ليس بغسل الأيدي وحده نُحيي القضاء


2021-03-19    |   

ليس بغسل الأيدي وحده نُحيي القضاء
رسم رائد شرف

أصدر نادي قضاة لبنان في 15 آذار 2021 بياناً يُضاف إلى سلسلة من بياناته السابقة التي أمكن وضعها في خانة البيانات الجريئة أو الخارجة عمّا اعتاد عليه القضاة من تحفّظ. وقد ذهب هذا البيان في اتجاهين: 

الأوّل، تبرئة عموم القضاة من الاتهام الموجّه إليهم بعدم القيام بما يلزم لمكافحة الفساد بحجّة أن ليس بمقدورهم أن يغيّروا به شيئاً. وقد أفاد البيان بما معناه أنّ تحميل القضاة كافّة المسؤولية إنّما يؤدّي إلى تحميلهم وزر من اعتبرهم البيان “القلّة القليلة” من القضاة. فكلّ قاضٍ في الجمهورية “بات عُرضةً للسباب اليومي لأسباب لا يمتلك أن يغيّر بها شيئاً”، كلّ ذلك لأنّ القلّة القليلة تستنكف عن ممارسة الصلاحيات التي أناطها القانون بها. وبذلك، حمّل البيان هذه القلّة ليس فقط مسؤولية الفشل في مكافحة الفساد ولكن أيضاً استباحة كرامات القضاة كافّة والتي “لا يمكن أن تكون مشاعاً” لهؤلاء. 

الثاني، توجيه أصابع اتّهام واضحة في اتجاه أشخاص بعينهم وهم الأشخاص الذين يحتلّون مناصب معيّنة في القضاء العدلي أو في ديوان المحاسبة. ولا يخفي البيان الخيبة التي يشعر بها نادي القضاة حيال رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبّود. وقد ورد ذلك في مستهلّه حيث حمّل النادي الإدارة القضائية “التي توسّمنا بها خيراً” مسؤولية رفض الاستماع لأيّ رأي مخالف (وتحديداً رأي النادي) من خلال رفض الاجتماع به. كما ألمح البيان في مكان آخر إلى نرجسية هذه الإدارة التي ربما تخاف ألّا يذكرها التاريخ كأبطال منقذين. وبذلك، يواصل النادي ما كان بدأه ببيانه الشهير الصادر عنه بعيد تفجير مرفأ بيروت والذي دعا فيه إلى استقالة العديد من المسؤولين القضائيين ومنهم رئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى كافّة. 

ولم يفتْ البيان الإشارة إلى أنّ نخبةً من القضاة كما من أصحاب المهن الأخرى تسعى للهجرة. 

تعليقاً على هذا البيان، نُسجِّل الملاحظات الآتية:

  • انتهاك جديد لحرية القضاة بإنشاء جمعيات ونوادٍ

يشكّل الاختلاف في وجهات النظر بين الهيئات القضائية الرسمية وجمعيات القضاة، أمراً اعتيادياً غالباً ما يكون صحّياً في الدّول التي نجح فيها القضاة في تأسيس جمعيات مهنية، حيث تتولّى الهيئات إدارة المسارات القضائية فيما تتولّى الجمعيات تمثيل هموم القضاة الخاضعين لهذه الإدارة وطموحاتهم. إلّا أنّ ما كشفه بيان النادي الأخير بوضوح كلّي هو أنّ مجلس القضاء الأعلى يرفض بشكل منتظم أيّ لقاء مع النادي (نفهم أن الرفض حصل ثلاث مرات) ممّا يعني أنّ الخلاف المتمادي بينهما بلغ حدّ القطيعة. وفي حين أنّ هذه القطيعة ليست جديدة في الحالة اللبنانية وفق ما وثقته “المفكرة القانونية” في كتاب: “حين تجمّع القضاة في لبنان”، وهي السياسة التي قاومها القضاة على مدى سنوات إلى حين نجاحهم في إنشاء نادٍ بل حتى لأشهر بعد نشوء هذا النادي، فإنّ المؤسف أنّ هذه القطيعة أقدم عليها هذه المرة رئيس المجلس (سهيل عبود) الذي كان أوّل من دعا لإنشاء جمعية للقضاة ومن بين قلّة دعوا لتأسيس النادي في مواجهة سلفه جان فهد، فإذا به يلتحق بالذين يرفضون الاعتراف به أو التعامل معه. وبذلك، فإنّ القطيعة بين النادي والمجلس التي انتهت بتعيينه في أيلول 2019 عادت لتسود العلاقة بين الهيئتين بعد فترة من التواصل لم تدمْ سوى أشهر قليلة. ويُرجّح أن تكون هذه القطيعة قد عادت إلى سابق عهدها بعد البيان الذي ألقاه نادي قضاة لبنان أمام قصر العدل في 8 آب 2020 تبعاً لتفجير مرفأ بيروت وطالب فيه المسؤولين القضائيين بالاستقالة. وقد ردّ عدد من القضاة المؤيّدين للمجلس آنذاك بتحقير النادي من خلال وصف قضاته بـ”قضاة الرصيف” (على خلفية أنّهم تلوا بيانهم خارج قصر العدل أمام وسائل الإعلام). 

وتجدر الملاحظة هنا أنّ فترة التواصل لم تخلُ بدورها من سلبيات. فخلال هذه الفترة، بدا النادي وكأنّه فقد الكثير من حيويته وحسّه النقدي حيال سياسات مجلس القضاء الأعلى بدليل التزامه الصمت حيال مشروع التشكيلات القضائية الذي أُنجز في آذار 2020، والتي لم ينتقدْها إلّا بعد أشهر من وضعها في بيان 8 آب 2020 نفسه. وهذا الأمر إنّما يشكّل عاملاً مؤسفاً طالما أنّه يعني أنّ الفترة الوحيدة من وجود النادي والتي لم تحكمْها القطيعة هي الفترة التي امتنع فيها النادي عن انتقاد المجلس علناً. وهذا الأمر إنّما يؤكّد أنّ اعتراف المجلس بالنادي وتعامله معه بإيجابية لا يحصل انطلاقاً من اعترافه بحرية القضاة بتأسيس جمعيات مهنية (وهي إحدى ضمانات استقلال القضاء الدولية وفق ميثاق الأمم المتحدة الصادر في 1983) إنّما هو مجرّد سماح مشروط منه بأن يلتزم النادي بالخطوط الحمراء التي يضعها له وأن يبقى تحت سقفه. وهذا ما يتأكد في مستهل البيان حيث اعتبر النادي أنّ رفض الاستماع إليه إنما يعكس عقلية إدارة ترفض الاستماع إلى أي رأي مخالف.

وبذلك، يكون مجلس القضاء الأعلى سجّل انتهاكاً جديداً لمبادئ استقلالية القضاء.  

  • تصنيف القضاة ضمن فئتين تبسيطي لا يخلو من التعميم 

من أهمّ ما ورد في هذا البيان، التذكير أنّ القضاء ليس واحداً وأنّ وضع القضاة في سلّة واحدة هو في غير محلّه طالما أنّه يُؤدّي إلى تحميلهم مسؤولية جماعية في فشل مكافحة الفساد أيّاً يكن مركزهم أو الصلاحيات المناطة بهم، مقابل حجب أو تمييع مسؤولية من هم مسؤولون حقّاً عن ذلك. ومع التسليم بالضرر الناجم عن تعميم المسؤولية، فإنّ البيان الذي أتى ردّاً عليه وقع بالمقابل في تعميم معاكس قوامُه تعميم اللامسؤولية لتشمل جميع القضاة إلّا ستّة حملوا صراحة كامل المسؤولية. وهذا ما نستشفّه من تصنيف القضاة ضمن فئتين: القضاة الذين لا يستطيعون ولا وزر عليهم والقضاة الذين يستطيعون وهم هؤلاء الستة فقط. وفي الواقع تصنيف القضاة على هذا الوجه تبسيطي ويحجب العديد من المسؤوليات الناجمة عن انخراط العديد من القضاة في شبكات نفوذ وفساد محورها الأحزاب السياسية المهيمنة أو أيضاً انكفائهم عن المواجهة تسليماً بالهرمية القضائية والتي تسود من دون أن يكون لها دائماً ما يبرّرها في النصوص. فهل خفي على النادي أنّ لأعضاء مجلس القضاء الأعلى صلاحيات واسعة قوامها أنّ لكلّ منهم صوتٌ مساوٍ لصوت رئيسه أو نائب رئيسه في القرار، وأنّهم بالكاد يستعملون هذه الصلاحيات في مواجهة ما قد يقرّره قلّة منهم تعسّفاً عملاً بهرمية موجودة في نفوسهم ولا يبرّرها أي نصّ؟ وهل خفي على النادي المسؤولية الكبرى التي يتحمّلها رئيس مجلس شورى الدولة ورؤساء غرف المجلس الموزّعين وفق الكوتا السياسية معه، وهم الذين يتولّون النظر في عدد كبير من المراسيم والقرارات الإدارية الصادرة عن السلطة التنفيذية أو الإدارات العامة، بدءاً من الكسارات مروراً بالأملاك العامّة والصفقات وانتهاك الحريات العامّة؟ هل خفي عليهم الهرمية الفائقة التي يمارسها معظم هؤلاء للتحكم في قرارات غرفهم، فضلاً عن الخدمات الاستشارية التي يؤدّونها داخل الوزارات والإدارات العامّة بما يجعل المجلس الذي وُجد لمحاسبة الإدارة، في خدمتها وينتهك مبدأ الفصل بين السلطات انتهاكاً جسيماً؟ هل خُفي على النادي أنّ العديد من القضاة (أضعاف أضعاف الستة المذكورين في بيانهم) غارقون حتى العظم في التبعية وتنفيذ الأوامر كما هي حتى ولو أدت إلى مظالم كبرى وأنهم يفعلون ذلك ليس دائماً اتّقاء لخطر محدق بل قبل كل شيء طمعاً بمراكز لا يجدون حرجاً في تصيّدها بأي وسيلة؟ فكيف يوضع كل هؤلاء في خانة من لا يستطيع مكافحة الفساد فيما هم عوامل مسهلة للفساد بالفعل أو بالصمت؟ 

وإذ نطرح هذه الأسئلة بهدف تصويب ما جاء في البيان، نسارع تخفيفاً لهذا النقد إلى توضيح أنّ النادي سجّل في مناسبات عدّة حرصه على مساءلة القضاة، ومنها رفضه قبول استقالات القضاة الذين يثبت تورّطهم في الفساد بما يخوّلهم الهروب من عقوبات يستحقونها وقبض تعويضات لا يستحقونها.

  • التعويل على إصلاحات من يجدر عزله

فضلاً عمّا تقدّم، لا يُفهم أن يدعو النادي المسؤولين الستّة إلى الاجتماع للتنسيق فيما بينهم لمكافحة الفساد، وبخاصّة أنّه كان طالب منذ أشهر باستقالتهم وأنّ أيّ مراقب لسيَر هؤلاء يعلم أنّ ارتباطات غالبيتهم تمنعهم من القيام بأيّ جهد حقيقيّ لمكافحة الفساد، هذا فضلاً عن أنّ بعضهم محلّ شبهات تجعل من غير الجدّي ائتمانهم القيام بأي وظيفة قضائية، مهما قلّ شأنها. وقد بدا واضحاً أنّ التوجّه إلى هؤلاء هو مجرّد مناشدة يعلم النادي تماماً أنّها غير مجدية. 

  • بيان غسل أيدٍ من دون تعهّد أو استنهاض

أخيراً، ورغم أهمية تصويب أصابع الاتهام في اتجاه “القضاة الستّة” من منطلق أنّهم يستطيعون ولا يفعلون، فإنّ البيان بدا في غالبه بمثابة غسل أيدٍ من عبء مكافحة الفساد أو ربما إعلان عجز أكثر منه خارطة طريق لاستنهاض سائر القضاة في ما قد يستطيعون فعله، سواء ضمن المحاكم أو خارجها، أو ضمن ملفات الفساد الكبرى أو خارجها. فقد خلا البيان من أيّ إعلان للنوايا أو التزام من النادي ببذل أي جهد في هذا السبيل ولو بالحدود التي هو قادر عليها. وفي حين تحدّث البيان عن سعي نخبة من القضاة للهجرة، فإنّه لم يتضمّن أي خطاب لثني هؤلاء عن مسعاهم أو على الأقلّ دعوتهم للتريّث أو لاستنهاض عزائم القضاة دفاعا عن القضاء كسلطة ومرفق عام. أليست هذه اللحظة التي تدعو القضاة المؤمنين بأدوارهم الاجتماعية إلى العمل والتوحّد أكثر من أي وقت مضى والتحوّل إلى طاقة إيجابية لإعادة بعض الأمل للناس؟ أليست هذه اللحظة التي توجب على كل قاضٍ أن يفعل كلّ ما بوسعه ضمن الصلاحيات والإمكانات المتاحة له لضمان ما قدر من عدالة للمتقاضين، ولا سيما أنّ لكلّ قاضٍ أن يجد ضمن ملفاته كمّا كبيراً من الملفات التي ترشح عن مخالفات جسيمة للقوانين وعن كمّ هائل من الظلم والتسلط وصرف النفوذ؟ أليست هذه اللحظة كي يعري الشهود الأهم (القضاة) المظالم الحاصلة داخل القضاء، ليس بالأسماء فقط بل بالأفعال أيضاً، وذلك من خلال توثيق ممارسات الفساد داخل القضاء وممارسات التدخل في أعماله، بما يعكس إرادة النادي بأن يشهد للحقّ؟ أليست هذه اللحظة التي نعكف على استقاء الدروس من فشل مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي والنيابات العامة ومجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة لوضع أسس لنظام جديد وكسر الحواجز بين القضاء والناس والتي غالباً ما استخدمت لإضعافهم وملاقاة الساعين لاستقلال القضاء في مسعاهم لفرض تشريعات جديدة؟ أليست هذه اللحظة التي تفرض على القضاة والنادي تغليب إيجابية العمل على سلبية التبرؤ من المسؤولية التي بالكاد تقدّم أو تؤخّر؟ 

هي أسئلة نقدية نطرحها من دون التقليل من الصعوبات التي يتعرّض لها كلّ قاض وبخاصّة بعد انهيار العملة الوطنية، وهي أسئلة نقدية تطرح ليس بدافع المساجلة مع نادٍ نعدّ نشوئه أحد أجمل إنجازات حراكات السنوات الأخيرة، وليس بدافع تحميل الجسم القضائي وحده عبء إصلاحه طالما هو شأن عام يتطلب مشاركة الجميع، ولكن قبل كل شيء بدافع النقد البنّاء والتكامل والاستنهاض. فكما ورد في البيان، الناس لا يحتاجون لمزيد من الكلام والمناشدات، هم يحتاجون إلى أفعال. فلنفعل.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أطراف معنية ، استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، المهن القانونية ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، حرية التجمّع والتنظيم ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قضاء ، لبنان ، محاكم إدارية ، محاكم جزائية ، محاكم دستورية ، محاكم مدنية ، مقالات ، نقابات



لتعليقاتكم