تفكّك المجلس المؤقت للقضاء العدلي (2): حين خرج المجلس عن الطاعة


2023-10-26    |   

تفكّك المجلس المؤقت للقضاء العدلي (2): حين خرج المجلس عن الطاعة

يوم نصّب الرئيس قيس سعيد مجلسه المؤقت للقضاء، سارعت المفكرة القانونية إلى التنبيه لما يمثّله في قواعد تسييره وتركيبته وصلاحياته من تراجع على ما سبق وتحقق للقضاء التونسي من مكتسبات. ولمّا انطلق ذاك المجلس في عمله، تأكدت مخاوفها بدليل ما بات يعانيه القضاة من هشاشة مهنية من مظاهرها ما تمّ وسطهم من إعفاءات. وما يهم المفكرة اليوم هو أن تنبّه لكون ما كان من تراجع قد يعقبه تراجع أكبر جرّاء تطوّر جديد يتمثّل في تفكك هذا المجلس. وفي إطار عملية الرصد تلك، تقدم المفكرة لقرائها سلسلة مقالات حول هذه التطورات، في سياق سعيها إلى توثيق تاريخ القضاء التونسي وهو جهد التزمتْ به منذ بداية عملها. في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، تحدّثنا عن الفراغ الذي صنعته أو دفعت إليه السلطة السياسية. في هذه الحلقة، سنتناول الأسباب التي دفعت السلطة السياسية إلى تفكيك المجلس الذي صنعته (المحرر).

بعد خمسة أسابيع فقط من تنصيب الرئيس سعيد مجلسه المؤقت للقضاء، عاد ليكشف خيبة أمله فيه في كلمة ألقاها في محضر وزيرته للعدل ليلى جفال بتاريخ 15-04-2022 حيث قال: “تمّ حلّ مجلس القضاء وتغيير تركيبته لأجل الحفاظ على استقلالية القضاء للأسف ما نراه اليوم من قبل عدد من القضاة وليس من قبل أغلبيتهم اغتيال للعدالة لا يمكن أن يستمر الوضع” [1]. ومن حينها كان معلوما أن المقصود بالانتقاد المجلس العدلي دون سواه وأنّ من ينسب لهم التقصير فيه هم أعضاؤه المعينون بالصفة والذين لم يكونوا  طيّعين بما يكفي ليحققوا ما هو مطلوب منهم في إطار ممارسة الدور المحدود المسند لهم والذي ينحصر في الإعفاءات ونظر مطالب رفع الحصانة والتأديب واقتراح مشروع الحركة القضائية.

لقد قاد أعضاء المجلس المؤقت مقاومة مهنية لم تكن صاخبة ولا مرئية بفعل ميلهم للمحافظة، وإن بقيت الكلمة الأخيرة للقصْر بفعل النصوص التي وضعها. ويبدو من المهمّ التوقّف هنا عند هذه المقاومة في تفصيلاتها.

المجلس يرفض إعفاء قاضي تحقيق في قضية الإيقافات السياسية

في صياغته مرسوم المجلس المؤقت للقضاء، خصّ الرئيس سعيّد إعفاءات القضاة أي قطع علاقتهم الشغلية بأمر منه من دون ضمانات تأديبية حقيقية بأحكام تفصيلية. ويبدو أنه ولِما كان يُخطط من استعمال لها حرص على أن يحيطها بإجراءات توهم باحترامها لحق المعنيين بها بالدفاع عن أنفسهم ومن ذلك أن أسند لنفسه صلاحية تقديم طلب الإعفاء وترك للمجلس مسؤولية البت فيه.

تاليا، وفي أول ساعات يوم 01-06-2022، عاد الرئيس ليراجع اختياره فأصدر المرسوم عدد 35 والذي مكّن فيه نفسه من صلاحية “إعفاء كلّ قاض تعلّق به ما من شأنه أن يمسّ من سمعة القضاء أو استقلاليته أو حُسن سيره” دون رقيب عليه في ذلك ودون تدخل من مجلسه [2]. وقد فَعَّل مرسومه ذاك في ذات تاريخه وقبل توجيهه للنشر بالجريدة الرسمية بإعفاء 57 قاضيا في واقعة اصطلح على تسميتها بمذبحة قضاة تونس.

في تاريخ لاحق، وبمناسبة حملة الإيقافات التي شهدتْها تونس بداية الشهر الثاني من سنة 2023، اعتبر سعيد من يبرئ المتهمين شريكا لهم. وتنفيذا لتهديده، أوقف بتاريخ 13-02-2023 قاضي تحقيق بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب عن العمل وطلب من مجلس القضاء إعفاءه وذلك يوما واحدا بعد إبقائِه متهما بحالة سراح في ملف تعهد به [3]. وإذ بدا الرئيس سعيّد في تجربته الأولى مع الإعفاء عازفا عن المجلس الذي صنعه وذلك ربما لتوقعه ممانعة من قبله، فإنّ لجوءَه إليه في الحالة الثانية تفاديا للانتقادات الواسعة التي طالته، فإنه سرعان ما خاب ظنّه به. فقد رفض المجلس تسليط الإعفاء ليردّ الملفّ إلى مصدره. تبعا لذلك، غاب أي ذكر لهذه لقضية وبقي القاضي المعني في حالة إيقاف فعلي عن العمل لا يعلم له منها مخرجا وهو ذات حال المعفيين فيما تعلق بالسؤال عن صفتهم هل هم قضاة؟

احترام قرارات المحكمة الإدارية بشأن المعفيين

رفضت وزارة العدل ورئاسة الحكومة الإذعان لقرارات إيقاف تنفيذ التي صدرت لفائدة 47 من القضاة المعفيين عن رئاسة المحكمة الإدارية. وزادت الأولى بالذكر عن ذلك بأن وجهت تعليمات للنيابة العمومية في إثارة تتبعات جزائية في حقهم. وفيما بدا مقاومة مهنية لهذا التمشي، وجهت بعض النيابات مكاتيب استشارة للمجلس المؤقت للقضاء العدلي طرحت فيها السؤال عن وضعية المعنيين وتمتّعهم بالحصانة من عدمها ليصلها منه ردّ مفاده أنهم يخضعون للقانون عدد 29 لسنة 1967 أي للقانون الأساسي للقضاة.

لم يكن الجواب جازما ولكنه كان مستندا هاما لمكاتب التحقيق ليطلب عدد من قضاتها من المجلس رفع الحصانة عمّن وجّه إليهم الاتهام [4]. وقد تعهّد فعليّا مجلس القضاء العدلي بالمطالب وتعامل معها كما لو كانت صدرت ضد قضاة مباشرين، فلم يرفضها شكلا وأخّر النظر فيها لأكثر من جلسة لتجري المرافعة في الظلّ في شأنها.

وعليه، أقرّ المجلس وإن لم يصرّح بذلك باستعادة المعفيين صفتهم بموجب القرارات التي صدرتْ عن القضاء الإداري فخالف توجه السلطة التنفيذية وكشف للمتابعين تمايزه عنها ورفضه الاشتراك معها في خرق القانون. ولكنه رغم هذا، فإنه بدا غير متحمس لإبداء رأيه في أصل الطلبات بدليل إفراطه في تأخير النظر فيها، الأمر الذي أضاع فرصة إصدار قرارات جريئة.

الإقرار بشرعية التحركات الاحتجاجية للقضاة

تعهد المجلس خلال فترة عمله بعدد لا يمكننا تحديده من مطالب رفع حصانة عن قضاة مباشرين لغياب المعطى الرسمي حولها. إلا أن مصادر قضائية تؤكد أنّه انتهى إلى رفض رفع أغلب الطلبات التي أثارتها وزارة العدل وبخاصة في التُهم المتصلة بإضراب القضاة احتجاجا على الإعفاءات. ولعلّ الطلب الوحيد الذي قبله المجلس هو الطلب المقدّم برفع الحصانة عن رئيس جمعية القضاة أنس الحمادي في هذا الشأن. وإذ أقرّ بذلك ضمنا بشرعية التحرّكات الاحتجاجية للقضاة، فإنه لم تكنْ له بالمقابل جرأة الاعتراف بالحق النقابي لرئيس الجمعية الذي كان أيضا محل تمييز فيما لحقه من تتبع تأديبي لذات السبب.

نشاط المجلس التأديبي: جهد مجحود

في اجتماع جمعه بعدد من الوزراء بتاريخ 19-09-2023، تحدّث سعيّد عن عدم تحميل من يقصّر من القضاة المسؤولية. فقاطعته وزيرة العدل التي قالت “وبعدها تحيلهم لمجلس التأديب فيتمّ التأخير لهم وإعادة التأخير لكل مرة استجابة لطلب الدفاع … كل الملفات تم تأخيرها … إن شاء الله يتحملوا مسؤولياتهم” [5]. وقد كشفت المحادثة الجارية علنا بينهما عن اتهام صريح من قبلهما للمجلس بالتقصير في عمله كمجلس تأديبي.

وهنا أيضا، لم يخرج المجلس عن صمته ليرّد على الاتهام الموجه بوضوح إليه، علما أن المعطيات التي توصلت إليها المفكرة القانونية تؤكد أن لا أساس له. فهذا المجلس فصل أكثر من 75% من مجموع  الملفّات التي تعهّد بها والتي انقسمت بين 78 تخلّدت بذمة المجلس المنبثق عن دستور 2014 والمصطلح على تسميته في الوسط القضائي بالشرعي [6] و75 عهدته بها وزارة العدل. هذا مع العلم أن عدم بتّه في بقيّة الملفات يجد ما يفسره في أن 18 منها اتصلت بقضاة تمّ إعفاؤهم من قبل رئيس الجمهورية وأن ملفين آخرين يتصلان بقاضييْن هما في وضع إلحاق يمنع تسليط عقوبة عليهما وأن بقية الملفات كلها نشرت في جلسات قريبة وكان ينتظر فصلها مع بداية السنة القضائية.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يبدو الدافع إلى اتهام المجلس بالتقصير متصلا ليس في إهماله البتّ في الملفّات بل في وجهة البتّ فيها، وبخاصة فيما يتصل بالقضاة المعفيين أو بإقرار مشروعية التحركات الاحتجاجية.

الحركة القضائية

وفق المرسوم عدد 11 الناظم لعمل مجلس القضاء، يتولى هذا الأخير إعداد مشروع الحركة السنوية للقضاة على أن يكون لرئيس الجمهورية حقّ الاعتراض الملزم على مقترحات النقل والترقيات واسناد الخطط.

شكّل مشروع الحركة القضائية للسنة القضائية 2022-2023 للقضاء العدلي أولى محاولات تنزيل هذا التصور. وقد بات مؤكدا بحكم تواتر التسريبات أن المجلس صاغ مقترحا أولا تضمن إعادة ادماج للقضاة المعفيين فاعترض عليه الرئيس ورده إليه، فأعاد المجلس عمله وحذف المعفيين من عمله لكن مرة أخرى رُدَّ إليه لأسباب جديدة تعلقت بتعيينات يرفضها الرئيس. فما كان منه إلا أن أعاد العمل وغير ما طلب منه تغييره ليصطدم بردّ ثالث لذات السبب الثاني مع دعوة صريحة للتنسيق مع وزيرة العدل. وهنا لم يذعن المجلس للطلب وصاغ مشروعه على نحو لا ينسجم معه فتعطّلت الحركة ولم تصدر، وذلك في سابقة نادرة في حياة تونس القضائية.

لاحقا وفي نهاية الشهر السادس من سنة 2023، صدرت الحركة القضائية للسنة القضائية 2023-2024. وأكثر ما يلفت في أمر إصدارها الآتي: أولا أنّ رئيس الجمهورية لم يشِرْ في أمر إصدارها إلى المجلس قط، وثانيّا أنه وفي خروج عن تقاليد أرسيت منذ الهيئة الوقتية للقضاء العدلي لم يصدر المجلس أي وثيقة تبيّن قراءته للحركة كما لم يخرج أيّ من أعضائه للدفاع عنها. بل لم يخرج حتّى أيّ منهم لتكذيب ما يروّج من شائعات تنفي مشاركتهم فيها. وربما يجد هذا الصمت (في زمن وجب فيه الكلام) ما يفسره في استعجال التقاعد وطلب المغادرة، ويشكل معه دليلا على توجّس أعضاء المجلس من تعامل السلطة السياسية معهم ومن القرارات التي تفرضها عليهم، وهو توجّس عبروا عنه بالصمت والاستقالة لئلا يكونوا شهود زور أو أدوات في مشروع لا يريدونه وإن كانوا عاجزين عن مواجهته. 


[1] وكان من أهم ما ورد في قول سعيّد أنه تم حلّ مجلس القضاء وتغيير تركيبته لأجل الحفاظ على استقلالية القضاء. للأسف ما نراه اليوم من قبل عدد من القضاة وليس من قبل أغلبيتهم اغتيال للعدالة. لا يمكن أن يستمر الوضع.. هذه محاولة انقلاب.. لم يتم اعتقالهم ولم نطلب اعتقالهم.. اليوم نعيش في ظرف يجب فيه على النيابة أن تقوم بدورها: شخص يريد أن يقيم برلمانا في الخارج وآخر يريد أن يؤسس حكومة إنقاذ وطني.. ولم هي لا تمارس دورها؟ الحق واضح والتلاعب بالحقوق أيضا واضح والدولة ليست لعبة”.

[2]  “لرئيس الجمهورية، في صورة التأكّد أو المساس بالأمن العام أو بالمصلحة العليا للبلاد، وبناء على تقرير معلّل من الجهات المخوّلة، إصدار أمر رئاسي يقضي بإعفاء كل قاض تعلّق به ما من شأنه أن يمس من سمعة القضاء أو استقلاليته أو حُسن سيره.وتُثار الدعوى العمومية ضدّ كل قاض يتم إعفاؤه على معنى هذا الفصل.لا يمكن الطعن في الأمر الرئاسي المتعلق بإعفاء قاض إلا بعد صدور حكم جزائي بات في الأفعال المنسوبة إليه.”

[3] وثقت جمعية القضاة التونسيين هذه الواقعة في بيان صدر عنها بتاريخ 04-03-2023  ورد فيه  ” بالنظر إلى ما آل إليه الأمر من منعرج خطير تمثل في اتخاذ رئيس الجمهورية قرار إيقاف أحد قضاة التحقيق الأول بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب عن العمل وغلق مكتبه بعد تغيير أقفاله وإحالته على المجلس المؤقت للقضاء العدلي تمهيدا لإعفائه على خلفية أحد الملفات القضائية التي تعهد بها في الأسابيع الأخيرة في خضم حملة الإيقافات وباشرها دون إصدار بطاقة إيداع في حق المظنون فيه، بغاية معاقبة القاضي المعني وإشاعة الخوف والرعب في أوساط غيره من القضاة وحملهم جميعا على الانصياع الكامل إلى أوامر وتعليمات السلطة التنفيذية المباشرة فيما يعرض عليهم من قضايا.”

[4]  موقف  خالفته  دائرة الاتهام لدى محكمة الاستئناف بسليانة في قرار صدر  عنها  بتاريخ 24-05-2023  تحت عدد 151 و تعلق بالقاضي محمد الطاهر الكنزاري والذي في قضية جزائية أثيرت ضدّه تمسك بالحصانة القضائية وأخر قاضي التحقيق نظر القضية استجابة لدفعه وتمهيدا لطلب رفعها  فاستأنفت النيابة العمومية قراره الضمني الذي يقر بتمتع المعني بالحصانة   وقد اعتبرت دائرة الاتهام بسليانة  ان قاضي التحقيق الذي اقر بتمتع المذكور بالحصانة القضائية خالف القانون وقد أسست موقفها الذي يبقى لحد الان معزولا على مقولة ان  المعني عزل بمقتضى أمر رئاسي وفقد بالتالي صفة القاضي من تاريخه ولا يمكنه ان يسترجعها الا بأمر رئاسي ينشر بالجريدة الرسمية عملا بمبدأ توازي الصيغ والإجراءات والقرار الإداري الذي صدر في 09-08-2022  في مادة إيقاف التنفيذ لا يرتقي للقوة القانونية والالزامية للأمر الرئاسي ولا يمكن تعطيل آثاره  القانونية

 [5]  الدقيقة 46 وما  بعدها من شريط الفيديو الذي نشرته رئاسته الجمهورية بتاريخ 19-09-2023.

[6]  الملفات التأديبية التي تخلّدت بذمة المجلس المنبثق عن دستور 2014 تنقسم إلى 9 ملفات صدرت فيها قرارات تأديبية وكان سيتم تنفيذها لولا حله وقد تولى المجلس المؤقت ذلك و 69 غير مفصولة. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية