حوار مع ألفة لملوم مديرة مكتب “إنترناشيونال ألرت” في تونس: “بعد 10 سنوات من الثورة، الشباب يفك ارتباطه بالفضاءات التقليدية للاحتجاج”


2021-03-05    |   

حوار مع ألفة لملوم مديرة مكتب “إنترناشيونال ألرت” في تونس: “بعد 10 سنوات من الثورة، الشباب يفك ارتباطه بالفضاءات التقليدية للاحتجاج”

أصدرت منظّمة “إنترناشيونال ألرت” في شهر نوفمبر الماضي، دراسة جديدة بعنوان “شباب في الهوامش. تمثّلات المخاطر والسياسة والدين في تطاوين الشمالية والقصرين الشمالية ودوّار هيشر”. تسلّط هذه الدراسة الضوء على فئة الشباب في ثلاث مناطق جغرافية مختلفة في قراءة سوسيولوجية للفعل الاحتجاجي في الهوامش. وهي صدرت تزامناً مع انفجار الحراك الاجتماعي في تونس خلال ديسمبر 2020 وجانفي 2021، لتقدّم بعض الأجوبة حول مكامن غضب الشباب في أحزمة الفقر المحيطة بالمدن الكبرى وولايات الظلّ التي تعاني من تهميش مزمن طال عقوداً رغم الثورة. في هذا السياق، تحاور المفكّرة القانونية الدكتورة في العلوم السياسية ومديرة مكتب “إنترناشونال ألرت” في تونس، ألفة لملوم لتفكيك ظاهرة الغضب في بؤر التهميش والإقصاء.


ألفة
لملوم: افتُتح مكتبنا في تونس أواخر 2012 وهو فرع لمنظّمة “إنترناشيونال ألرت” الدولية التي تعمل في 25 دولة على قضايا السلم والنزاعات بشكل عام، منها دولٌ تشهد نزاعات دموية حربية مسلّحة أو نزاعات سياسية أو اقتصادية. ركّزنا في البداية على بناء تصوّر للمحور الأساسي لعمل هذا المكتب في إطار دعم التحوّل الديمقراطي بعد الثورة. وقد رأينا أنّ تحقيق هذا الهدف يستوجب حلّ المعضلة المركزية التي تعاني منها البلاد، أي قضية التهميش واللامساواة الاجتماعية والمناطقية. من هنا، اتّجهنا نحو العمل في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية مثل حيّ التضامن، دوّار هيشر، القصرين، جندوبة، كما أنشأنا مكتبَيْن في القصرين وفي تطاوين. ينبع هذا الاختيار من قناعتنا بأنّ التحوّل الديمقراطي يجب أن يضمن تحقيق الولوج إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الهوامش الحضرية والريفية. إذ أنّ مركزية النزاع الاجتماعي والشرخ الذي تعيد الدولة الحديثة إنتاجه، أي دولة ما بعد الاستعمار، هو شرخ مناطقي واجتماعي.المفكّرة القانونية: قبل تناول الدراسة الأخيرة، لنبدأ أوّلاً بالتعرّف إلى منظّمة “إنترناشيونال ألرت” وعمل مكتبها في تونس.

يقوم عملنا على ثلاث رافعات: الرافعة الأولى، دراسات ميدانية تهدف إلى تفكيك مسألة التهميش وفهم دينامياتها وانعكاساتها على حياة الناس وتصوّراتهم ومساراتهم السياسية والاجتماعية، وتتقصّى اقتراحاتهم وانتظاراتهم وفق مقاربة تحتية – وليس من منظور فوقي يرتكز على قراءات الحكّام والمسؤولين – تعكس وجهة نظر المهمَّشين أنفسهم أكانوا أفراداً أو مناطق أو فئات اجتماعية. ونحن نعتبر هذه الدراسات المدخل الأوّل إلى بناء المشاريع، كونها تعمل على إنارة استراتيجيات عملنا. الرافعة الثانية، جملة برامج ونشاطات ننجزها بالشراكة مع منظّمات المجتمع المدني من أجل بناء الحوكمة الديموقراطية المحلّية التشاركية وتعزيزها وإسنادها في هذه الأحياء والجهات الداخلية ضمانةً لتشريك المواطنين والمواطنات ورقابتهم على السياسات العمومية. الرافعة الأخيرة، دعم بعض المشاريع النموذجية في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، على غرار مشروع البرباشة.

المفكّرة القانونية: بالعودة إلى الدراسة الأخيرة التي أصدرتها المنظّمة وتناولت تطاوين الشمالية والقصرين ودوّار هيشر، لماذا اختير هذا الثالوث؟

ألفة لملوم: بدايةً، أذكّر أنّ هذه الدراسة السوسيولوجية الكمّية تناولت عيّنة مكوَّنة من 1300 شابّ وشابّة سنّهم بين 18 و34 سنة وهي نتاج عمل جماعي أشرفنا عليه أنا والدكتور محمّد علي بن زينة والزميلة مريم عبد الباقي. اخترنا هذا الثالوث أوّلاً، بسبب تجربة المنظَّمة الطويلة في العمل في هذه المناطق التي مكّنتها من بناء علاقة ثقة مع الشباب والمجتمع المدني سهّلت تنظيم العمل الميداني.

ثالنياً، انطلقنا من فرضية أردنا فهمها وتحليلها وإثباتها تقوم من جهة، على وجود علاقات تفاعلية بين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشباب ومن جهة أخرى، على تصوّراتهم للمخاطر التي تهدّد حياتهم وأمنهم الاجتماعي والاقتصادي وكذلك سلوكياتهم ومعتقداتهم في مجالَيْ السياسة والدين.

لذا اعتمدنا على مقاربة/مقارنة مجالية، حيث اخترنا ثلاث مناطق متباعدة جغرافياً: دوّار هيشر، في تونس الكبرى تابعة لولاية منوبة؛ والقصرين الشمالية التي تتمتّع بأهمّية خاصّة لكونها منطقة حدودية مجاورة للجزائر؛ وتطاوين الشمالية المتاخمة لحدود ليبيا. واعتمدنا أيضاً مقاربة زمانية، حيث تمكّنّا من الوقوف على التطوّرات المستجدّة في هذه المناطق بسبب إجرائنا دراسات سابقة فيها.

المفكّرة القانونية: سلّطت الدراسة الضوء على مناطق تُعتبَر من البُؤَر التي شهدت احتجاجات وتحرّكات شبابية مختلفة في محطّات عدّة في 2020 ومنتصف جانفي 2021. كيف يمكن تشريح هذه المناطق على صعيد الخصائص الاجتماعية؟

ألفة لملوم: بدايةً، لا بدّ من استعراض سريع لخصائص كلّ منطقة. دوّار هيشر منطقة حضرية قريبة من العاصمة تكوّنت بفعل موجات الهجرة المتعاقبة من المناطق الداخلية ومن المدينة العربية في العاصمة. وتتكوّن القصرين الشمالية، بمعظمها، من أحياء شعبية نشأت بدورها عن موجات الهجرة الداخلية من وسط ولاية القصرين نفسها، حيث قدم سكّان من أصول فلّاحية فقيرة إلى مدينة القصرين، بعد أن أضحوا غير قادرين على الارتزاق من أراضيهم، بحثاً عن العمل خصوصاً في الشركة التونسية لعجين الحلفاء والورق، المصنع العمومي الوحيد منذ ستّينيات القرن الماضي الذي كان يمثّل الرافعة الأساسية لولاية القصرين على مستوى التشغيل. وأخيراً يعيش معظم سكّان ولاية تطاوين التهميش كأنّه قدر، فهو ليس نتيجة خيارات الدولة التنموية فقط، بل عقاب جماعي بسبب تعاطف الجهة التاريخي الواسع مع صالح بن يوسف في صراعه ضد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة وفق تمثّلهم[1]، وبالتالي يشعرون بأنّ جزءاً من ذاكرتهم الجمعية قد حُذِف من التاريخ الرسمي للدولة التونسية.

إذاً درسنا ثلاث مناطق متباعدة جغرافياً ومتقاربة بخصائصها الديمغرافية والاجتماعية؛ يجمع بينها استمرار التهميش بعد 10 سنوات من الثورة يظهر عبر تجلّيات ثلاثة. أوّلاً ترتفع نِسَب البطالة في هذه المناطق، وإن اختلفت جزئياً من منطقة إلى أخرى، في صفوف الشباب مقارنة بنسبتها على المستوى الوطني، لتبلغ 31% في دوّار هيشر و35% في تطاوين و45% في القصرين.

ثانياً، تنتشر العطوبة التي تحكم توزيع الناشطين اقتصادياً حسب الفئة المهنية في هذه المناطق، فحتّى لو أفلت الشابّ (أو الشابّة) من البطالة سيكون في الغالب مجرّد حرفي صغير أو تاجر صغير، هذا إذا حالفه الحظّ. وتتأكّد هذه العطوبة حين نكتشف أنّ نسبة العاملين ضمن خطط سامية أو مُصنَّفين إطارات في هذه المناطق لا تتجاوز 1%. إذاً، أن تكون المنطقة قريبة من العاصمة أو بعيدة عنها وأرضها تزخر بالثروات الطبيعية مثل تطاوين، أو ترتفع فيها نسبة التمدرس على غرار القصرين الشمالية لا يغيّر كثيراً في واقعها الاجتماعي.

ثالثاً، القطاع العامّ مترهّل في المناطق الثلاث، فالدولة تكاد لا تستثمر ولا تشجّع على الاستثمار وهو ما يتسبّب في العاملَيْن الأوّل والثاني، أي البطالة والعطوبة؛ حيث لا تتجاوز نسبة العاملين في القطاع العامّ 34% في القصرين الشمالية و17 % في دوّار هيشر. بالتوازي يعزف القطاع الخاصّ عن الاستثمار ولا يبحث عن موطئ قدم هناك، باعتبارها مناطق منفِّرة بدعوى غياب التجهيزات والبُعد وغياب البنية التحتية. يحيلنا هذا الواقع إلى مخرج مهمّ آخر، الارتفاع الكبير في نسبة الذين لا يزاولون التعليم ويصرّحون بانقطاعهم عن الدراسة. فقد كانت النتائج التي تحصّلنا عليها كما يلي 75% في تطاوين الشمالية 74% في القصرين الشمالية و84% في دوّار هيشر. تعكس هذه الأرقام تمثّلات الانقطاع لدى الشباب في هذه المناطق وتعبّر عن شعور عامّ بالإخفاق منذ مراحل الحياة الأولى.

المفكّرة القانونية: يحيلنا هذا الأمر إلى سؤال مهمّ مرتبط بالدراسة، حيث لا بدّ من التحدّث عن حضور الدين في هذه المناطق؛ كيف يتعامل الشباب هناك مع المعطى الديني؟

ألفة لملوم: بداية يجب أن نكون حذرين ونتجنّب التعميم. فالسلوكيات المتعلّقة بالدين التي استخلصتها هذه الدراسة تتعلّق بهذه المناطق حصراً، وربّما من المفيد أن نُجري مستقبلاً دراسات مقارَنة مع أحياء أخرى ميسورة لا تملك الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية نفسها.

كشفت دراستنا، مثلما بيّنت دراسات سابقة تناولت المسألة الدينية وانعكاساتها على المجتمع ككلّ، أنّ نسبة الاهتمام بالشأن الديني عالية لدى الشباب في المناطق المشمولة بالدراسة وخصوصاً الإناث. وأنّ التنشئة الدينية تكمن أساساً في فضاءات علاقات القرب، أي أنّ تبادل الحديث في المسائل الدينية يتمّ بشكل خاصّ في الوسط العائلي أو بين الأصدقاء ويؤدّي دوراً في بناء أفكارهم وتصوّراتهم وتشكيل ماهية المفاهيم التي يتبنّونها، على غرار القدوة ومحدِّدات الخير أو الشرّ. وتوصّلنا إلى استنتاج مهمّ آخر في المجال الديني، إنّ نسبة ثقة الشباب في الدولة منخفضة، أي أنّ الدين الرسمي (الصادر مثلاً عن مفتي الديار التونسية) ليس هو المحدِّد الرئيس لسلوك الشباب. فيجيبون عن السؤال حول مصادر معارفهم الدينية أنّ خطبة الجمعة في المسجد هي المصدر الأوّل، تليها الكتب الدينية وأخيراً البرامج الدينية في القنوات التلفزية. تدحض هذه النتيجة المقولة الشائعة حول أهمّية شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل المعرفة الدينية لدى الشباب. فعلى سبيل المثال، صرّح أكثر من 72% من الشباب في تطاوين الشمالية أنّهم لا يستعملونها للحصول على معطيات دينية. ومن النتائج المهمّة أيضاً، أنّ الدين أصبح ممارسة فردانية شخصية لدى سواد الشباب حيث اعتبر أغلب المستجوَبين أنّ محدِّدات سلوكهم اليومي تخضع بالدرجة الأولى إلى ضمائرهم وقناعاتهم الخاصّة.

المفكّرة القانونية: تكرّرت على لسان الشباب المحتجّين عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في الريبورتاجات التي أُنجزت في القصرين أو دوّار هيشر عبارة “ما يربطني بالدولة كان بطاقة التعريف”. ثانياً، لدينا قضية ضعف الانتماء وعلاقة عدم الثقة بالدولة. وثالثاً، الوصم، بخاصّة في دوّار هيشر والقصرين وبدرجة أقلّ تطاوين التي شهدت عمليات إرهابية عديدة. كيف يمكن تفسير هذا الارتباط وعلاقته بالمقاربة الأمنية؟ لأنّنا ندرك جيّداً أنّ التعاطي الأمني يخلّف نقمة وردّ فعل. إلى أيّ مدى أثّرت عمليات الوصم في علاقة الشباب بالمسألة الدينية وأحياناً بالمجموعات الدينية والمجموعات المتطرّفة؟

ألفة لملوم: أودّ أن أسوق في البداية ملاحظتين. أوّلاً، مسألة الوصم ليست استثناء تونسياً، فالوصم أحد أشكال نزع الاعتبار الاجتماعي عن أيّ فئة اجتماعية لتبرير الهيمنة عليها وإضفاء شرعية على “دونيّتها” الاجتماعية والاقتصادية. ثانياً، استمرّ وصم المناطق الداخلية والأحياء الشعبية في تونس بعد الاستقلال، لكنّ محتواه قد تغيّر. فمثلاً، خلال عملنا على مسارات الشباب في دوّار هيشر وحيّ التضامن سنة 2015، قال معظمهم إنّ السردية المهيمِنة بشأنهم قبل الثورة كانت تختزلهم بـ”المجرمين” ثمّ تحوّلوا إلى “أبطال” بعد مشاركتهم بالثورة، لكنّ الوصم عاد بسرعة ملتحفاً تعميم تهمة “الإرهاب” وبعدها “البراكاجات”[2]. إذاً، الوصم معطى بنيوي تتغيّر عناوينه مع السياقات الاجتماعية والسياسية.

الآن أُجيب عن سؤالك: كشفت الدراسة التي أنجزناها في 2015 مفارقة مهمّة؛ فقد عرّف عدد كبير من الشباب بين 18 و34 سنة السلفية أساساً بـ”أولاد الحومة” أي أبناء الحيّ، وإن وصفوهم في الآن نفسه بـ”مجموعات متشدّدة”. كان ذلك طبعاً في أوج صعود السلفية في تونس. وعارض جزء كبير من الشباب المستجوَبين آنذاك القرار الذي اتُّخذ في صائفة 2013 بتصنيف أنصار الشريعة منظّمة إرهابية. تعني هذه التمثّلات مجتمعة لدى الشباب أنّ المحدِّد في مقاربتهم للسلفية، بما فيها الجهادية، هو الانتماء المجالي الموحَّد الذي يتقاسمونه معها ويحيل إليه مصطلح “أولاد حومة”، والذي يكثّف بطبيعة الحال الهوية الاجتماعية المشتركة لسواد الشباب في كلا الحيَّيْن القائمة على العطوبة والاستبعاد الاقتصادي والوصم. كما خلصت التمثّلات التي استقيناها من عملنا الميداني إلى مسلَّمة واحدة مفادها أنّ العلاقة المتوتّرة مع قوّات الأمن – الحاكم – التّي تمثّل الواجهة الأكثر حضوراً للدولة في “هوامشها” الحضرية، قاسم مشترك “للزبراط” (مدمن الكحول) كما “السلفي”.

المفكّرة القانونية: نصل الآن إلى الضلع الثالث، أي الشأن السياسي؛ كيف يمكن تشخيص العلاقة بين شباب هذه المناطق والنسيج الحزبي في البلاد؟

ألفة لملوم: أوّلاً، اهتمّت دراستنا بالفئة العمرية بين 18 و34 سنة. على الرغم من أنّ بعض هؤلاء الشباب قد عايشوا الثورة وآخرين كانوا أطفالاً حين اندلعت، فإنّنا نلحظ أنّ نسبة كبيرة من الشباب المستجوَبين مهتمّة جدّاً أو مهتمّة إلى حدٍّ ما بالشأن العام؛ أي أنّها معنية بفهم الأحداث السياسية وتفكيك رهاناتها وفاعليها ومتابعة الظواهر السياسية، بناء على قراءة وتصوّرات تضبطها أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية بطبيعة الحال. يؤكّد هذا الأمر أنّ الثورة شكّلت حدثاً مفصلياً وفارقاً في حياة ووعي جيل كامل من حيث علاقته بالدولة وتمثّلاته للسياسة، وهو معطى مركزي في فهم التحوّلات الجيلية في تونس ما بعد الثورة.

ثانياً، الموقف من الأحزاب؛ اهتمّت الدراسة بتمثّلات الشباب عن مجمل الأحزاب الحاضرة في المشهد السياسي واستفسرت بشكل خاصّ عن تلك التي تحظى بثقتهم. وقد أتت النتائج دون مفاجأة كبرى، في ما يخصّ حظوة النهضة بنسب الثقة الأعلى، خصوصاً في تطاوين الشمالية التي تُعدّ من ضمن معاقل الحزب الانتخابية، وضعف نسب ثقة الشباب في كلّ الأحزاب الأخرى باستثناء حراك تونس الإرادة في تطاوين الشمالية نفسها. بيد أنّ هذه النتيجة تبدو غير كافية لفهم تمثّلات الشباب عن النهضة لأنّها وإن تمتّعت نسبياً بالثقة الأعلى في أوساط الشباب يتذيّل رئيسها راشد الغنوشي قائمة الشخصيات الموثوقة حتّى في منطقة تطاوين الشمالية نفسها، حيث لا يتجاوز 2,8% مقابل 4.2% في دوّار هيشر. ويُعدّ هذا الأمر انعكاس إحدى المعضلات الهيكلية للحزب المتجسّدة باهتزاز ثقة جمهوره في قيادته.

بالتوازي، بيّنت دراستنا وزن قيس سعيد في تطاوين الشمالية حيث يحظى بأعلى نسبة، 24%، مقابل 18% في دوّار هيشر. وهنا أودّ أن أذكّر بشيء مهمّ وهو أنّ عملنا الميداني قد أُنجز أربعة أشهر قبل الانتخابات الرئاسية في 2019. أي أنّنا، في الحقيقة، لم نُفاجأ بنتائج الانتخابات الرئاسية على عكس باقي المتابعين. لكنّنا لم نشأ التسرّع بنشر ما توصّلنا إليه من نتائج قبل الانتخابات حفاظاً على حيادنا. تفنّد هذه النتيجة سردية سطوع نجم قيس سعيد من العدم بين الدور الأول والدور الثاني للانتخابات. فقد كان سعيد حاضراً منذ زمن في أذهان كثير من الشباب في الأحياء الشعبية والمناطق الداخلية وكان يتمتّع بثقتهم ممّا يؤكّد مرّة أخرى جهل نخب المراكز المهيمِنة بما يحصل في الهوامش.

المفكّرة القانونية: كيف يمكن تشخيص العلاقة بين شباب المناطق المشمولين في الدراسة والجهاز الأمني “البوليس”؟ وكيف تقرأون معطى غياب الدولة الراعية وحضور الدولة الأمنية؟

ألفة لملوم: ربّما تكون إحدى أهمّ نتائج دراستنا بالضبط إثبات العلاقة السببية بين غياب الدولة الراعية وحضور الدولة الأمنية في ما يتعلّق بحوكمة الشباب في الهوامش كما هي الحال في المناطق الثلاث التي شملتها الدراسة. عندما طرحنا سؤال “هل تعرّضتَ إلى الإيقاف أو السجن في السنة التي سبقت الاستجواب؟” بشكل مباشِر، وجدنا أنّ 10% في تطاوين الشمالية تعرّضوا إلى الإيقاف أو السجن مقابل 14% في القصرين الشمالية و17% في دوّار هيشر؛ أي على مستوى العيّنة كاملةً، شابّ من بين كلّ ستّة سنّهم بين 18 و34 سنة تعرّض على الأقلّ مرّة واحدة إلى الإيقاف أو السجن خلال سنة 2019. أمّا الإجابات عن سؤال “هل تعرّض أحد أصدقائك إلى الإيقاف أو السجن خلال نفس الفترة؟” فكانت: 18% في تطاوين الشمالية “نعم” مقابل 33% في قصرين الشمالية و35% في دوّار هيشر. وعن سؤال “هل تعرّض أحد أخوتك إلى الإيقاف أو السجن؟” كانت الإجابات 7% “نعم” في تطاوين الشمالية و22% في قصرين الشمالية و18% في دوّار هيشر.

تُظهر هذه النتائج بعض التباين بين الجهات الثلاث خصوصاً في ما يتعلّق بالانخفاض النسبي المسجَّل في تطاوين الشمالية. ويبدو لي أنّ الفرضية الأكثر ملاءمة لتفسير ذلك هي التماسك النسبي للروابط العائلية والمجتمعية في تطاوين مقارنة بالجهتين الأخريين الذي يوفّر آليات رقابة وتأطير للشباب تحدّ من احتكاكهم المباشر مع الأمن. وهو ما تؤيّده نتيجة أخرى، تسجيل الخوف من الإدمان لدى الشباب أقلّ نسبة في تطاوين الشمالية مقارنة بقصرين الشمالية ودوّار هيشر.

تكشف هذه المعطيات عن أهمية التجارب الصادمة (traumatique) العقابية والسجنية في حياة العديد من الشباب والتي تُضاف إلى تجارب صادمة ومؤلمة أخرى مثل الانقطاع المبكر عن الدراسة والعطوبة والبطالة. وهي تجسّد بمجملها أنماط العنف المؤسّساتي الذي يحكم مسارات آلاف الشباب سواء في شكله الرمزي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الجسدي.

المفكّرة القانونية: عبر هذا التشريح الاجتماعي الذي تقدّمه الدراسة، هل تغيّرت طبيعة الاحتجاجات التي تشهدها البلاد؟ وهل من ملامح جديدة للفعل الاحتجاجي؟

ألفة لملوم: تؤكّد هذه الدراسة اتّجاهاً قوياً ظهر منذ انتفاضة الخبز في 1984، يتمثّل في التحوّل الجغرافي والسوسيولوجي الذي شهده شكل الصراع الاجتماعي في تونس مع تنامي السياسات التقشّفية وتراجع الدولة الراعية وتقلّص اعتماداتها المخصَّصة للسياسات العمومية. فمن ناحية، انتقل مجال الاشتباك الاجتماعي الأساسي إلى الهوامش الحضرية وشبه الحضرية. ومن ناحية أخرى، كان مركز ثقله، في سبعينيات القرن الماضي، يدور في فلك الاتّحاد العامّ التونسي للشغل ويستند إلى فاعلين منظَّمين في أطر سياسية أو نقابية ومنخرطين بأغلبهم في علاقات شغلية منظَّمة في مراكز إنتاج أو خدمات (وظيفة عمومية، إجراء في قطاعات شبه عمومية، مناطق صناعية، أحياء عمالة/صناعية …)؛ أمّا اليوم، انكفأت النزاعات وأصبحت دفاعسة ومتشظية بسبب تراجع العمل المنظَّم تحت وطأة برامج الإصلاح الهيكلي. في القصرين، على سبيل المثال، شكّل معمل الحَلفاء والورق في ما مضى رافعة للاشتباك الاجتماعي، لكن انكمش دوره لأسباب عدّة، منها عدم الصيانة وسوء الإدارة والتجميد شبه الكلّي للانتداب، وأصبحت بالمقابل أحياء الكرمة والنور والزهور الشعبية هي الفضاءات المركزية للاشتباك الاجتماعي. كما غيّرت البطالة البنيوية والعطوبة التركيبة الاجتماعية للمحتجّين فتغيّرت سوسيولوجيا الاحتجاج.

وعليه يُحيل ضعف الاتّحاد العامّ التونسي للشغل كإطار احتجاجي إلى ضعف علاقة الشباب اليوم بالعمل النقابي باعتبار تفكّك الروابط الشغلية لدى الجيل الجديد.

خلاصة القول، تشهد تونس فكّ ارتباط جيلي عن الأحزاب المؤسَّسات بما فيها التنظيمات اليسارية وعن الاتّحاد العامّ التونسي للشغل. بعباة أخرى، لقد ضعفت الأطر التقليدية للتعبير الاحتجاجي، كما الشكل الاحتجاجي التقليدي أي الإضراب، مقابل صعود مفردات وأشكال أخرى شبابية سواء افتراضية أو مادّية.

 

نشر هذا المقال بالعدد 21 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:
جائحة 2020: ملامح ثورة مغدورة

 

  1. مراجعة دراسة “إنترناشونال ألرت”: “شباب في الهوامش: تمثّلات المخاطر والسياسة والدين في تطاوين الشمالية والقصرين الشمالية ودوّار هيشر”، على الرابط: https://www.international-alert.org/sites/default/files/Tunisia-Youth-Perceptions-Religion-Politics-Ed2-AR-2020.pdf
  2. مصطلح بالعامية التونسية ويعني السلب تحت التهديد.
انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، البرلمان ، تونس ، جائحة كورونا ، حراكات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مجلة ، مجلة تونس ، مساواة ، منظمات دولية



لتعليقاتكم