم يكن متوقعا لها وباتت تهدد بأن تطال سماعاتها شخصيات قضائية كبرى في تلميح لاتهام المجلس باستعمال سلطته للتدخل في عمل النيابة العمومية بتونس وفي حماية كبار القضاة من خطر المساءلة.

تعزز جملة الملاحظات السالفة وملابسات إصدار المذكرة الشكوك حولها وتؤدي لترجيح الاعتقاد بكون الهدف منها لم يكن إلا ما سمته “حماية سمعة الهيئات” وبكون من أصدرها ضاق ذرعا بجانب من تدوينات القضاة المحرجة  فحاول أن يفرض عمن تنسب لهم قانون الصمت. وقد يكون مثل هذا القول من قبيل المحاسبة على النوايا وقد يغيب فعليا الدليل القاطع على صحته: لكن هذا لا ينفي بحال أن ما ذكر في المذكرة من دفاع عن الثقة العامة في القضاء اقترن باستعمال وسائل تؤدي لاستدامة أسباب تزعزع تلك الثقة.

ينتظر تاليا من المجلس الأعلى للقضاء في جلسته العامة التدخّل لبيان المقاربة التي سيعتمدها في مدونته التي يؤمل أن تقطع في روحيتها كما في نصها مع المقاربة التي تنتصر للتوسع في المنع وتدّعي القدرة على عزل القضاة عن واقعهم الاجتماعي والسياسي. وقد تكون هنا تجربة مذكرة المجلس العدلي وما شابها من شبهات استعمال لقيم الثقة في القضاء وهيبة القضاة والقضاء لمنع حديث الإصلاح خير درس تستلهم منه.

 

  • مواضيع ذات صلة:

تصور جديد حول الأخلاقيات القضائية في المنطقة العربية 

 

[1]   ينص الفصل 114 من الدستور على أنه ” يبتّ كل من المجالس الثلاثة في المسار المهني للقضاة وفي التأديب “

[2]  القانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 المؤِرخ في 28 أفريل 2016 والذي  تعلق بالمجلس الأعلى للقضاء.

[3] ينص  الفصل 45″  يبتّ كل مجلس قضائي في المسار المهني للقضاة الراجعين إليه بالنظر من تسمية وترقية ونقلة، كما يبتّ في مطالب رفع الحصانة ومطالب الاستقالة والإلحاق والإحالة على التقاعد المبكّر والإحالة على عدم المباشرة وفق أحكام الأنظمة الأساسية للقضاة.”

[4]  الفصل 114 من الدستور

[5]  ينص الفصل  42 ـمن القانون  المنظم للمجلس ذي المرجع أعلاه  على أن  تتولّى الجلسة العامة :ـ إعداد النظام الداخلي للمجلس،ـ ضبط المنح المسندة للأعضاء في إطار أحكام الميزانية المصادق عليها من قبل مجلس نواب الشعب، ـ تعيين أربعة أعضاء بالمحكمة الدستورية،ـ إصدار الرأي المطابق وتقديم الترشيح الحصري طبقا لمقتضيات الفصل 106 من الدستور،ـ مناقشة مشروع الميزانية والمصادقة عليه،ـ مناقشة التقرير السنوي والمصادقة عليه،ـ اقتراح الإصلاحات الضرورية لضمان حسن سير القضاء واحترام استقلالهـ إبداء الرأي بخصوص مشاريع ومقترحات القوانين المتعلقة خاصة بتنظيم العدالة وإدارة القضاء واختصاصات المحاكم والإجراءات المتبعة لديها والأنظمة الخاصة بالقضاة والقوانين المنظمة للمهن ذات الصلة بالقضاء التي تعرض عليها وجوبا،ـ إبداء الرأي في مشروع قرار وزير العدل المتعلق ببرنامج مناظرة انتداب الملحقين القضائيين،ـ إبداء الرأي في ضبط برامج تكوين الملحقين القضائيين والقضاة بالمعهد الأعلى للقضاء،ـ إعداد مدوّنة أخلاقيات القاضي.

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، تونس ، حرية التعبير ، قضاء



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *