انشاء محكمة الاستئناف في سيدي بوزيد: مكسب جديد أم عنوان لتوظيف ادارة القضاء في لعبة السياسة؟


2013-08-06    |   

انشاء محكمة الاستئناف في سيدي بوزيد: مكسب جديد أم عنوان لتوظيف ادارة القضاء في لعبة السياسة؟

أعلنت وزارة العدل التونسية أول أيام شهر أوت 2013 أنها في إطار مراجعتها للخارطة القضائية في اتجاه يضمن تقريب المصالح القضائية من المواطنين ومراعاة منها لبعض المعطيات الموضوعية في إحداث محاكم جديدة واستجابة لما عبرت عنه مكونات المجتمع المدني بولاية سيدي بوزيد، فقد قررت إحداث محكمة استئناف بسيدي بوزيد تختص بالنظر فيما يستأنف من الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد. أوحت صياغة البلاغ الرسمي أن قرار احداث محكمة الاستئناف الجديدة كان ثمرة لدراسة موضوعية زاوجت بين الاعتبارات الموضوعية وطلبات المواطنين بالجهة المعنية غير أن مراجعة سريعة للمواقف الحكومية الرسمية يكشف أن أحداث محكمة الاستئناف بسيدي بوزيد يخرج عن نطاق حسن ادارة مرفق العدالة ليتصل بتوظيف هذا المرفق لتحقيق انفراج في حالة الاحتقان السياسي التي تسود البلاد.
توجهت وزارة العدل في اطار مراجعتها للخريطة القضائية التونسية الى استحداث محكمة استئناف بولاية القصرين يشمل مرجع نظرها المحكمتين الابتدائيتين بالقصرين وسيدي بوزيد وقد صدر عن رئيس الحكومة التونسية بتاريخ 28 ماي 2013 الامر عدد 2222 لسنة 2013 الذي أوجد فعلا المحكمة الجديدة. وكان ينتظر أن ترحب الاسرة القضائية الموسعة بمنطقة الوسط الغربي التونسي بالمحكمة الجديدة غير أن المحامين المنتصبين بولاية سيدي بوزيد كان لهم رأي مخالف بعد ان اعتبروا ان مدينتهم كانت الاجدر باحتضان مقر محكمة الاستئناف وذلك لاعتبارات جغرافية واخرى تتعلق بالرمزية التاريخية والتي تتمثل اساسا في الاعتراف بالجميل لمحامي سيدي بوزيد بدورهم في إطلاق أول شرارات الثورة التونسية. وحاول محامو سيدي بوزيد الذين تلقوا دعما معنويا من عمادة المحامين ان يمارسوا تحركات احتجاجية لإجبار الحكومة على مراجعة قرارها. وأثمر ضغط المحامين لقاء بتاريخ 18 جويلية 2013 جمع عميد المحامين برئيس الحكومة وأثمر اللقاء على تسوية قوامها ان يتم التراجع عن الحاق محكمة سيدي بوزيد الابتدائية بمحكمة استئناف القصرين على ان يتم في المستقبل البعيد وفي إطار مراجعة شاملة للخريطة القضائية التونسية النظر في بعث محكمة استئناف بسيدي بوزيد. لم ترضخ الحكومة لمطالبات محامي سيدي بوزيد عند اعتصامهم وتولت لاحقا في تحرك اتى ليسجل تراجعها عن مواقفها الجازمة السابقة الاستجابة بشكل غير مشروط لطلب بعث محكمة استئناف بالمنطقة. كان القرار سريعا ومفاجئا بشكل يصعب معه التصديق باستناده على معطيات موضوعية خصوصا وان المعطيات الاحصائية لا يمكنها باي حال ان تبرر تخصيص محكمة استئناف بنظر القضايا التي تستأنف عن المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد.
تبدو الاستجابة الرسمية لمطالبات محامي سيدي بوزيد على علاقة وثيقة بالتطورات التي شهدتها الساحة التونسية في الفترة التي فصلت بين موقف رئيس الحكومة الذي سجل تمسكا بضرورة ان تتم مراجعة موضوعية للخريطة القضائية مستقبلا قبل كل حديث عن بعث محكمة استئناف جديدة وتاريخ القرار المعلن عنه. ويتمثل الحدث المؤثر في القرار الصادر أساسا في الآثار التي تولدت جراء ردود الفعل السياسية والشعبية إثر اغتيال الناشط السياسي الاستاذ محمد البراهمي بتاريخ 25/07/2013.
كان لاغتيال عضو المجلس الوطني التأسيسي والناشط السياسي المعارض محمد البراهمي أثر هام على الساحة السياسية التونسية، اذ أدى الحدث الى انقسام في الساحة السياسية بين معارضة ترفض مواصلة المسار الانتقالي بآلياته القائمة وتدعو لحكومة انقاذ وطني وموالاة تعتبر ان التمسك بالشرعية والمؤسسات وحده يضمن النجاح في الانتقال الديموقراطي. وكان ان دخلت عديد المنظمات المهنية والنقابية في صورة المشهد كأطراف ساندت أحد الشقين. كما تنافست المعارضة والحكومة على ابراز التأييد الشعبي لمطالبها سواء بساحات العاصمة او بالجهات الداخلية.
يبدو ان السعي لاستقطاب المنظمات الوطنية واسترضاء الجهات والمناطق كان كلمة السر في القرار الطارئ فالهيئة الوطنية للمحامين ابدت خلال الازمة السياسية مواقف مالت الى مواقف المعارضة اذ ساندت المطالبة بحل الحكومة وتولت بوصفها احدى المنظمات الراعية للحوار الوطني التصريح بتعليقه احتجاجا على التقصير الحكومي في التعاطي مع الاستحقاق الامني. ويكون القبول من الحكومة بمطالباتها ببعث محكمة استئناف بسيدي بوزيد هدية تقدمها الحكومة للمنظمة المهنية بغاية استرضائها وكسب موالاتها.  اما منطقة سيدي بوزيد فان انتماء الشهيد محمد البراهمي اليها على اعتبار انها مسقط رأسه والجهة التي يمثلها بالمجلس الوطني التأسيسي وحالة الغضب التي شملتها بعد استشهاده وسعي اطراف بها محسوبة على المعارضة للانقلاب التام على السلطة السياسية المركزية بها باستبعاد ممثليها المحليين ومحاولة تنصيب غيرهم. يمكن أن يقرأ كمحاولة لاسترضاء اهالي سيدي بوزيد ونخبها لغاية ضمان ولائهم للحكومة القائمة ونزع حالة الاحتقان التي ميزت ردود فعلهم.
اعلنت الحكومة التي تجد صعوبات في تخصيص الموارد المالية اللازمة لتعهد مقرات المحاكم وتحسينها الاعلان عن بعث محكمة استئناف بسيدي بوزيد تدل المؤشرات على ان مرجع نظرها المحدود سيحولها الى ما يشبه حالة البطالة. وسيؤدي بعث محكمتي الاستئناف بسيدي بوزيد والقصرين مع عدم اعتبار ضرورات العمل ومصلحة تسيير المرفق العام الى اثقال كاهل المجموعة الوطنية بمصاريف تسيير تبدو في غنى عنها وستؤدي مستقبلا لمنع اجراء مراجعة حقيقية للخريطة القضائية بعد ان اضحت الترضيات احدى معايير الاحداث للمحاكم لا ضرورات حسن سير المرفق العام. كانت العدالة كمرفق اداري موضوع مبادرات سياسية تولت الحكومة تقديمها لاستمالة معارضيها فكان الربط بين القضاء كمرفق والشأن السياسي عنوانا لتنازلات قد تكشف عن حقيقة تصور العلاقة بين السياسي ومرفق القضاء بعيدا عن شعارات الاستقلالية وحيادية الادارة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية