قراءات في دستور مصر 2014 (1): التاريخ الدستوري والجوانب الشكلية


2014-02-06    |   

قراءات في دستور مصر 2014 (1): التاريخ الدستوري والجوانب الشكلية

تبدأ المفكرة اليوم نشر عدد من الحلقات لأستاذ القانون في جامعة الإسكندرية د. فتوح الشاذلي عن الدستور المصري الجديد (المحرر). 
 
 
لمحة سريعة عن التطورالدستوري في مصر:
 عرفت مصر خمس عشرة تجربة دستورية متنوعة، ما بين إعلانات دستورية ودساتير جديدة، والعودة إلي دساتير سابقة، أى أن مصر شهدت في المتوسط علي مدى 131 سنة نقلة دستورية جديدة كل ثمانية أعوام وسبعة أشهر.

وتمت أولى هذه التجارب فى 7 فبراير 1882، بصدور ما سُمي "اللائحة الأساسية"، وهي خاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، وقد صدر دستور للبلاد سنة 1882 في عهد الخديوي توفيق، إلا أن سلطات الاحتلال الإنجليزي قامت سريعًا بإلغائه. وواصل الشعب المصري إصراره على إصدار الدستور، حتى نجح فى إصداره في 19 أبريل 1923. وقد ظل دستور سنة 1923 قائما إلى أن ألغي في 22 أكتوبر 1930، ثم بعد خمس سنوات عاد العمل بدستور 1923، وهو الدستور الذي استمر معمولًا به حتى ديسمبر 1952.  

وبعد ثورة 1952، صدر أول إعلان دستورى في 10 ديسمبر من نفس العام، أعلن فيه باسم الشعب سقوط دستور 1923. وفي 13 يناير 1953 تم تكوين لجنة لوضع مشروع دستور جديد، على أن تراعي الحكومة في أثناء تلك الفترة الانتقالية المبادئ الدستورية العامة، ثم فى 10 فبراير 1953 صدر إعلان دستوري ثانٍ، متضمنا أحكام الدستور المؤقت خلال فترة الانتقال.

وعند نهاية الفترة الانتقالية صدر في 16 يناير 1956 إعلان دستوري مبشرًا بدستور جديد، إلا أن العمل ظل مستمرًا بالإعلان الدستوري الصادر في 1953، كما تم إعداد دستور جديد بعد الوحدة بين مصر وسوريا. ثم صدر دستور 1971، وتم تعديل هذا الدستور فى 30 إبريل 1980 بقرار من مجلس الشعب. وفي سنة 2005 عُدِّل الدستور مرة أخرى، لينظم اختيار رئيس الجمهورية بانتخابات مباشرة، ثم عدل في 2007، ليمهد الطريق لعملية توريث الحكم التى أجهضها الشعب المصرى بثورة 25 يناير.

لكن يبقي الملمح العام للخريطة الدستورية المصرية، وهو أن مصر لم تشهد فترات طويلة من الاستقرار الدستوري، إلا لفترتين، كان الاستقرار فيهما أقرب إلى الغصب والإذعان منه إلى الرضاء والاطمئنان.

الفترة الأولى امتدت لإحدى وأربعين سنة ما بين 1882 إلى 1923، وكانت محكومة بوجود الاحتلال الانجليزي وجمود الحياة السياسية، إلى أن قامت ثورة 1919 وجاء دستور1923 الليبرالي كثمرة لها.         والفترة الثانية استمرت أربعين عاما من1971 إلي2011، واعتمد بقاء الدستور فيها على القبضة الأمنية للدولة وقمع المناوئين لاستبداد السلطة، وليس على رضاء الناس، الذين خرجوا محتجين في 25 يناير 2011، ثم في 30 يونيه 2013.

 وانطلاقا من ذلك، نرى أن الدساتير التي تستجيب للتطلعات الشعبية تعيش طويلا، إلى أن يستجد من الظروف ما يستدعي إدخال تعديلات عليها. فالدستور الأمريكي مثلا باق منذ 224 سنة، وبعض التعديلات التى أدخلت عليه، مثل التعديل رقم27، حدث بعد203 سنة من بداية تطبيقه. ودستورنا الجديد لن يدوم باليقين لمجرد أنه قد كتب أو استفتي عليه من الشعب، وإنما دوامه مرتبط باقتناع المواطن بأن مؤسسات الدولة وعت أدوارها ووظائفها، وأن حقوقه المدونة فيه لن تعود محلا للمساومة، أو عرضة لأن يعبث بها متسلط أو يعتدي عليها متجبرأو مستبد. وقد أقر المصريون دستورهم الجديد بأغلبية ساحقة لمن صوتوا، ويبقى الرهان قائما على إمكانية تفعيل نصوص الدستور. فالعبرة في الدساتير ليست بالنصوص، لكن بالتطبيق الفعلي للأحكام الدستورية، وتفعيل الحقوق والحريات التي جاءت بها النصوص على أرض الواقع.
  
في الشكل والإجراءات:
نحاول فى السطور القادمة إجراء مقارنة بين دستور 2012 الملغى  ودستور 2014 الجديد. وسوف نركز في هذا المقال على أهم الفروق بين الدستورين من ناحية الشكل والإجراءات، وفى مقالات قادمة نتناول الأحكام الموضوعية تباعا لنقارن بينها فى الدستورين. فمن الناحية الشكلية تبدو الفوارق بين الدستورين فى جوانب عديدة، نوجزها  على النحو التالى:
 
1- ننوه بداية إلى أن دستور 2012 جرت صياغته في أجواء مشابهه تقريبا للأجواء الحالية، من حيث الإنقسام بين القوى والأحزاب السياسية والحركات الثورية الرافضة للسلطة الحاكمة. فمن ناحية، وقفت الأحزاب الإسلامية والقوى المساندة لها فى جانب تحاول فرض رؤيتها للدستور على باقى القوى الاجتماعية والسياسية التى فجرت ثورة 25 يناير. ومن ناحية أخرى، رفضت التيارات السياسية، التى تكتلت فيما سمى "جبهة الإنقاذ"، الدخول فى حوار مع السلطة الحاكمة إلا وفق شروطها التعجيزية. وقد كرر التاريخ نفسه بعد ثورة 30 يونيه، حيث رفض أنصار النظام السابق على الثورة الإنخراط فى العملية السياسية إلا بعد عودة ما أطلقوا عليه "الشرعية"، لرفضهم خارطة الطريق التى توافقت عليها القوى الوطنية والثورية، والتي كانت أولى خطواتها وضع دستور 2014.  
 
2- كانت جمعية إعداد دستور 2012 مشكلة من مائة عضو، انتخبهم مجلسا الشعب والشورى، كان أغلبهم من أعضاء المجلسين ومن القوى الإسلامية، وهو ما تسبب باعتراضات ودعاوى قضائية، انتهت بحل الجمعية التأسيسية الأولى، لتأتى الثانية بأغلبية إسلامية هى الأخرى، ولذلك رفضتها القوى المدنية.بينما بلغ عدد أعضاء لجنة إعداد دستور 2014 خمسين عضوا، تم تحديد الهيئات التى تختارهم بمعرفة الرئيس المؤقت، الذي تولى إدارة شؤون البلاد فى أعقاب ثورة 30 يونيه 2013، استنادا إلى المادتين 29 و30 من الإعلان الدستوري الصادر في الثامن من شهر يولية 2013. لكن لجنة الخمسين، على الرغم من افتقادها للأسس الديمقراطية فى طريقة تشكيلها، إلا أنها كانت أكثرتنوعا، وبالتالى أكثر تمثيلا لمكونات الشعب المصرى من الجمعية التأسيسية التى وضعت دستور 2012.
 
3- قسم دستور 2012 إلى خمسة أبواب، بينما قسم دستور 2014 إلى ستة أبواب، بإضافة باب أول تحت عنوان الدولة، يتضمن المواد من (1-6).وسوف نعرض لمضمون هذه الأبواب تفصيلا فيما بعد.
 
4- بلغ إجمالى مواد دستور 2012عدد236 مادة، بينما بلغ مجموع مواد دستور 2014 عدد247 مادة، من بينها 42 مادة مستحدثة ، منها 18 مادة فى باب الحقوق والحريات، وتم إلغاء 37 مادة من دستور 2012، وبلغ عدد المواد المتشابهة بين الدستورين 180 مادة، لا تخلو من زيادة أو حذف أو إطلاق أو تقييد، ولكن يبقى فحوى المادة كما هو في الدستورين. وهذا يؤكد على أن دستور 2014 كان تعديلا فعليا لدستور 2012، كما تم الإعلان عن ذلك في خارطة الطريق، وليس دستوراً جديداً. لكن هذا الخلاف حول تكييف ماقامت به لجنة الخمسين لم تعد له قيمة بعد إقرار الشعب للوثيقة الدستورية، فإرادة الشعب مصدر كافة السلطات تعلو على إرادة لجنة الخمسين وعلى أي إرادة أخرى. ويلاحظ كثرة عدد المواد وغلبة الطابع الإنشائى عليها فى كلا الدستورين، كما يلاحظ أن أغلب المواد أقرب إلي نصوص القوانين التفصيلية منها إلى النصوص الدستورية، التى يجب عليها أن ترسى المبادئ العامة وتحيل إلى القوانين التى يصدرها البرلمان لتفصيل ما أجملته، لذلك فالنصوص الدستورية فى الوثيقتين تخالف المألوف في كتابة الدساتير القديمة، مثل الدستور الأمريكى والدستور الفرنسى، والدساتير العربية الحديثة، مثل الدستور العراقى الجديد، ومؤخرا الدستور التونسى الجديد المصادق عليه فى 26 يناير 2014 والمكون من 148 مادة فقط، وجميعها دساتير تتسم صياغة نصوصها بالتركيز والوضوح وقصر الجمل والعبارة الجامعة المانعة.
 
5- استغرقت الجمعية التأسيسية ستة أشهر في صياغة دستور 2012، أما لجنة الخمسين، فلم تستمر سوى شهرين فقط للانتهاء من صياغة دستور 2014 والتصويت عليه. لكن يلاحظ أن لجنة الخمسين لم تحتسب أيام الأعياد والإجازات الرسمية ضمن مدة الشهرين، وهو ما ترتب عليه امتداد فعلى للمدة إلى ثلاثة شهور أو ستين يوم عمل كاملة.
 
6- بلغ عدد المشاركين في جلسة التصويت على دستور 2012 عدد 86 من الأعضاء الأصليين "من أصل 100 عضو"، بنسبة 86%، و3 احتياطيين، بينما جلسة التصويت على دستور2014 حضرها 48 عضوا من إجمالي خمسين عضوا، بنسبة 96%. لكن من لم يحضر جلسة التصويت النهائى على دستور 2012، كان من المشاركين في كافة جلسات العمل، واقتصرت عدم مشاركته على جلسة التصويت فقط.
 
7-  جلسة التصويت على دستور 2012 كانت تشترط أغلبية الثلثين، بنسبة 67% كإجراء أولي لإقرار أي مادة، فإذا لم يتم الوصول إلى هذه النسبة، كان يجري تخفيضها إلى 57%، بينما التصويت على دستور 2014 اشترط فيه موافقة 75% من الأعضاء، كإجراء أولي، فإذا لم تتحقق النسبة المطلوبة ، كان الاتفاق على أن يتم  تأجيل التصويت لمدة 24 ساعة لحين التوافق. والحقيقة أن التوافق بين أعضاء لجنة الخمسين كان هو السمة الأساسية لعملها، ويرجع ذلك إلى التجانس بين أعضاء اللجنة، وحرصهم على ضرورة إنجاز الاستحقاق الدستورى، لإمكان الاستمرار فى استكمال باقى بنود خارطة الطريق، للخروج من المرحلة الانتقالية التى طالت وتفاقم ضررها. وقد يكون التوافق نتيجة مساومات وتنازلات، لانعلمها كلها حتى تاريخه، بسبب السرية المقصودة التى أحاطت بعمل اللجنة، لكن بالتأكيد سوف يكشف التاريخ عنها مستقبلا.
  
8- الحوار المجتمعى الذى وعد به الشعب فى الحالتين، كان أكثر ظهورا فى دستور 2012، سواء من ناحية العلانية في عمل الجمعية التأسيسية، أو من ناحية التعريف بنصوص الدستور. أما دستور 2014، فقد حال ضيق الوقت المتاح للجنة الخمسين دون العمل فى علانية أو التعريف الجدي بمحتوى الدستور، وكان الاعتماد بصفة أساسية على الدعاية المكثفة فى الأماكن العامة ووسائل الإعلام، وهى دعاية جاءت بأثر عكسي لدى البعض، خصوصا من فئة الشباب.

وهكذا يبدو للمطلع على الجوانب الشكلية الإجرائية لإعداد الدستورالمصرى أن الإجراءات جد متقاربة، وما قد يوجد من اختلافات لم يكن سوى فروق غير مؤثرة تأثيرا كبيرا في جوهر العمل. وأخيرا، نشير إلى أن نسبة الذين حضروا عملية الإقتراع وصوتوا بالموافقة على الدستورين لها دلالة أكثر تعبيرا على نسبة القبول الشعبي للدستورين. فمن حضروا الاقتراع على دستور 2012 بلغ مجموعهم حوالى 16 مليونا من المواطنين بنسبة 32% من مجموع المقيدين وقتها فى جداول الناخبين، وبلغ عدد الموافقين على الدستور حوالى عشرة ملايين ونصف المليون، بنسبة 63%. أما دستور 2014، فقد حضر عملية الاقتراع أكثر من20 مليون مواطن، بنسبة 38% من الناخبين، وبلغ عدد الموافقين ما يقرب من عشرين مليون، بنسبة تقترب من 98%. لكن ينبغى أن نسجل أن نسبة الموافقة هي نسبة حقيقية، لأن من ذهب للتصويت هم من أرادوا الموافقة على الدستور، أما غير الموافقين فقد قاطعوا الإستفتاء ولم يدلوا بأصواتهم.    

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية