تعليق على حكم المحكمة العليا في الطعن الدستوري في ليبيا


2014-06-19    |   

تعليق على حكم المحكمة العليا في الطعن الدستوري في ليبيا

تنشر المفكرة القانونية قراءة للأستاذ الجامعي عادل كندير للحكم الصادر عن الدائرة الدستورية في المحكمة العليا في طرابلس والتي قضت بعدم دستورية قرار المؤتمر الوطني العام بشأن تعيين أحمد عمر معيتيق رئيسا للحكومة. بمعزل عن مدى صوابية الحكم، فان هذه القضية تؤشر الى توسع لوظيفة القضاء الليبي في المجال السياسي (المحرر).
 
مقدمة: بتاريخ يوم الاثنين 11 شعبان 1435 هـ الموافق 9 يوليو 2014م, انعقدت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بمقر المحكمة بطرابلس للنظر في الطعن المقدم من عدد من أعضاء المؤتمر الوطني العام ضد القرار رقم 38 لسنة 2014م الصادر عن المؤتمر في الجلسة رقم 187 المنعقدة بتاريخ 4 مايو 2014م بتعيين وتكليف السيد أحمد معيتيق برئاسة الوزراء. وبعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة الشفوية وتلاوة التلخيص ورأي نيابة النقض, وبعد المداولة قضت المحكمة: بقبول الطعن شكلا وبعدم دستورية قرار المؤتمر الوطني العام رقم 38 لسنة 2014 بشأن تعيين أحمد عمر معيتيق رئيسا للحكومة, وبنت حكمها على الأسباب التالية:
 
1- فيما يتعلق بعدم اختصاص المحكمة ولائيا: قضت المحكمة بأن هذا الدفع غير سديد, ذلك أن المادة 23 من القانون رقم 6/1982 تنص في فقرتها الأولى على أن: تختص المحكمة العليا دون غيرها منعقدة بدوائرها مجتمعة بالفصل في الطعون التي يرفعها كل ذي مصلحة شخصية مباشرة في أي تشريع يكون مخالفا للدستور. وبموجب هذا النص, فإنه يتعين على المحكمة أن تتصدى للفصل فيما يدخل في اختصاصها من المسائل الدستورية, بحيث يكون تصديها لهذه المسائل لازما بقدر اتصالها بالنزاع الموضوعي, وفي حدود ما هو مطروح عليها من وقائع.
 
ولكل ما تقدم, ولما كانت عملية التصويت التي بني عليها القرار المطعون فيه مخالفة للإجراءات التي حددها النظام الداخلي للمؤتمر, والتي كان على الأخير الالتزام بها من أجل أهم استحقاقاته الدستورية, وهو اختيار رئيس الحكومة التي تتولى مهام السلطة التنفيذية في الدولة, ولما كان النظام الداخلي للمؤتمر يجد أساسه في الإعلان الدستوري, وصدر تطبيقا لأحكامه؛ فإن مخالفة القرار المطعون فيه لما تضمنه ذلك النظام في هذا المقام يوصمه بعدم الدستورية.
 
2- فيما يتعلق بعدم توفر شرط المصلحة: قضت المحكمة بأن هذا الدفع بدوره غير سديد, ذلك أن الطاعنين أعضاء في المؤتمر الوطني العام, والقرار المطعون فيه صادر عن هذا المؤتمر, ومن ثم فإن مصلحتهم تكون متوافرة في الطعن على أي قرارات تصدر من المؤتمر الذي ينتمون إليه, ويرون أنها جاءت مخالفة للدستور. وعليه, ولما كان ذلك, وكان الطعن قد استوفى أوضاعه المقررة في القانون فإنه يكون مقبولا شكلا.
 
3- فيما يتعلق بحجة الطاعنين بأن القرار المطعون فيه جاء مخالفا للتعديل الذي تم على الإعلان الدستوري, رأت المحكمة بأن هذا النعي في محله؛ حيث تم الاتفاق بين أعضاء المؤتمر على النسبة المطلوبة لاختيار رئيس الوزراء, وأصبح يلزم الحصول على 120 صوتا لاختياره, حسب المحضر الثابت بجلسة 4 مايو 2014م والذي على أساسه تم الاستمرار في الاقتراع وأخذ الأصوات, ولو لم يكن هناك الاتفاق لتم الاكتفاء بحصول المرشح لمنصب رئيس الوزراء على 50% + 1 أي 72 صوتا وهو ما يمثل الأغلبية المطلقة وفق الإعلان الدستوري قبل التعديل.
 
أولا/ التعليق والرأي الشخصي:سيتم بداية عرض أوجه الاتفاق مع حكم المحكمة, ثم عرض أوجه الاختلاف على النحو الآتي:
 
1- أوجه الإتفاق. وتتمثل في الآتي:
 
أ- التسليم بأن موضوع الطعن ينحصر في وجود مخالفة للقواعد والإجراءات المنصوص عليها في النظام الداخلي للمؤتمر الوطني العام, وبصفة خاصة تلك المتعلقة بإدارة الجلسات ورفعها – وهو ما سبق وأن أكدت عليه في مقالة نُشرت على صفحتي القانونية قبل صدور حكم المحكمة – لوجود مخالفة لأحكام المواد 8و 73 و74 من النظام الداخلي للمؤتمر الصادر بالقرار رقم 62 لسنة 2013 ؛ حيث أكدت محاضر اجتماع المؤتمر رقم 187 المنعقد بتاريخ 4 مايو 2014 وجود مخالفة شابت عملية الاستمرار في الجلسة بعد رفعها من النائب الأول, وما تبعها من استمرار عملية التصويت التي صدر القرار المطعون فيه بناء عليها. مع ملاحظة بأن الجزم بوقوع المخالفة هو أمر موضوعي وليس من حق القضاء (بشكل عام) حسمه لوحده دون سماع الخصوم وإلا أخل ذلك بحق الدفاع, كما لا يجوز للمحكمة العليا حسمه (بشكل خاص) على اعتبار أنها محكمة قانون لا محكمة موضوع.
 
ب- التسليم بصحة النعي على القرار بأنه جاء مخالفا لما تم الاتفاق عليه بين أعضاء المؤتمر بإخضاع التصويت على رئيس الحكومة لأحكام المادة 8 عوضا عن أحكام المادة 6؛ حيث أن التعديل السابع للإعلان لم يورد قرار تعيين رئيس الوزراء ضمن المسائل التي نص في الفقرة 6 على وجوب إصدارها بأغلبية 120 عضوا على الأقل, إلا أن نص الفقرة 8 أجاز اقتراح إخضاع التصويت على مسألة قيد البحث إلى أغلبية 120 عضوا, وقد جرى التأكيد في بداية الجلسة المنعقدة بتاريخ 4 مايو 2014 على ضرورة أن يتم اعتماد رئيس الوزراء بـ120 صوتا وفقا لقرار سابق صدر بالخصوص من المؤتمر, مع ملاحظة أن القرار المطعون فيه في هذه الحالة يشكل مخالفة لقرار سابق صادر عن المؤتمر وليس مخالفة للإعلان الدستوري كما ذكرت المحكمة.   
 
ج- التسليم بصحة وجود شرط المصلحة؛ لأن المصلحة متوفرة بالفعل للطاعنين من أعضاء المؤتمر على كل القرارات التي يصدرها هذا الأخير – الذي ينتمون إليه – ويرون أنها جاءت مخالفة للإعلان الدستوري بشكل عام وللنظام الد
اخلي بشكل خاص, ولكن الأهم الآن هو: هل المحكمة العليا مختصة (فعلا) بنظر هذا الطعن؟ هذا ما سيتم الإجابة عنه في الفقرة التالية والمتعلقة بأوجه الاختلاف.
 
2-أوجه الاختلاف, وتتمثل في الآتي:
 
أ- فيما يتعلق بالاختصاص الولائي للمحكمة العليا: يُعتبر القضاء أحد مظاهر السيادة في الدولة, ولدى تنصرف ولايته لكل المنازعات التي تقع ضمن النطاق المكاني لهذه السيادة, إلا أن دراسة الواقع الليبي تكشف أن هناك بعضا من المنازعات لا تدخل ضمن الاختصاص الولائي للقضاء؛ حيث دأب المشرع الليبي منذ الاستقلال على إخراج أعمال السيادة من ولاية المحاكم الليبية (م 26 من القانون رقم 6/1982) (م 16 من القانون رقم 51/1976) (م 6 من القانون رقم 88/1971), أما المادة 17 من الإعلان الدستوري فقضت: "بأن المجلس الوطني الانتقالي (حاليا المؤتمر الوطني العام) هو أعلى سلطة في الدولة الليبية, ويباشر أعمال السيادة العليا…". ووجدت المحكمة العليا نفسها مرغمة لوضع تعريف لأعمال السيادة في الطعن الإداري رقم 1/2ق بتاريخ 6 مارس 1966م, بأنها: الأعمال التي تتصل بالسياسة العليا للدولة والإجراءات التي تتخذها الحكومة بما لها من السلطة العليا للمحافظة على سيادة الدولة وكيانها في الداخل والخارج.
 
وبناء على ما تقدم فأعمال السيادة هي كل ما يصدر عن الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة. هذا القول دفع بأعضاء الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا إلى الاعتقاد بأن أعمال السيادة تنحصر في تلك الأعمال الصادرة عن الحكومة (السلطة التنفيذية) بصفتها سلطة حكم, ولا تمتد لتشمل الأعمال والتصرفات الصادرة عن السلطة التشريعية, وإلا لما اختصت المحكمة بالنظر في الطعون ذات الصلة بدستورية القوانين الصدارة عن السلطة التشريعية. وعليه, يمكن القول بأن هذا الاعتقاد صحيح لو صدر في ظل نظام سياسي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات كالنظام البرلماني أو الرئاسي أو شبه الرئاسي أو حتى في ظل نظامٍ ملكي يقر بهذا المبدأ على نحو ما كانت عليه ليبيا عام 1951م, ولكنه – برأيي- لا يكون صحيحا في ظل نظام سياسي لا يقوم على الفصل بين السلطات كما هو حال ليبيا اليوم؛ فالإعلان الدستوري 2011 اعتمد النظام المجلسي (أو ما يُسمى حكومة الجمعية) نظاما سياسيا في ليبيا, وهو لا يقر مطلقا بمبدأ الفصل, فمواد الإعلان الدستوري – وخاصة المادتان 17 و24 – أسندتا إلى المؤتمر الوطني العام القيام بأعمال السيادة العليا المناطة للحكومة والبرلمان معا في ظل الأنظمة السياسية المقارنة, الأمر الذي لا يجعل منه سلطة تشريعية (فقط) بل حكومة جمعية, فالوزراء في ظل هذا النظام لا يمثلون سلطة تنفيذية مستقلة بقدر ما هم هيئة تنفيذية خاضعة للمؤتمر ملزمة بتنفيذ قراراته؛ وبعبارة أخرى الحكومة هي مجموعة غير مستقلة من الوزراء اختارهم المؤتمر لتنفيذ قراراته والسير وفق توجهاته. عليه, ولكل ما تقدم, ولما كان المؤتمر الوطني العام يمارس أعمال السيادة بصفته حكومة جمعية, وجب التمييز بين ما يصدر عنه من أعمال بصفته سلطة حكم وبين ما يصدر عنه من أعمال بصفته سلطة إدارة, فصدور قرار من المؤتمر بتعيين مواطن في وظيفة من وظائف الهيكل الإداري للمؤتمر هو عمل من أعمال سلطة الإدارة الموجودة في غيره من مؤسسات وهيئات الدولة, والتي تخضع لرقابة القضاء الإداري, بينما صدور قرار من المؤتمر بتعيين مواطن رئيسا للوزراء تطبيقا لاستحقاقاته الدستورية في ممارسة أعمال السيادة العليا للدولة الليبية (المواد 17 و24 و30) هو عمل من أعمال سلطة الحكم التي يمارسها المؤتمر (فقط) ولا يملك غيره مثل هذا الاختصاص, وبالتالي لا يخضع لرقابة القضاء بالمطلق وفق النظام القانوني الساري المفعول في ليبيا, ولا يقبل الطعن عليه إلا أمام الجهة المصدرة للقرار (الطعن أو التظلم الولائي) وهي المؤتمر الوطني العام.
 
ب- فيما يتعلق برقابة الدستورية: أسست المحكمة اختصاصها بالنظر في الطعن (محل التعليق) على المادة 23 من القانون رقم 6/1982, التي منحتها سلطة ممارسة الرقابة الدستورية على التشريعات, ولتوضيح العلاقة بين قرار المؤتمر الوطني العام رقم 38 لسنة 2014 بتعيين وتكليف معيتيق رئيسا للحكومة وبين القواعد الدستورية الواردة في الإعلان الدستوري قالت المحكمة: وحيث أن النظام الداخلي للمؤتمر يجد أساسه في الإعلان الدستوري وصدر تطبيقا لأحكامه؛ فإن مخالفة القرار المطعون فيه لما تضمنه ذلك النظام في هذا المقام يصمه بعدم الدستورية.
يمكن القول بأن ما تقدم ذكره هو محل نظر, إذا ما أخذنا في الاعتبار مبدأ تدرج القاعدة القانونية, فاستناد القاعدة القانونية الأدنى إلى القاعدة القانونية الأعلى لا يجعل الأولى ترقي لمستوى الثانية, وإلا لما كانت هناك حاجة لوجود التدرج بالكلية أو لبناء هرمٍ تشريعي. وعليه, فإن استناد النظام الداخلي إلى الإعلان الدستوري لا يغير من كونه نظاما داخليا فرعيا ذا طبيعة إدارية, وبالتالي لا يمكن أن ترقى قواعده (مطلقا) إلى مرتبة الدستورية لتوصم القرارات المخالفة لها بعدم الدستورية, والقول بغير ذلك يعني أن جميع القواعد القانونية الواردة في القوانين العادية واللوائح الفرعية اللاحق منها أو السابق على الإعلان الدستوري يمكن رفعها لمستوى القواعد الدستورية؛ لأنها تستند في وجودها – في هذه المرحلة – على الإعلان الدستوري. كما لا يمكن القول بأن القضاء الإداري هو المختص لأن الأمر يتعلق بعمل من أعمال السيادة على نحو ما ذكر أعلاه.
 
ثانيا/ الحلول: نشير بداية إلى أن قبول كل من المؤتمر الوطني العام وأحمد معيتيق لحكم المحكمة مثلا حلا للمشكلة من الناحية السياسية (ازدواجية الوزارة), إلا أنهما لم يمثلا حلا من الناحية القانونية لفصل التداخل الحاصل بين أعمال السلطتان التشريعية والتنفيذية, والذي ازداد تعقيدا إثر هذا الحكم بتدخل السلطة القضائية في الأعمال السيادية, الأمر الذي أجهز كليةً على مبدأ الفصل بين السلطات, ولذلك يمكن القول بأن الأمر يتطلب في ليبيا مراجعة النظام السياسي والقانوني والقضائي على النحو الآتي:
 
1- النظام السياسي: يتطلب الأمر في ليبيا إعادة النظر في النظام المجلسي أو ما يسمى حكومة الجمعية؛ بإقرار نظام جديد يعمل على تحديد مهام كل من رئيس السلطة التشريعية ورئيس السلطة التنفيذية وإقرار نوع من التوازن بين صلاحيات كل منهما وأهمها: منح رئيس السلطة التنفيذية حق الاعتراض على ما تصدره السلطة التشريعية من أعمال ذات صلة بالسلطة التنفيذية, لكفالة عدم طغيان السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية أولا ولضمان عدم تدخل القضاء في العلاقة بين السلطتين ثانيا؛ حيث تعتبر العلاقة بين السلطتين عملا من أعمال السيادة. فوجود رئيس دولة في ظل نظام برلماني أو رئاسي أو غيره يتمتع بصلاحيات دستورية سيساعد على حل مثل هذه الإشكالية بطريقة ديمقراطية من خلال حقه في الاعتراض على مثل هذا القرار, وهو ما يعني إلزام السلطة التشريعية بإعادة النظر في القرار المُعترض عليه من قبل رئيس الدولة وفق القواعد والإجراءات المنصوص عليها في قواعد النظام الداخلي بدلا من اللجوء إلى القضاء, وذلك على شاكلة الآلية المنصوص عليها في المادة 136 من دستور 1951 التي منحت الملك حق الاعتراض على التشريعات التي تصدر عن مجلس الأمة, ثم منحت مجلس الأمة آليات للتخفيف من حدة حق الفيتو أو الاعتراض, وقد استشعر الليبيون مؤخرا الخلل الحاصل في النظام السياسي؛ فعملت لجنة فبراير على تعديل النظام السياسي الحالي بنظام سياسي جديد من خلال مقترح فبراير – وإن وجدت عدة ملاحظات على هذا المقترح – يقوم على الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بوجود مجلس للنواب إلى جانب وجود وظيفة رئيس للدولة.
 
2/ النظام القانوني والقضائي:
 
أ- النظام القانوني: يتطلب الأمر إعادة النظر في نطاق اختصاص ولاية القضاء الليبي كونه أحد مظاهر سيادة الدولة, وذلك بإلغاء التحصين الحاصل لأعمال السيادة من ولاية القضاء أو في أسوء الأحوال وضعها في أضيق الحدود مع تحديد مفهومها في الدستور؛ لأجل أن لا تترك المسألة لاجتهاد القضاء, لمنع أي تناقض في أحكامه – بمرور الزمان – مع القواعد الدستورية, فنظرية  أعمال السيادة عفا عنها الزمن, بل إن مجلس الدولة الفرنسي الذي ابتدع هذه النظرية بدأ يركن إلى تضييقها إن لم نقل التخلي عنها, فهذه النظرية في بعض جوانبها تشكل مساسا بمبدأ المشروعية (مبدأ سيادة القانون) مما يجعلها منافية للمعايير الدولية للديمقراطية السائدة في عالم اليوم.
 
ب- النظام القضائي: يقوم النظام القضائي الليبي على نظام هجين يجمع بين نظام وحدة القانون ووحدة القضاء وبين نظام تعدد القانون وتعدد القضاء, وذلك بابتكار نظام يقوم على تعدد القانون ووحدة القضاء؛ إذ يوجد في ليبيا قانون مدني وآخر إداري وثالث شرعي وغيره ولكنها جميعا تنظر أمام قضاء واحد, وقد دفعت أسباب تاريخية وفنية إلى سلوك هذا المسلك أهمها: النقص الحاصل في الكوادر الليبية المؤهلة للقيام بأعباء السلطة القضائية زمن الاستقلال. عليه, وبمرور الزمن ظهرت عيوب هذا النظام ومن أبرزها عدم وجود قضاة ليبين متخصصين في فرع معين من فروع القانون ومن بينها القانون الدستوري, ومن تم وبعد وجود العشرات من المتخصصين القانونين حان الوقت للانتقال إلى نظام تعدد القضاء, وبصفة خاصة تأسيس محكمة دستورية مستقلة متخصصة عوضا عن الدائرة الدستورية الموجودة حاليا في المحكمة العليا الليبية, التي هي عبارة عن دائرة مكونة من قضاة هم في الأصل تابعون لدوائر أخرى مدنية وجنائية وإدارية وغيرهم من غير المختصين في الفقه الدستوري, ومن تم يجب العمل على أن ينص الدستور المرتقب على محكمة دستورية مستقلة لا تقتصر العضوية فيها على القضاة, بل يجب أن تمتد لتشمل عدد من أساتذة القانون والمحامين العامين والخاصين وإدارة قضايا الدولة. كما أنه في حالة الإبقاء على نظرية أعمال السيادة ولو على نحو ضيق فيجب أن يبين الدستور حدود الاختصاص الولائي للمحكمة الدستورية تجاه أعمال السيادة.
 
الخـــــــــــلاصة: يجب على القضاء الالتزام بحدود الصلاحيات المعطاة له بموجب النظام القانوني القائم الساري المفعول, ولو كان هذا الأخير في بعض جوانبه لا ينسجم مع المعايير الدولية للديمقراطية؛ لأن القول بإمكانية رقابة المحكمة العليا على أعمال السيادة في ظل نظام سياسي لا يقر بمبدأ الفصل بين السلطات, يعني أن قضاء المحكمة العليا منح لنفسه صلاحية تجعل منه في موقع يبدو فيه وكأنه يجعل من نفسه فوق كل السلطات المؤسَسة والمؤسِسة بما في ذلك القواعد الدستورية ذاتها, وبالتالي على القضاء الليبي أن ينأى بنفسه عن كل ما قد يوصمه بأنه قضاء سياسي وأهمها عدم الخوض في أعمال السيادة, لاسيما وأن هذه هي المرة الثانية التي يتدخل فيها قضاء المحكمة العليا في نزاع ذي طبيعة سيادية – وقد كانت المرة الأولى عندما فصل في الطعن الدستوري رقم 28 لسنة 59ق المتعلق بالتعديل الثالث للإعلان الدستوري بتاريخ 5 يوليو 2013 – لأن سلوك المحكمة العليا لمثل هذا المسلك سيدفع إلى التساؤل هل القضاء الدستوري في ليبيا هو في طور التطور والانتقال بإرادةٍ فردية من دور قاضي القانون الذي يقتصر دوره على المراقبة وفق الصلاحيات الممنوحة له قانونا إلى قاضي الموضوع يعمل على تقييم الدعوى من تلقاء نفسه دون الحاجة لإجراء تعديل دستوري؟ إذا كانت الإجابة بنعم فهذا يعني أن النتيجة السياسية والقانونية المترتبة على هذا القول هي: أن قضاء المحكمة العليا أصبح المطبق الفعلي لنص المادة 17 من الإعلان الدستوري المتعلقة بممارسة أعمال السيادة العليا للدولة الليبية وليس المؤتمر الوطني العام, لاسيما وأن أحكام المحكمة العليا كأعلى جهة قضائية في ليبيا لا يُقبل الطعن فيها أمام جهة أخرى إلا بالتماس إعادة النظر وفق شروط معينة لا تتناسب والحالة المعنية.
 
كلية القانون جامعة طرابلس

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، ليبيا



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية