عندما أتى كار العدالة الانتقالية العالمي إلى تونس: حول دور الجهات الدولية في عملية العدالة الانتقالية في البلد


2020-01-10    |   

عندما أتى كار العدالة الانتقالية العالمي إلى تونس: حول دور الجهات الدولية في عملية العدالة الانتقالية في البلد

كلما تبادَر إلى ذهني موضوع العدالة الانتقالية في تونس، تخطر في بالي، وعلى نحو مضنٍ، صورة من غرفة الإفطار في فندق في تونس. كان ذلك في بدايات ففري 2011، أي بعد أسبوعين فقط من سقوط نظام بن علي. وكانت الغرفة تغصّ بموظفي منظمات غير حكومية دولية وصلوا منذ فترة وجيزة إلى تونس. وكانوا يتناقشون فيما بينهم بلغطٍ وصخب وعبر طاولات الطعام كيف يخططون لدعم انتقال تونس نحو الديمقراطية. ولم يكن في الغرفة أي تونسي. وبعد مرور تسع سنوات، ثمة سؤال: إلى ماذا قاد هذا الحماس؟ وما الدور الذي أدّته المنظمات غير الحكومية الدولية وهيئات الأمم المتحدة في عملية العدالة الإنتقالية التي حققت إحدى مراحلها الأساسية في عام 2019 مع إنجاز هيئة الحقيقة والكرامة لتقريرها النهائي؟

 

كار العدالة الانتقالية المزدهر

على العكس من لحظات سابقة للعدالة الانتقالية في أميريكا اللاتينية أو أوروبا الشرقية أو جنوب أفريقيا، واجهت تونس في المرحلة الانتقالية انتشاراً غير مسبوق للجهات الفاعلة الدولية الساعية إلى أداء دور في مسارات العدالة الانتقالية. وقد ناصرتْ هذه الأخيرة مجموعة متشابهة نسبياً من خطط العدالة الانتقالية التي نادراً ما تدرك السياقات المعقدة والدقيقة لفترات ما بعد الثورة. وقد أدى ذلك إلى وضع بات فيه الفاعلون الوطنيون بعيدين عن السيطرة على مبادرات العدالة الانتقالية، إذ أصبحوا يواجهون ما بات يشبه، وأكثر من أي وقت مضى، "كاراً دولياً للعدالة الانتقالية".[1] بل كان ما اتسم به مشهد العدالة الانتقالية في تونس هو حشود من الجهات الفاعلة الدولية التي أرسلت موظفيها إلى البلد لمناصرة العدالة الانتقالية وعرض "خبراتها". وإضافة إلى عدة منظمات حكوماتية دولية، انهمكت منظمات غير حكومية دولية عديدة بالعدالة الانتقالية في تونس. وفي حين كان الدعم المقدم من الجهات الدولية مرحباً به عموماً من قبل السلطات الانتقالية في البلد التي كانت بأمس الحاجة إلى المشورة الفنية، وبحاجة للتمويل غالباً، إلا أن انتشار التدخلات الدولية في مجال العدالة الانتقالية لم يخلُ من التأثيرات السلبية التي توقعها الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الصادر عام 2004 بعنوان "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات النزاع ومجتمعات ما بعد النزاع"،[2] والذي انتقد التأكيد الذي يضعه المجتمع الدولي على "الخبراء الأجانب والنماذج الأجنبية والحلول الأجنبية مما يضر بإجراء تحسينات مستمرة وإيجاد قدرة مستدامة".

وكان التجلّي الأكبر لهذه الظاهرة هو المؤتمرات الدولية المتتابعة المعنية بالعدالة الانتقالية في تونس، والزيارات والبعثات الكثيرة جداً من "الخبراء" الأجانب، وافتتاح مكاتب فخمة في تونس – والتي وظفت بعضاً من أفضل المواهب في تونس وقدمت رواتب مجزية ليس بوسع الجمعيات المحلية أن تعرضها. ومن الممكن أن مثل هذه النشاطات ساهمت إلى حد ما في رعاية الحوارات بشأن العدالة الانتقالية في البلد وزودتها بخبرات مقارنة وفرت دروساً مستفادة. مع ذلك، كان من نتائج كل هذه التدخلات المكثفة في تصميم العملية وتخطيطها وتنفيذها من قبل معظم الجهات الفاعلة الخارجية، أنها لم تترك مجالاً كبيراً للجهات الفاعلة المحلية، بما فيها منظمات المجتمع المدني، وجمعيات الضحايا، والقوى السياسية، للسيطرة على العملية وإمتلاكها، والتي كان يُفترض أن تتطور وتتشكل على المستوى الوطني. وفي الواقع، استثمرت الجهات الفاعلة الدولية مواردها الكبيرة للتأثير على نحو غير متناسب على تصميم العملية وتسييرها ودفع الجهات الفاعلة المحلية إلى تبني نهج جامد لا يتلاءم بالضرورة مع الديناميات السياسية للمرحلة الانتقالية في تونس أو خصائص سياقها. حتى جوانب عملية العدالة الانتقالية التي تنبثق عادة بصفة طبيعية وعفوية من داخل المجتمعات المدنية المحلية، من قبيل تنسيق الجهود لمراقبة ورصد عمل هيئات الحقيقة أو المناصرة من أجل تنفيذ توصياتها، يبدو أنها باتت تحت سيطرة المنظمات غير الحكومية الدولية. وقد تحدّثتُ مؤخراً مع ناشط من المجتمع المدني التونسي،[3] وقد عبّر عن إحباطه من أن المنصة التي تأسست لتنسيق الأنشطة المعنية بالعدالة الانتقالية ومناصرتها في تونس باتت تخضع لسيطرة فاعلين غير تونسيين. وشعر بسخط خاص إزاء مؤتمر صحفي جرى قبل بضعة أشهر لإطلاق حملة لمناصرة تنفيذ توصيات هيئة الحقيقة والكرامة، إذ يبدو أن ممثلاً عن منظمة غير حكومية دولية ترأس المؤتمر.

ونتيجة لذلك، قد يبدو تشريع العدالة الانتقالية التونسي، على الورق، بأنه قانون ممتاز يتماشى مع المعايير والنماذج التي تشجعها وكالات الأمم المتحدة التي تتعامل مع هذه المسألة، أو مع معايير المنظمات غير الحكومية الدولية الكثيرة الناشطة في هذا المجال. ولكن، في الواقع، فشل القانون في أن يأخذ بالاعتبار بصفة كاملة وملائمة الظروف والقيود والموارد المتوفرة أثناء الفترة الانتقالية للبلد، كما فشل في مراعاة خصائص التقاليد القانونية للبلد وأنظمته القانونية بشكل عام. وهذا قد يُفَسِر، وإلى حد كبير، لماذا واجهت العملية كل هذه العقبات والتحديات والتي كان يمكن تجنبها لو تم تطوير تشريع بخصوص العدالة الانتقالية بأسلوب تشاركي[4] فعلاً يوفر مجالاً كافياً للتونسيين لتطوير حلول مبتكرة تلائم سياقاتهم وتعقيداتها.

علاوة على ذلك، نظراً للنقص النسبي في تنسيق التدخلات التي قادتها الجهات الفاعلة الدولية، تلقى الفاعلون الوطنيون نصائح متناقضة أحياناً بخصوص العدالة الانتقالية. فعلى سبيل المثال، تلقى المسؤولون التونسيون والفاعلون في المجتمع المدني توصيات متعارضة صدرت عن مؤسسة دولية بعينها بخصوص تضمين الجرائم الاقتصادية في إختصاص هيئة الحقيقة والكرامة. ففيما أوصى بعض خبراء هذه المؤسسة وبحماس بوجوب اشتمال هذا الجانب في العدالة الانتقالية، حين نصح آخرون نظراءهم التونسيين بغير ذلك.[5] وفي الوقت نفسه، تطلّب هذا المسار تنظيم عدد الكبير من المقابلات مع الجهات الفاعلة الدولية مما أدى إلى تشتيت انتباه منظمات المجتمع المدني الوطنية والمسؤولين الحكوميين عن عملهم وأنشطتهم. وقد أدّى نقص التنسيق أيضاً إلى قدر كبير من تكرار الجهود ضمن المساعدات التي قدمها المجتمع الدولي.

 

إضفاء الصفة التقنية على مجال العدالة الإنتقالية وفرض المعايير الجامدة عليه

بذلت الجهات الفاعلة الدولية جهوداً لاستعجال الفاعلين التونسيين في إقرار قانون وإجراءات للعدالة الانتقالية لم تتطابق مع الواقع المحدد للمرحلة الانتقالية. كما ظلت مشاركة الجهات الفاعلة المحلية وتأثيرها محدودة على العملية ومن بينها الضحايا والقوى السياسية المحلية. ويمكن النظر إلى هذه الظاهرة كجزء من نزعة عالمية أوسع في مجال العدالة الانتقالية. وهي نزعة نحو فرض معايير موحّدة وجامدة على السياسات والآليات التي تروّج لها الجهات الفاعلة الدولية التي لا تتردد عن تقديم صيغ جاهزة أشبه ما تكون بالوجبات الجاهزة التي تقدمها مطاعم الوجبات السريعة. وربما كان هذا التوجه نحو المعايير الموحدة ناجماً عن سلسلة من العوامل. فما من شك أن التنامي المتسارع في عدد الجهات الفاعلة وتنوعها، ولهفتها لإظهار أن بوسعها تطوير الخطط بسرعة ونشر مواردها في الميدان بأسلوب أكثر فاعلية من الجهات الأخرى، يأتي غالباً على حساب النوعية والتدقيق، كما أنه يشجع على استخدام الحلول الجاهزة والنُهج الشكلية.

وثمة عامل آخر مرجّح يتمثل في إضفاء بعد تقني مكثّف على ميدان العدالة الانتقالية بات فيه الجانب التقني يسمو على الجانب السياسي، والجانب العام يسمو على الجانب المخصص، والعالمي على المحلي. وقد تعززت هذه النزعة بفعل التوجيهات العديدة الواردة من الأمم المتحدة ومن الوثائق المرجعية الكثيرة التي ساهمت في إضفاء معايير موحدة على ميدان يتسم بطبيعته بأنه سياسي بشدة، حسبما تدلنا التجارب الأخرى من أميريكا اللاتينية أو جنوب أفريقيا.

أدت سياسات إضفاء المعايير الجامدة الموحدة والنهج المفرط في اعتماده على الجوانب التقنية إلى تصلّب فكري أعاق العدالة الانتقالية عن معالجة تعقيدات المرحلة الانتقالية في تونس والترِكة متعدد الطبقات لنظام بن علي الذي تضمّن مزيجاً من الانتهاكات للحقوق المدنية والسياسية، وإساءات للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الفساد والجرائم الاقتصادية. وتتمثل النقطة الرئيسية هنا في أنه كان ينبغي ترك المجتمعات التي تمر بمراحل انتقالية في تونس وفي أماكن أخرى من المنطقة كي تطور وتبتكر بنفسها الآليات والسياسات التي قد تلتقط على نحو أفضل الترِكات المتراكمة للماضي وتعقيدات البيئات السياسية والاجتماعية الحالية والمستقبلية. ولهو من المستحيل تصميم استراتيجيات ملائمة للتعامل مع البعد الاقتصادي للأنظمة القمعية في المنطقة من دون توفير قدر من الإبداعية والابتكار الذي يتيح للفاعلين المحليين التفكير خارج الأطر التي تزداد تصلّباً والتي تتنامى هيمنتها على ميدان العدالة الانتقالية.

علاوة على ذلك، فإن فرض الصيغ المعيارية الجاهزة على سياق محدّد يهدد ليس فقط بوضع سياسات للعدالة الانتقالية ليست بالضرورة ملائمة للوضع الاجتماعي في مختلف تعقيداته، بل أيضا إلى تغليب كفة المتخصصين الدوليين في صنع هذه السياسات، مع ما يستتبع ذلك من تجفيف للقدرات المحلية. وقد كان ذلك واضحاً بجلاء في تونس عندما واجهت هيئة الحقيقة والكرامة صعوبات كبيرة. ففيما بقي عدد المدافعين المحليين عنها قليلا، بات يتوجب علينا أن ننتظر الجهات الفاعلة الدولية الموجودة في تونس كي تهب لإنقاذ العملية مما ساهم في مفاقمة أزمة الشرعية التي عانت منها العملية أصلاً.

 

المسألة هي مسألة تأمل ذاتي

لا يسعى هذا المقال إلى نبذ عمل المؤسسات الدولية، بل إنه شكل من أشكال التأمل الذاتي في عملها، ويهدف إلى إثارة التفكير بشأن ما الذي يمكن القيام به لتقديم مساعدة أفضل للتونسيين أو لأي مجتمع آخر يمر في مرحلة انتقالية في معرض جهده للتعامل مع الترِكات المعقدة لإنتهاكات حقوق الإنسان والفساد. لقد عملتُ أنا نفسي مع المنظمات غير الحكومية الدولية والأمم المتحدة وانهمكتُ معها على امتداد السنوات الخمس عشرة الماضية، وبالتالي فقد أكون شاركت في ارتكاب بعض الأخطاء التي يشير إليها هذا المقال.

إن تونس وسائر المنطقة بحاجة ماسة إلى التضامن الدولي. ومع ذلك، يجب علينا أن نؤكد باستمرار أنه ينبغي على الجهات الفاعلة الدولية أن تمتنع عن ترويج صيغ جاهزة للاستخدام. وعليها أيضاً أن تمتنع عن إشغال المكان والدور الذي ينبغي أن يشغله الفاعلون المحليون. وبدلاً من السعي للسيطرة على العمليات الوطنية للعدالة الانتقالية أو التأثير عليها بشدة، يجب التركيز على تعزيز القدرات المحلية، وتزويد الفاعلين المحليين بالأدوات والموارد التي تتيح لهم سنّ سياساتهم الخاصة في مجال العدالة الانتقالية وتصميمها وتنفيذها.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الحقيقة والكرامة في أفق جديد

  •  لقراءة ملحق العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |  اضغطوا على الرابط أدناه:

ملحق العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية: حكاية من الماضي برؤية مستقبلية


* ’كار‘ هي كلمة فارسية الأصل مستخدمة في بعض اللهجات العربية وتعني حرفة أو مهنة أو تجارة لها أصول وتراتبية معينة، ونقول مثلاً كار النجارة/النجارين أو كار المقاولات/المقاولين. ونستخدمها هنا في مقابل كلمة (industry) الإنجليزية. والمقصود من استخدام هذه العبارة في هذا السياق هي أن مجال المنظمات المعنية بالعدالة الانتقالية تحول إلى ما يشبه الحرفة أو المشروع التجاري الذي لديه بضاعة للتسويق. – المترجم.

[1] كيمبرلي ثيدون (Kimberly Theidon) هي اول من استخدم عبارة transitional justice industry، ملاحظة من هيئة التحرير، المجلة العالمية للعدالة الانتقالية، الجزء 3، العدد 3، نوفمبر/ تشرين الثاني 2009.

[2] الأمم المتحدة، سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات النزاع وما بعد النزاع، تقرير الأمين العام، 23 أغسطس/ آب 2004، http://www.unrol.org/files/2004%20report.pdf

[3] محادثة مع ناشط في المجتمع المدني التونسي في أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[4] تم تنظيم حوار وطني بسرعة في عام 2012، وكان يفترض به أن يوجه صياغة القانون. إلا أنه تم التعجيل به وفشل في ضمان مشاركة جدية من قبل الفئات المعنية من المجتمع التونسي.

[5] أعرب مسؤولون تونسيون تحدثوا مع كاتب هذا المقال، وفضلوا عدم الإفصاح عن أسمائهم، عن حيرتهم بهذا الشأن، وذلك خلال محادثة جرت في تونس في أكتوبر/ تشرين الأول 2012 أثناء صياغة قانون العدالة الانتقالية.

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، عدالة انتقالية ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *