بعد خضوع السلطة لـ “مافيا المدارس الخاصة”: نقابة المعلمين تمهل الحكومة 48 ساعة لتوقيع اتفاق “الحد الأدنى”


2024-01-17    |   

بعد خضوع السلطة لـ “مافيا المدارس الخاصة”: نقابة المعلمين تمهل الحكومة 48 ساعة لتوقيع اتفاق “الحد الأدنى”
من اعتصام الأساتذة المتقاعدين أمس أمام وزارة التربية

بعدما نجحت الضغوطات التي مورست من أصحاب المدارس الخاصة ومرجعياتها الروحيّة بردّ مجلس الوزراء قانونين، يرميان إلى زيادة رواتب الأساتذة المتقاعدين وإيرادات صندوق التعويضات،  إلى مجلس النوّاب كانا أقرّا  في الجلسة التشريعيّة الأخيرة. وفي ظلّ تعطّل الهيئات الدستوريّة، وجدت نقابة المعلمين نفسها مضطرة إلى قبول اتفاق بديل “إذا ما طبّق يضمن حدّ أدنى من حقوق أساتذتها المتقاعدين” على حد تعبير نقيب المعلمين نعمة محفوض. وتمّ التوصل إلى الاتفاق خلال اجتماع عّقد أمس بدعوة من وزير التربية عباس الحلبي وبحضور ممثلين عن المؤسسات التربوية الخاصة وعن لجان الأهل ونقابة المعلمين في المدارس الخاصة وعن صندوق التعويضات. وجاء الاجتماع بعدما كانت نقابة المعلمين اعترضت على ردّ القانونين، معلنة نيّتها اتخاذ خطوات تصعيديّة وصولا إلى الإضراب.

وبالتزامن مع الاجتماع نفّذ عدد من الأساتذة المتقاعدين اعتصاما أمام وزارة التربية مندّدين بسلطة من أسموهم “مافيات المدارس” التي تراكم الأرباح وتضغط لحرمانهم من حقّهم بالعيش الكريم، والتي ضغطت من أجل ردّ قانونين “لا يعطيا حتّى المعلّم المتقاعد حقّه بل يُعيدا شيئا من كرامته” على حد تعبير إحدى المعلّمات.

الاتفاق أفضل الممكن 

بعد اجتماع دام حوالي 3 ساعات توصّل المجتمعون إلى اتفاق وصفه محفوض بـ “المقبول” في ظلّ “عدم وجود سلطة” يلجأ إليها المعلمون بعدما خذلتهم الحكومة ورئيسها وردّا قانونين نافذين”  مشيرا في حديث مع “المفكرة القانونيّة” إلى أنّ النقابة مصرّة على القانونين اللذين رُدّا وستبحث سبل تفعيلهما، وأنّ ما تمّ الاتفاق عليه أمس هو حل مؤقت بانتظار عودة الهيئات الدستوريّة إلى عملها. وشدّد على أنّ النقابة تنتظر التوقيع على الاتفاق والمضي به، وفي حال عدم حصول ذلك ستعود إلى التصعيد وربما إعلان الإضراب وكان وزير التربية استهلّ الاجتماع بالتأكيد على أنّ ردّ القانونين أصبح واقعا.

وليس بعيدا اعتبر المنسق العام لرابطة المعلّمين المتقاعدين محمد ملحم أنّ الاتفاق يتضمّن ما كان يُطالب به الأساتذة المتقاعدون لجهة مضاعفة الراتب ست مرات ويحقّق نوعا من العدالة آملا أن يتمّ تنفيذه. 

وخلص الاجتماع إلى إلزام المؤسسات التربوية الخاصة غير المجانية بتأمين مبلغ يقدّر بستين مليار ليرة لبنانية شهريا على الأقل، وذلك لتغطية دفع المعاشات التقاعدية مضاعفة ست مرات لمن يتقاضونها من صندوق تقاعد أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة مع تحديد تاريخ 1‏/1‏/2024 موعدا لبدء دفع الرواتب التقاعدية المضاعفة لغاية 30‏/9‏/2024 ما لم يصدر أي قانون يلزم بدفعها وفقا لأسس ومقادير جديدة، وإلاّ يُجدد العمل وفق هذه الصيغة لسنة لاحقة، بالتوافق بين المعنيين بوضعها موضع التنفيذ.

وحُدّد المبلغ الذي يتوجب تسديده من جانب كل مؤسسة بالإستناد إلى عدد التلامذة لديها مضروبا برقم معين يتم تحديده على ضوء عدد هؤلاء التلاميذ في المدارس المعنية الذي تبلغه مصلحة التعليم الخاص إلى إدارة صندوق التعويضات، على أن تقوم المؤسسات التربوية بتسديد المبلغ الذي يتوجب عليها ضمن مهلة أسبوع من تاريخ إعلان صندوق التعويضات عن المبلغ.

ومن المقرّر أن يعمل وزير التربية على عرض هذا الاتفاق على مجلس الوزراء مقترحا أن يقترن بموافقته عليه، على أن  تُحدّد مهلة التوقيع عليه بثمان وأربعين ساعة بعد الاجتماع ( بدءا من مساء أمس) ليتم خلالها عرضه على المعنيين به كافة ودراسته، ولإعداده بصيغته النهائية من قبل لجنة كلفت بهذا الأمر تحدد فيها آلية وضعه موضع التنفيذ.

وفي حال تنفيذ هذا الاتفاق يكون الأساتذة المتقاعدون قد حصلوا على ما كانوا سيحصلون عليه في حال تنفيذ قانون تعديل بعض أحكام قوانين تتعلق بالهيئة التعليمية في المدارس الخاصة وبتنظيم الموازنة المدرسية الذي أقرّ في المجلس النيابي ورُدّ من قبل الحكومة،  أي مضاعفة الراتب ست مرات أسوة بزملائهم في التعليم الرسمي. إلّا أنّ هذا الأمر سيبقى مع الاتفاق رهن التزام المدارس به، بينما كان القانون يفرض على المدارس تقديم براءة ذمة مالية سنوية تلحقها بالموازنة المرسلة إلى وزارة التربية. وهي براءة ذمة تصدر عن إدارة صندوق التعويضات تُثبت أن المدرسة سدّدت ما عليها من محسومات ومساهمة عن المتقاعدين. وعدم تضمين الموازنة براءة الذمة يعني عمليا عدم قدرة المدارس على استيفاء أقساطها.

وكانت براءة الذمة نقطة اعتراض أساسيّة ويعتبر من تواصلت معهم “المفكّرة” من متقاعدين ومعنيين أنّ هذا أهمّ ما تتضمّنه القانون المردود إذ إنّ عددا كبيرا  من المدارس الخاصة تأخذ مساهمة الأساتذة ولا تدفعها ولا تدفع المساهمة المفروضة عليها. وكان المنسق العام لرابطة المعلّمين المتقاعدين محمد ملحم قال في حديث سابق  مع “المفكرة” أنّ إيراد هذه المادة لم يكن سهلا وجاء نتيجة إصرار نقيب المعلمين، إذ إنّها قوبلت برفض من بعض من أسماهم “مافيا المدارس” حتى في مجلس النوّاب والذين يُعارضون دائما ما يمسّ بمصالحهم. وبردّ القانون واعتماد الاتفاق تكون المدارس نجحت بعدم الالتزام ببراءة الذمّة.

من جهة أخرى، وبينما كان القانون رفع نسبة مساهمة المدارس في صندوق التعويضات من 6 إلى 8 % على أن تكون “بحسب العملة التي تدفع لأفراد الهيئة التعليمية” ما  يعني تحويل جزء من الإيرادات بالدولار الأمر الذي اعترضت عليه المدارس، حُدّد المبلغ الذي يتوجب تسديده من جانب كل مؤسسة حسب الاتفاق الجديد بالإستناد إلى عدد التلامذة لديها مضروبا برقم معين يتم تحديده على ضوء عدد هؤلاء التلاميذ، ما يعني الاستنسابيّة وعدم وجود آليّة واضحة لتحديد هذا المبلغ.

لقاء وزير التربية مع المعنيين في المدارس الخاصة

ضغوط من المدارس الخاصّة 

وكان المجلس النيابي أقرّ في جلسته التشريعيّة الأخيرة التي عُقدت في 15  كانون الأول الماضي اقتراحيْن يتعلّقان بالتربية والتعليم وتحديدا بالمتعاقدين في المدارس الخاصّة. يرمي الأوّل إلى تعديل بعض المواد لكلّ من قانون تنظيم الهيئة التعليمية في المعاهد الخاصة وقانون تنظيم الموازنة المدرسية في المدارس الخاصة غير المجانية ونظام التقاعد والصرف من الخدمة بهدف زيادة رواتب وإيرادات صندوق التعويضات وحفاظا على تعويضات ورواتب المتقاعدين من أفراد الهيئة في المدارس الخاصة مع التوسّع لمراقبة وضمانة الدولة للتعويضات ورواتب المتقاعدين بالإضافة إلى ضمان دفع المستحقات المتوجبة على المؤسسات التربوية الخاصة إلى صندوق التعويضات لأفراد الهيئة التعليمية في هذه المدارس.

أمّا الثاني فيرمي إلى إعطاء مساعدة ماليّة بقيمة 650 مليار ليرة تُرصد في موازنة وزارة التربية والتعليم العالي لسنة 2023 لحساب صندوق التعويضات لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة وفقا للمادة 41 من القانون 15/6/1956 وتعديلاته. إلّا أنّ القانونين لم يُنشرا في الجريدة الرسميّة رغم موافقة مجلس الوزراء على إصدارها بجلسته المنعقدة في 19 كانون الأول الماضي. وأعلنت المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء في بيان لها صدر بتاريخ 27 كانون الأول 2023 أن رئيس الحكومة أعطى توجيهاته بعدم نشر ثلاثة قوانين (منها القانونان المتعلّقان بالهيئة التعليميّة).

وأتى  ردّ القانونيّن بعدما مارست المدارس الخاصة ضغوطا على مجلس الوزراء كان بارزا  بإعلان اللجنة الأسقفية للمدارس الكاثوليكية في لبنان الإضراب المفتوح في كل المدارس الكاثوليكية معترضة على تمرير أحد هذين القانون الأوّل الرامي إلى زيادة رواتب وإيرادات صندوق التعويضات والذي ألزم المدارس كما ذكرنا سابقا ببراءة ذمة من صندوق التعويضات وبدفع جزء من مساهمتها بالدولار. ووصفت اللجنة الأسقفيّة القانون بـ “الاعتباطي والمتهور، وغير القابل للتطبيق وغير المرتكز على أي أسس تشريعية وأسباب موجبة”. ومع إقرار القانون واعتراض المدارس عليه عُقد اجتماع تربوي ترأّسه البطريرك الماروني بشاره بطرس الراعي بمشاركة وزير التربية وعدد من النواب وممثلين عن المدارس الكاثوليكيّة واتحاد المؤسسات التربوية الخاصة واتحاد لجان الأهل ونقابة المعلمين، وشُكّلت لجان وصولا إلى الاجتماع الأخير الذي عقد أمس.

وكانت النقابة اعتبرت أن القانونيّن اللّذين تمّ ردّهما “نافذين ولا يمكن ردهما إلى مجلس النواب بعد موافقة مجلس الوزراء على الإصدار في الجلسة الحكومية التي عقدت في 19 كانون الأول 2023″، ودعت “الكتل النيابية إلى تحمّل مسؤولياتها وتدارك الأزمة الكبيرة التي حصلت بعد الخطوة غير المحسوبة لحكومة تصريف الأعمال ورئيسها”.

وكانت المفكّرة القانونيّة علّقت على ردّ القانونيّن معتبرة أنّ “المادة 57 من الدستور تمنح رئيس الجمهورية صلاحية ردّ القانون إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيه خلال مهلة الإصدار أي خلال شهر من تاريخ إحالة القانون إلى الحكومة، ما يعني أنّ الموقف الدّستوري السليم الذي كان من المفترض اتّخاذه من قبل مجلس الوزراء هو عدم إصدار تلك القوانين وردها إلى مجلس النواب عبر صدور مرسوم عن مجلس الوزراء بذلك كونه الجهة التي تمارس صلاحيات رئيس الجمهورية بالوكالة” إلّا أنّ “مجلس الوزراء اتخذ القرار بإصدار تلك القوانين ما يعني أن الخطوة اللاحقة كانت تفترض نشر هذه القوانين في الجريدة الرسمية لكن ذلك لم يحدث عملا بتوجيهات رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وهو بالمناسبة صاحب مؤسّسات تربويّة عدّة كما أعضاء في لجنة التربية النيابيّة) العزم الذي يكون في هذه الحالة قرر عمليا تعليق قرار مجلس الوزراء، علما أنّ لا صلاحية إطلاقا له في هذا المجال، وإلا يتحول رئيس الحكومة إلى سلطة تسلسلية يحقّ لها توجيه الأوامر الإدارية إلى مجلس الوزراء ما يشكل مخالفة للنظام الدستوري في لبنان”.

اعتصام للأساتذة المتقاعدين 

بالتزامن مع الاجتماع أمس في وزارة التربية، اعتصم عدد من الأساتذة المتقاعدين أمام وزارة التربية مندّدين بقرار مجلس الوزراء رد القانونين وبسلطة أصحاب المدارس التي تجني الأرباح من أقساط مدولرة تحت مسميات غير قانونيّة، في حين أنها مؤسسات معفية من الضرائب كونها مؤسسات لا تبغي الربح. واعتبر المتقاعدون أنّ الطعنة أتتهم من مؤسساتهم التي ضغطت لرد القانونيّن.

واعتبر المنسق العام لرابطة المعلّمين المتقاعدين محمد ملحم في كلمة له خلال الاعتصام أن “الأساتذة ناضلوا لأكثر من سنة من أجل لحظة إقرار القانونين في جلسة مجلس النواب، وتأملوا خيرا بالفرج، وشعروا بأنّهم خرجوا من حلقة الضيق بحيث تمّت مساواتهم مع زملائهم في التعليم الرسمي ولو أن ذلك يُثمن ولا يُغني من جوع”.

وأضاف ملحم أنّ “المعنيين بالأمر ضربوا وحدة التشريع، وبينما كان الأساتذة يعقدون الآمال على وعود المسؤولين بنشر القانونيّن في الجريدة الرسميّة” لم يحصل الأمر وتمّ ردهما.

ويعيش نحو 6000 مدرّس متقاعد من أفراد الهيئة التعليميّة في المدارس الخاصّة ظروفا صعبة إذ تتراوح رواتب هؤلاء من صندوق التعويضات الخاص بهم بين 15 و40 دولارًا بعد عشرات السنوات في التدريس. ويُعاني هؤلاء من صعوبات في سحب رواتبهم بسبب السقوف التي تُحدّدها المصارف والتي يمنع بعضها حتى سحب الراتب ويفرض استخدامه عن طريق البطاقات المصرفية حصرًا. كما أنّ وضع بعض المتقاعدين أسوأ بعد إذ يتعذّر عليهم الحصول على رواتبهم بسبب رفض المصارف توطينها على الرغم من صدور تعميم من قبل مصرف لبنان بهذا الخصوص.

وفي هذا الإطار تُخبر إحدى المعلمات المتقاعدات المفكرة أنّ راتبها 25 دولارا بعد 40 سنة تعليم. مشيرة إلى أنّها مريضة قلب والضمان يأخذ من راتبها 800 ألف أي نصفه تقريبا في حين لا يقدّم لها شيئا. وتقول هذه المعلّمة: “حين تركت التعليم كان راتبي مليوني ليرة تقريبا، كنت أعيش حياة كريمة، اليوم أولادي المهاجرين يتكفلون بي، ماذا لو لم يكن لديّ أبناء؟”.

وتسأل معلّمة أخرى المسؤولين إن كان راتبها الشهري وهو 30 دولارا يكفي لوجبات يوم واحد مشيرة إلى أنّ معركة الأساتذة اليوم لم تعد من أجل حقوقهم بل لاستعادة شيئا من كرامة مربّي الأجيال.

واعتبر الأساتذة أنّ المدارس الخاصة وأصحابها تخلّوا عن الأساتذة إذ إنّهم في السابق فرضوا زيادات على الأقساط بحجّة سلسلة الرتب والرواتب على مدار سنوات قبل وبعد اعتماد السلسلة، ولم يعطوا الأساتذة الدرجات الست. واليوم تعمد المدارس إلى دولرة أقساطها وتجني الأرباح وفي الوقت ذاته تضغط من أجل حرمان الأستاذ المتقاعد من تحسين راتبه ولو كان هذا التحسين يبقى فتاتا، إذ إنّ مضاعفة الراتب ست مرّات  يعني عدم تجاوزه الـ 220 دولارا.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في التعليم ، لبنان ، مقالات ، الحق في الصحة والتعليم



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية