انتهاك صارخ لمبدأ عدم الاعادة القسرية: الأردن يبعد 800 لاجئا سودانيا


2015-12-18    |   

انتهاك صارخ لمبدأ عدم الاعادة القسرية: الأردن يبعد 800 لاجئا سودانيا

في الوقت الذي قام فيه رئيس الوزراء الكندي شخصيا باستقبال اللاجئين السورين والاطمئنان على احوالهم، بدأت السلطات الأردنية فجر يوم الاربعاء الموافق 16 كانون 2015 بعمليات إبعاد 800 سوداني تم الاعتراف بمعظمهم كلاجئين من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فيما يتمتع البقية بصفة طالبي لجوء. وتعد هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها السلطات الاردنية إلى الابعاد الجماعي القسريمنذ أن بدأت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين العمل في الاردن عام 1991، باستثناء بعض الحالات الفردية التي تم رصدها من قبل منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان أو تحقيقات صحفية محلية.

بداية ازمة السودانيين في الاردن

بحسب ارقام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في عمان، هناك ما يقارب 4000 لاجئ سوادني في الاردن اغلبهم من منطقة دارفور. وفي منتصف شهر تشرين الاول 2015 قرر 800 من هؤلاء السوادنيين الاعتصام أمام مقر المفوضية بعمان للمطالبة بان يتم إعادة توطينهم في دولة أخرى اسوة بغيرهم من اللاجئين الذين يحملون جنسيات اخرى. و بقي هؤلاء اللاجئين في مكان الاعتصام بالرغم من الظروف الجوية القاسية إلى ان تم البدء بعملية الابعاد، وقد تمت الاستعانة بالشرطة النسائية لابعاد النساء السودانيات.

المركز القانوني للاجئ في الاردن

كما هي الحال بالنسبة لأغلب الدول العربية، ليس لدى الأردن تشريع خاص. إلا أن الدستور نص في المادة 21/1 على أن "لا يسلم اللاجئون السياسيون بسبب مبادئهم السياسية او دفاعهم عن الحرية"، اما قانون الاقامة وشؤون الاجانب فقد أشار في بعض نصوصه إلى التعامل مع اللاجئين مثل منحهم وثائق سفر، اعفائهم من عقوبة الدخول إلى الأردن بطريقة غير قانونية، إلا ان هذه النصوص غير مفعلة على أرض الواقع.
في العام 1998، وقعت الحكومة الاردنية مذكرة تفاهم مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تم بموجبها تبني تعريف اللاجئ بحسب ما ورد في اتفاقية 1951 الخاصة بالمركز القانوني للاجئ، التأكيد على مبدأ عدم الاعادة القسرية ومنح اللاجئ مجموعة من الحقوق مثل اللجوء إلى القضاء، الحريات الدينية والعمل بحسب ما تسمح به التشريعات الوطنية.

ويقوم مكتب المفوضية في عمان بدراسة طلبات اللجوء المقدمة من الأجانب في الأردن والبت فيها لتحديد من يستحق صفة اللجوء.  وعند منح صفة اللجوء، تلتزم المفوضية بالعمل على إيجاد حل دائم لمشكلة للاجئ المعترف به، إما بالعودة الطوعية لبلده الأم أو بإعادة توطينه في بلدٍ ثالث، على أن لا تزيد إقامته في الأردن على ستة أشهر وذلك وفقاً لأحكام المادة (5) من مذكرة التفاهم. تم تعديل هذه المدة في العام 2014 لتصبح سنة كاملة.
وسندا للمادة 4 من مذكرة التفاهم، على ملتمسي اللجوء واللاجئين المعترف بهم عدم القيام بأية نشاطات تخل بالأمن أو تسبب الإحراج في العلاقات بين الأردن والدول الأخرى، والإدلاء بأية أحاديث لوسائل الإعلام، وفي حال مخالفتهم ذلك، يعمل مكتب المفوضية على تأمين دخولهم لدولة ثالثة.

الإبعاد في القانون الاردني

بحسب المادة 37 من قانون الاقامة وشؤون الاجانب، لوزير الداخلية بتنسيب من مدير الأمن العام حق إبعاد الأجانب وله أن يأمر بتوقيف من تقرر إبعاده مؤقتاً حتى تتم إجراءات الإبعاد ولا يسمح للأجنبي الذي سبق إبعاده بالعودة الى أراضي الاردن إلا بإذن خاص من الوزير.ويتمتع أن وزير الداخلية بسلطة تقديرية مطلقة لا يحدها إلا عدم التعسف باستعمالها (عدل عليا 233/1997). ولم يلزم القانون وزير الداخلية أو الجهة التي يفوضها هذا الاختصاص بتبيان الأسباب التي دعته إلى إبعاد الأجنبي. ويستفاد من أحكام القضاء الإداري الأردني أنه غالباً ما يكون تنسيب الجهة المختصة بالإبعاد مستنداً إلى الحفاظ على مقتضيات الأمن والسلامة والآداب العامة. ويبدو انه تم اللجوء إلى هذه المادة لابعاد السودانيين دون مراعاة وضعهم القانوني الخاص كونهم لاجئين أو طالبي لجوء.

يحق لمن صدر بحقه قرار الابعاد أن يطعن به امام القضاء الاداري، إلا ان الآلية التي يصدر بها القرار والطريقة التي ينفذ بها لا تترك المجال للمتضرر أن يمارس حقه بالطعن أمام المحكمة الادارية.
قرار الابعاد الذي صدر بحق السوادنيين يُشكل مخالفة لما يلي:

·         نص المادة 21 من الدستور التي حظرت تسليم اللاجئين السياسين مذكرة التفاهم الموقعة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين
·         اتفاقية مناهضة التعذيب لسنة 1984 التي صادق عليها الاردن، حيث تنص المادة 3 من هذه الاتفاقية على لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أي شخص أو أن تعيده ("أن ترده") أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب.  وتراعى السلطات المختصة لتحديد ما إذا كانت هذه الأسباب متوافرة، جميع الاعتبارات ذات الصلة، بما في ذلك، في حالة الانطباق، وجود نمط ثابت من الانتهاكات الفادحة أو الصارخة أو الجماعية لحقوق الإنسان في الدولة المعنية.

موقف الحكومة الأردنية

بحسب وزير الدولة لشؤون الاعلام، د. محمد المومني، ان ترحيل السودانيين الـ800 تم بعد رفض منحهم صفة اللجوء من قبل الامم المتحدة. موضحا ان اغلب هؤلاء السودانيين جاؤوا الى الاردن لغايات تلقي العلاج، لكنهم طالبوا بعدها بمنحهم صفة اللجوء في الاردن، إلا ان ذلك لا ينطبق عليهم حيث انهم جاءوا للعلاج وان المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة لم تعطهم صفة اللجوء".كما افادت مصادر رسمية أن وزير الداخلية، سلامة حماد، نسق مع نظيره السوداني عند البدء بعملية ابعاد السودانيين.

وفي واقع الأمر تصريحات الحكومة تتناقض مع تصريحات المفوضية التي اشارت صراحة انهم لاجئون وطالبو لجوء، كما ان مغادرة الشخص لتلقي العلاج لا ينتقص من حقه في طلب اللجوء بأي شكل من الاشكال.

موقف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين

عبرت المفوضية عن قلقها العميق إزاء عملية الابعاد الجماعي التي تقوم بها السلطات الاردنية وانها تتعارض مع مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي، كما دعت الحكومة للتراجع عن هذا القرار.

مبدأ عدم الاعادة القسرية على الصعيد الدولي

يعتبر مبدأ عدم الإعادة إلى دولة الاضطهاد من المبادئ الأساسية في قانون اللجوء، فهو الضمانة الأساسية التي تحمي الشخص من الوقوع في أيدي الجهات التي تحاول اضطهاده. وإذا لم يكن هناك التزام على الدولة بمنح الملجأ، فقد ألزمها القانون الدولي بعدم اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يعيد الشخص إلى دولة قد تتعرض فيها حياته أو حريته للتهديد بسبب عرقه، ديانته، جنسيته، انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة، أو رأيه السياسي؛ لذلك يمكن القول بأن هذا المبدأ من أهم الانتصارات التي حققها القانون الدولي في مجال الحماية الدولية وحقوق الإنسان. ونظراً لكون طالب اللجوء لاجئاً محتملاً، فلا بد أن يستفيد من هذا المبدأ إلى أن يتم البت في طلبه.

يمكن حصر المعاهدات الدولية التي تناولت مبدأ عدم الإعادة بثلاث فئات؛ الاتفاقيات المتعلقة بحماية اللاجئين[1]، اتفاقيات التسليم[2]، والاتفاقيات المعنية بحقوق الإنسان[3]. وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقيات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان تناولت هذا المبدأ على نحو مطلق بدون أي استثناءات أو قيود، ولم تترك مجالاً للدول التنصل من هذا الالتزام بخلاف الحال في اتفاقية 1951 حيث سمحت المادة 32 بطرد اللاجئ لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام مع منحه مهلة معقولة ليلتمس خلالها قبوله بصورة قانونية في بلد آخر.
وعلى الصعيد العربي، أكد إعلان القاهرة حول حماية اللاجئين والنازحين في العالم العربي لسنة 1992 من خلال المادة (2) على أهمية مبدأ عدم رد اللاجئ على الحدود أو إعادته قسراً إلى البلد الذي يخشى فيه على حياته أو حريته باعتبار هذا المبدأ من القواعد الآمرة في القانون الدولي العام. ووفقاً للمادة (53) من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات القاعدة الآمرة هي "تلك المقبولة و المعترف بها من قبل جماعة الدول في مجموعها كقاعدة لا يجوز الإخلال بها و لا يمكن تغييرها إلا بقاعدة لاحقة من قواعد القانون الدولي العامة لها ذات الصفة". والمثير للاستغراب أن الاتفاقية العربية لتنظيم أوضاع اللاجئين في الدول العربية قد خلت من هذا المبدأ، و اكتفت بالإشارة إلى موضوع عدم الطرد من خلال المادة (8).

وبالرغم من الجدل الذي مازال قائماً حول طبيعة هذا المبدأ إلا أنه يمكن القول – وخاصة إذا ما أخذنا هذا المبدأ بالمفهوم الشمولي المتجسد من خلال كافة الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان – بوجود عرف يقضي باحترام مبدأ عدم الإعادة، و إن كان هناك بعض الانتهاكات لهذا المبدأ. إلا أن الدول كانت دائما تبرر هذا الانتهاك باللجوء إلى حجج وأسانيد قانونية، كأن تقول بأن الأجانب الذين شملتهم إجراءات الأبعاد ليسوا من اللاجئين، أو أنهم يشكلون خطراً على أمنها الداخلي، فلو لم تقتنع الدول بهذه القيمة القانونية للمبدأ لما اضطرت لتبرير أعمالها.

ليست المرة الاولى للسودانيين

في العام 2004، قامت السلطات المصرية بابعاد ما يقارب 700 سوداني كانوا قد اعتصموا امام مقر المفوضية السامية بالمهندسين مطالبين باعادة توطنيهم لدولة ثالثة، واسفر عن عملية فض الاعتصام مقتل 27 سودنيا. وقد سبق هذه الاحداث اعتصام لما يقارب 3500 لاجئ سوداني بميدان رئيسي قرب مقر المفوضية بالمهندسين لنحو ثلاثة أشهر مطالبين بإعادة توطينهم لدى الدول الغربية.

وواقع الأمر ان اللاجئين السودانيين المتواجدين في المنطقة العربية يشعرون بالاحباط، لأن فرصهم باعادة التوطين نادرة ان لم تكن معدومة. و السبب الرئيسي في ذلك ان الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تفضل توطين لاجئين من جنسيات اخرى مثل العراقيين والسورين على اعتبار انهم اكثر تعلما وقدرة على الاندماج في مجتمعات الدول المضيفة. وفي نهاية الأمر سيشكل هذا الموضوع تحديا كبيرا امام المفوضية لأنها لا تستطيع إجبار الدول التي تستقبل اللاجئين بقبولهم ضمن برامجهم لاعادة التوطين، وفي الوقت نفسه سيكون لدى المفوضية اعداد كبيرة من اللاجئين غير قادرة على توطنيهم و بذلك ستخالف مذكرات التفاهم أو الترتيبات لدى الدول المعنية التي تنص على إعادة توطين هؤلاء اللاجئين ضمن فترة زمنية محددة. 
 



[1]المادة 33 من اتفاقية 1951 و كذلك المادة 2/3 من الاتفاقية الإفريقية.
[2]أنظر على سبيل المثال المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية للتسليم لسنة 1957.
[3]أنظر على سبيل المثال المادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب و المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان.
انشر المقال

متوفر من خلال:

لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات ، الأردن



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية