لمحة سريعة عن مراحل تطور القضاء الليبي: دعوة الى إنشاء جمعية للقضاة الليبيين تحصيناً لإستقلالية القضاء في نظام ما بعد الثورة


2012-03-01    |   

لمحة سريعة عن مراحل تطور القضاء الليبي: دعوة الى إنشاء جمعية للقضاة الليبيين تحصيناً لإستقلالية القضاء في نظام ما بعد الثورة

 
تبعاً لإلتزامها بمتابعة شؤون القضاء في الدول العربية، ولا سيما في الدول التي تشهد تحولات سياسية هامة، تنشر المفكرة القانونية على موقعها الالكتروني مقالاً لقاضٍ ليبي (مروان الطشاني) بشأن مراحل تطور القضاء الليبي، آملة أن تتمكن في القريب العاجل من توثيق أبرز التطورات الحاصلة بشأنه ومتابعتها. وهي تبقى على موعد مع القضاة الليبيين الراغبين بإنشاء جمعية لهم، تيمناً بقضاة تونس (المحرر).
 
 
منذ إستقلال ليبيا،مر القضاء بمراحل عدة ساهمت في تشكيله وبنائه.
 
القضاء الليبي في الفترة الملكية بعد الإستقلال
 
 كان أولها التأكيد في دستور سنة1951معلى إستقلال القضاء وإتخاذ نظام القضاء الموحدالذي تبناه المشرع الليبي وكان نص المادة (42، السلطة القضائيةتمارسها المحكمة العليا والمحاكم الأخرى)، اللبنة الأساسية في بناء النظام القضائي الليبيلتبدأ رحلة إستصدار القوانين والتشريعات المنظمة للعمل القضائي إبتداءاً بقانون المحكمة العليا الإتحادية ثم قانونالمرافعات المدنية التجارية وقانون الإجراءات الجنائية (1953م)، ثم صدرالقانونالمنظم للإجراءات الشرعية سنة (1958م) وقانون نظامالقضاء رقم 29 لسنة 1962م.

القضاء الليبي في مرحلة نظام القذافي 
 
ويمكن القول أن المرحلة الثانية بدأت بعد إنقلاب سبتمبر1969م  حيث إستمر العمل بذاتالتنظيم حتى صدر القانون رقم 78 لسنة 1973م بشأن توحيد القضاء والذي تم بوجبه دمجالقضاء الشرعي والمدني في جهة واحدة، وكانت هذه المرحلة شديدة القسوة على النظامالقضائي الليبي وعلى إستقلاله والتدخل في
إختصاصاته والتأثير على حياده وكان الفيصل الرئيسي إستبداد رأس السلطةفي ليبيا وتبنيه  لما يسمىبالنظام الجماهيري ما ساهم  في إرباك النظامالقضائي الليبي. بل لعلَ المتأمل بدقة سيُلاحظ وجود تعمّد ممنهج للعبث بهذا الجهاز بإعتباره حامي الحقوق والحريات التي هي عماد أي دولة وضماناً من ضمانات الإستقرار فيها. وقد كانت البداية من خلال إعادة تنظيم المحكمة العليا بالقانون رقم ( 6 لسنة 1982م ) الذي جاء خالياً من أية إشارة لإختصاصها بالنظر في المسائل الدستورية مما يعني إلغاء الدائرة الدستورية.
بل ذهب النظام إلى أبعد من ذلك حين ألغى منصب ووظيفة النائب العام بموجب القانون رقم 8 لسنة 1983 م بشأن تعديل بعض أحكام نظام القضاء لمدة تزيد عن تسع سنوات حتى أعيدت إستجابة لضغوط المجتمع الدولي نتيجة لتداعيات قضية لوكربي. وإستحدث النظام السابق تشريعات تدخلت في العمل القضائي وعرقلت مسيرته.
 
سنحاول إيجاز بعض منها كإلغاء مهنة المحاماة الخاصة  لمدة تسع سنوات بموجب القانون رقم 4 لسنة 1981م بشأن إنشاء إدارة المحاماة الشعبية
1) وإستحداث قضاء إستثنائي موازٍ للمحاكم العادية والنيابات كمحكمة الشعب ومكتب الإدعاء الشعبي التي نشأت بموجب القانون رقم 5 لسنة1988م  وإشتهرت بأحكامها التعسفية والظالمة ضد كل من يخرج عن دائرة النظام.
2) وإنشاء نيابة ومحكمة أمن الدولة بموجب قرار المجلس الأعلى للهيئات القضائية رقم 27 /2007 م وصدور عدد كبير من القوانين التي أعطت حصانات لموظفين عموميين تابعين للسلطة التنفيذية ساهمت هذه الحصانات في إفلاتهم من المحاكمة والعقاب بل صدرت تشريعات تمنع التقاضي في دعاوي معينة كصدور قانون رقم 7 لسنة88 م الذي يحظر رفع الدعاوي المتعلقة بالعقارات ولعل الأغرب هو صدور قوانين  تحد من السلطة التقديرية للقاضي في تقديره للتعويض الجابر للضرر ومنها وضع سقف للتعويض في الأحكام الصادرة ضد الدولة  وبعض الشركات مثل القانون رقم213 لسنة 2003م بشأن تحديد أسس وضوابط التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية الناشئة عن حوادث المركبات الآلية المؤمنة بموجب القانون رقم 28 لسنة 1971م بشأن التأمين الإجباري.
3) كذلك إلزام المتقاضين بعرض النزاعات أمام اللجنة الشعبية للمحلة قبل رفع الدعاوى وهو شرط يقيد الحق الدستوري للمواطن وهو حق التقاضي دون قيود.
4)  كما أدى الإسهاب في إصدار التشريعات والقوانين بشكل مبالغ فيه ودون دراسة مستفيضة لمدى أهميتها أو الحاجة الفعلية إليها إلى التضارب فيما بينها  والتناقض في نصوصها مما أربك المحاكم وحير القضاة في تفسير أحكامها .
5) وتجلت سيطرة السلطة التنفيذية على القضاة والتأثير على إستقلالهم من خلال رئاسة وزير العدل للمجلس الأعلى للهيئات القضائية  وعضوية الكاتب العام لوزارة العدل للمجلس الأعلى للقضاء المنوط به تعيين وترقية ونقل وعزل وتأديب القضاة بل إقحام غير القضاة لترؤس أعلى الهرم القضائي مثل تعيين ضابط مخابرات برتبة عميد نائباً عاماً من سنة 2002 م إلى 2007 م وكذلك تكليف أستاذ آكاديمي وعضو لجان ثورية رئيسا ً للمحكمة العليا من سنة 2005م الى 2009م وهما عضوان أساسيان في المجلس الأعلى للهيئات القضائية.
7)  وكان تدخل السلطة التنفيذية (( وزير العدل )) في عمل المحاكم واضحا كإصدر قرار يمنع المحاكم من شمول أحكامها بالنفاذ المعجل في الأحكام الصادرة ضد الشركات النفطية القاضية بأحقية العمال في مرتباتهم بعد الحكم بإعادتهم لسابق عملهم في الدعاوي التي ترفع منهم لإلغاء قرارات فصلهم تعسفياً وصرف مرتباتهم مخالفاً بذلك المادة 3 من قانون العمل رقم 58 لسنة 70م.
8) وأخيرا تقاعس أجهزة الدولة عن تنفيذة الأحكام القضائية النهائية خاصة تلك الأحكام التي تتنافى في مضمونها مع رغبات وتوجهات السلطة السياسية في الدولة مثل الإمتناع عن دفع تعويضات عن فترة السجن في قضايا السياسين.

بالرغم من كل ما ذكرناه من إنتهاك السلطة التنفيذية والسياسية لمبدأ إستقلال القضاء وتدخلها بشكل سافر في صميم عمل القضاء  إبان النظام السابق، إلا أن القضاة لم يستكينوا لهذه التدخلات بل حاولوا و حاربوا
وقاموا بكل قوة للحفاظ على نزاهة جهاز القضاء وإستقلاله وكان منهم بالفعل قضاة مستقلون بشخصياتهم وضمائرهم لكنهم يتبعون لمجلس قضاء غير مستقل. ولعل أبرز الأمثلة عن حوادث دفاع القضاة عن إستقلال القضاء إلغاء قرار وزير العدل القرار رقم 7 لسنة2000م بشأن إعادة تشكيل دائرة القضاء الإداري بمحكمة إستئناف بنغازي من غير الأعضاء المشكلة بهم والصادر بتاريخ 16/10/2000م وقيام رئيس الدائرة بالطعن في القرار وإعتبر قرار الوزير مشوباً بعيب إنحراف السلطة وإساءة استعمالها (طعن رقم 31/2000 استئناف محكمة الجبل الأخصر). وقيام قاض بالطعن في  دستورية نص المادة (93) من القانون رقم (6 لسنة 2006م) بشأن نظام القضاء، والذي يحصن قرار المجلس الأعلى للهيئات
القضائية ويمنع الطعن فيها وإستجابت المحكمة العليا لطلبه في الطعن الدستوري رقم 5/55 قضائية بتاريخ 11/11/2009 وألغت النص لعدم دستوريته بإعتبار أن حق التقاضي مكفول للجميع.
 
المرحلة الثالثة من تاريخ القضاء الليبي: ما بعد الثورة
 
أما المرحلة الثالثة في تاريخ القضاء الليبي فهي المرحلة اللاحقة  لثورة 17 فبراير إن جاز التعبير  ومطالبة الليبيين  بإستقلال القضاء و قدسية رسالته و ضرورة دعمه وتقويته وإعطائه الصلاحية دون غيره في التصدي لجميع الوقائع وليوكل إليه وحده مسؤولية محاسبة جميع من خالف القانون سواء قبل
ثورة فبراير أم بعدها. ونرى أن دعم إستقلالية القضاء بعد الثورة تجلى في الإعلان الدستوري الصادر في (03/08/2011 ) في المادتين (32 ، 33) والذي نصّ صراحة على إستقلال القضاء وحظر المحاكم الإستثنائية وكفالة حق التقاضي وحظر تحصين أي قرار إداري من الرقابة القضائية، وكذلك صدور القانون رقم (4 لسنة 2011 ) بتعديل قانون نظام القضاء حيث ألغى رئاسة وزير العدل للمجلس الأعلى للقضاء وشكل مجلس القضاء برئاسة رئيس المحكمة العليا ونائب الرئيس النائب العام وعضوية رؤساء محاكم الإستئناف في خطوة لدعم إستقلال القضاء وفصله عن السلطة التنفيذية كما ألغى حصانة قرارت المجلس الأعلى للقضاء.
وبالرغم من سعي المجلس الوطني الإنتقالي المؤقت لترسيخ مبدأ إستقلال القضاء والعمل على تفعيله  وتوفير كافة الضمانات له، إلا أن حدوث بعض الأزمات وطبيعة مرحلة النزاع أظهرت حالات تدخل في أعمال القضاء ابرزها حالة تعامل المجلس مع قضية إغتيال الشهيد اللواء عبد الفتاح يونس وظهور رئيسه برفقة سلطة التحقيق أمام وسائل الإعلام وإصداره للإتهامات لأشخاص لم يتم إستدعاؤهم ولا التحقيق معهم والتأثير على صلاحيات مجلس القضاء في تعيين رؤساء بعض الهيئات القضائية كقيام رئيس المجلس المحلي لمدينة مصراتة بتوصية رئيس المجلس الوطني الإنتقالي  بتحديد أسماء رؤساء المحاكم
والنيابات بمنطقة مصراتة. وأخيراً كثرة مراكز الإحتجاز وعدم خضوعها لرقابة النيابة العامة وإستمرار إحتجاز العديد من الأشخاص المنتسبين لكتائب القذافي والمحسوبين على نظامه دون التحقيق معهم وتقديمهم لمحاكمات عادلة. ومنع صدور أي تشريعات من شأنها التعدي على سلطات القضاء بإنشاء
محاكم إستثنائية ولجان خاصة خارج النظام القضائي العادي و العمل على تحسين الأوضاع الإقتصادية للقضاة والإرتقاء بمستوى معيشتهم كوسيلة للنأي بهم عن الفساد والتبعية وإبعاد من ثبت فساده بعد
التحقيق معه وإعطاؤه فرصة للدفاع عن نفسه والطعن في قرار الأبعاد بالإضافة الى دعم المؤسسات الأمنية السيادية وتوفير الجو الأمني المناسب للقضاة والمحاكم وتفعيل آليات تنفيذ الأحكام القضائية
فلا معنى لأي حكم قضائي ما لم توجد وسيلة لتنفيذه إختياراً أو إجباراً وتطوير وتدريب أعوان القضاء من كتبة وأقلام وخبراء وإعادة تأهيل وتجهيز المحاكم وتطوير مبانيها  وإدخال الماكينة والنظم الحاسوبية
بشكل أكبر في العمل القضائي.

ولا بد من إنشاء مؤسسة مجتمع مدني مستقلة  للقضاة ككيان مستقل تجمعهم وتدافع عن إستقلال القضاء وتكون آداة ضاغطة على الدولة لتوجيهها في الإتجاه الصائب، كما يمكن لهذه المؤسسة أن تساهم في تطوير وتدريب القضاة والرقي بمستواهم المهني والفني ونشر ثقافة حقوق الإنسان في وجدان القاضي والتوصية بإصدار التشريعات ذات العلاقة بالعمل القضائي.
 
 وأخيراً، فإن تطوير النظام القضائي في ليبيا بما يكفل إستقلاله وحياده ونزاهته يتطلب عملاً ومجهوداً كبيرين من الجميع لإعداد البحوث والدراسات ومعالجة أوجه القصور في التشريعات القائمة وإستحداث تشريعات حديثة متوازنة تلبي مطالب الإستقلالية وتعزز دور القانون وتكفل الحريات والحقوق، حتى نصل للدولة الحلم دولة سيادة القانون، تكون خاضعة للمساءلة ولا يهمها إلا مصلحة أفرادها ويحكمها
قضاء نزيه غير تابع للنظام في ظل حماية دستورية وقانونية لتتحق بالفعل أهداف الثورة من حرية وعدالة ومساواة وكرامة والتي لن يكفل حمايتها إلا قضاء محايد ومستقل.
 



[1] قاض ليبي.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، ليبيا



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية