مقتل باسكال سليمان يعتق فزّاعات الكراهية ضدّ السوريّين في لبنان


2024-04-13    |   

مقتل باسكال سليمان يعتق فزّاعات الكراهية ضدّ السوريّين في لبنان
قطع طرقات بعد إعلان مقتل سليمان

حلّ صباح الجمعة 12 نيسان 2024 مشحونا بتداعيات الأيام الخمسة السابقة، وتحديدًا منذ لحظة اختفاء منسّق حزب القوات اللبنانية في جبيل باسكال سليمان مساء الأحد 7 نيسان الجاري. من بعدها، أعلن الجيش اللبناني يوم الإثنين 8 نيسان “مقتله على يد الخاطفين أثناء محاولتهم سرقة سيارته في منطقة جبيل، وأنهم نقلوا جثته إلى سوريا”. وقد تمكنت بعدئذ مديرية المخابرات في الجيش “من توقيف معظم أعضاء العصابة السوريين المشاركين في عملية الخطف”، وصولًا إلى تشييعه اليوم في جبيل ومن ثمّ مواراته في الثرى في مدافن كنيسة سيدة إيليج في ميفوق. 

وعلى إثر بيان الجيش اللبناني وتأكيد مقتل سليمان، أقفل مناصرو حزب القوات اللبنانية الطرقات الرئيسية في جبيل والبترون وزوق مكايل وغيرها، ووثّقت وسائل التواصل الاجتماعي ومنظمات حقوقية مناصرة للاجئين اعتداءات على لاجئين سوريين في لبنان، ومن بينها تسجيل فيديوهيْن يوثّقان بالصوت والصورة  شبّانًا بضربون شابّين سورييْن ويركلُاهما على رأسيهما، فضلًا عن سحلهما، في زوق مكايل وطبرجا. وكان أحد هذين العاملين يحمل حاجيات أطفاله أثناء عودته عشية عيد الفطر من عمله. فضلًا عن ذلك، أثار انتشار فيديو لشبّان من برج حمود، الأربعاء الماضي، يجوبون طرقاتها وأزقتها على الدراجات النارية وهم يمهلون اللاجئين السوريين في المنطقة لغاية أمس الجمعة لإخلاء محلاتهم وشققهم وغرفهم المستأجرة ومغادرة المنطقة تحت طائلة المسؤولية “وقد أعذر من أنذر”، ذعرًا كبيرًا بين السكان من السوريين الذين غادر بعضهم المنطقة مؤقتًا ريثما تتوضّح الأمور.

ومع التحرّكات في الشوارع وعلى الطرقات الرئيسية التي تربط المدن والمناطق اللبنانية بعضها ببعض، أصدرتْ بلديّات عدة، من بينها بلديّات لحفد والعقيبة وجونيه وسدّ البوشرية بيانات وقرارات تعيد “المعزوفة” القديمة المتجدّدة مع كل حادثة، لتمنع تجوّل اللاجئين السوريين بين السادسة مساء والسادسة صباحًا، ومدّد بعضها هذا الحظر لغاية الساعة 11 صباحًا. وعُلّقت في بعض المناطق منشورات غير رسمية تحمل توقيع “أهالي البلدة”، كما حصل في سد البوشرية وعين الرمانة والأشرفية وغيرها، تأمر سكان المنطقة من السوريين بالإخلاء الجمعة، ودائمًا تحت طائلة المسؤولية ومذيّلة بعبارة “وقد أعذر من أنذر”. وكذلك مُنع السوريون من التجوّل في مناطق المتن وكسروان وجبيل والبترون والبقاع الغربي وغيرها من المناطق بعد مقتل سليمان، وصولًا إلى يوم الجمعة، موعد تشييع الراحل ومواراته الثرى، بتوجيهات من الأجهزة الأمنية والعسكرية، كخطوة احترازيّة تجنبًا لتدهور الأوضاع. كما عادت البلديات وأكدت على المؤسسات التجارية وأصحاب المصالح كل في نطاقها على عدم تشغيل أيّ شخص سوري لا يحمل إقامة نظاميّة وإجازة عمل تخوّله العمل في لبنان، طالبة من عناصرها البلدية التدقيق في امتلاك سائقي السيارات والدراجات النارية أورقًا نظامية تثبت ملكيتها وتسجيلها وكل الإجراءات القانونية الأخرى، مشيرةً إلى منع تملّك أي أجنبي سيارة أو استئجار منزل أو العمل من دون أوراق نظامية.

كما تأكّدت “المفكرة” من رحيل نحو 30 عائلة سورية على الأقل من منطقة كفرحلدا في جرد البترون يعمل أفرادها في أراضي البلدة الزراعية وخصوصًا في الخيم البلاستيكية، ولم نتمكّن من التحقق ممّا إذا كانت العائلات قد تمّ ترحيلها أم أنّها تركت المنطقة طوعًا. ولكن الثابت أنّ أحد ملّاك شقق مستأجرة من قبل 5 عائلات سورية طلب منها إخلاء المأجور، فغادرت كفرحلدا إلى جهة مجهولة.  

وإلى جانب الاعتداءات على اللاجئين السوريين في أكثر من منطقة، سرتْ معلومات عن مقتل شابيّن سوريين الأول في بلدة الدكوانة طعنًا بالسكّين، والثاني في منطقة الدّورة إثر إصابته بنزيف بعد ضرب مبرح تعرّض له. إلّا أنّ مصدرًا أمنيًا نفى لـ “المفكرة” حصول عمليات قتل: “القصة بقيت في إطار الاعتداء بالضرب”، وكذلك فعل رئيس بلدية الدكوانة أنطوان شختورة في اتصال مع “المفكرة”.     

السوريون يتركون فراغًا كبيرًا في برج حمود

احتلّتْ منطقة برج حمود صباح الجمعة 8 نيسان رأس لائحة البلدات المتأثرة بمنع تجوّل السوريين المقيمين فيها والذين يقدر عددهم بنحو 50 ألفًا، ما نسبته 45% من السكان، وفق تقرير أعدته محطة MTV خلال توثيقها رحيل بعض العائلات السورية من منطقة سن الفيل، خلال مهلة الإخلاء التي أعطيت لهم.  

وفي جولة لـ “المفكرة” في المنطقة، بدتْ الحركة في الشوارع خجولة وهادئة نسبة لنهارات برج حمود وصخبها وازدحامها، فيما أقفلت محلات كثيرة أبوابها وخصوصًا تلك العائدة إلى سوريين، حيث لا تقلّ نسبتها عن 40% من محلات المنطقة، وفق ما أكّده أحد التجّار لـ “المفكرة”. وقسّم التاجر هذه المحلات بين مصالح يملكها سوريون مباشرة وبين أخرى يتمّ افتتاحها باسم لبنانيين بينما أصحابها سوريون في الواقع. وكذلك أقفلت بعض المحلات اللبنانية أبوابها لأنّ جميع عمّالها من السوريين، ولم يتمكّن العمال والعاملات السوريين من مغادرة منازلهم إلى أعمالهم خارج برج حمود خوفًا من تعرّضهم لأيّ اعتداءات. كما أكّد لـ “المفكرة” فتى سوري لا يتجاوز 13 عامًا يعمل في مطعم لبيع الفلافل “أنا المعلّم جابني معه وهو رح يردّني ع البيت بعد الشغل وهو حاميني”. وأكد الفتى أنّ والده لم يذهب إلى عمله منذ أربعة أيام، وأنّ جارتهم اللبنانية هي من تشتري حاجيات الأسرة لأنّ والدته لا تجرؤ هي الأخرى على الخروج. وقال شهود في المنطقة لـ “المفكرة” إنّهم شاهدوا حوادث ضرب لنساء سوريات أيضًا وليس فقط للّرجال والشبان. كما أشار أحد شبّان المنطقة في حديث مع “المفكرة” إلى تعرّض شبّان من عكار للضرب في منطقة الدورة بعدما ظنّ المعتدون أنّهم سوريون قبل أن يصرخوا: “نحن لبنانيي، نحن لبنانيي متلكم”.

من جهته يخفّف اللاجئ السوري أحمد في اتصال مع “المفكرة” ممّا يحدث ليقول: “صحيح صار حاليًا تهديد بالإخلاء واعتداءات بالضرب بس بعده الوضع أفضل من حادثة تشرين الأول العام الماضي حين اندلع إشكال كبير بين سكان منطقة الدورة – برج حمود وبين السوريين في المنطقة إثر نشوب خلاف بين شخصين لبنانيين استعان أحدهما بعمّاله السوريين وتوسّع الإشكال بين الفريقين: “يعني ما حدا فات ع بيوتنا متل السنة الماضية”. ويؤكد أحمد أنّ نادي الأرمن في برج حمود أبلغ بعض السوريين أنّ لا علاقة له بالشبان الذين اعتدوا على السوريين في البلدة، وأنّ جيرانه سألوه إذا كان يحتاج إلى أي مساعدة وكذلك فعل صاحب الشقة التي يؤجرها. وأشار أحمد إلى تمكّن بعض السوريين من الخروج إلى وظائفهم بسبب تدخّل أصحاب العمل. ويروي لنا أحمد أنّ صاحب أحد مطاعم البسطرما والسجق في برج حمود توجّه للشبان الذين أنذروا السوريين “بدكم تاكلوا بسطرما وسجق أو ما بدكم؟”، وعليه، “ظبط الموضوع معهم وجاب الموظفين السوريين عنده ع الشغل”. 

لكن حال أحمد لا تنسحب على كلّ السوريين في المنطقة، إذا تنقل محامية تقدّم الدعم القانوني للسوريين، لـ “المفكرة”، حال الرعب التي عاشها عدد من هؤلاء نتيجة التهديدات التي تلقوها: “انهالت عليّ الاتصالات من عدد من المقيمين في برج حمود وفرن الشباك والرميل يسألونني “ماذا نفعل؟ هل نذهب أم نبقى؟ هل سوف يدخلون إلى بيوتنا؟ إذا بقينا ويقتلوننا؟ وإذا ذهبنا، هل سوف يعتدون علينا في الشارع؟ وإلى أين نذهب؟”

وتصف الأيام الأخيرة بأنّها “كانت صعبة جدًا عليهم، بخاصّة بالنسبة للاجئين كونه لا يمكنهم العودة إلى سوريا”. وتقول إنّ السوريين المقيمين في هذه المناطق “اضطرّوا لاتخاذ قرارات صعبة خلال الأيام الماضية، منهم من قرّر أن “يتهجّر” مجددًا، حيث سبق وتهجّروا من مناطق أخرى، فانتقلوا للسكن في أماكن أخرى اعتبروها أكثر أمانًا لهم بانتظار تهدئة الأمور، ومنهم من قرر البقاء في منزله بعد أن تشاور مع أصحاب الملك والجيران، لكنه لم ينم كلّ الليل خوفًا من اقتحام منزله في أي لحظة”.

ومما يفاقم مخاوف بعض اللاجئين السوريين هو التغيُّر الذي لحظته المحامية نفسها في معايير ترحيلهم “إذ تم ترحيل لاجئين سوريين من قبل الأمن العام لعدم حيازتهم على اقامة، وذلك برغم حيازتهم بطاقات لجوء صادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة”.

في المقابل يأمل بعض السوريين، ومن بينهم أحمد، أنّ الأمور ستهدأ قريبًا، مُبدين ارتياحهم إلى بيان بلدية برج حمود الذي وصفوه بـ “المطمئن”. واستعملت البلدية لهجة قاسية في بيانها تجاه من أسمتهم “حفنة من الانتهازيين”، قاموا “بإثارة النعرات الطائفية والعنصرية، مستهدفين الناس الأبرياء بسبب انتمائهم الديني أو عرقهم أو جنسيتهم أو غيرها”. وطالبت البلدية الأجهزة الأمنية، وخصوصًا الأمن والقضاء، التحرّك فورًا وبحزم لوضع حدّ لهذا الاستيلاء السافر على صلاحيات السلطات، وتجاوز القوانين، وانتهاك الحقوق الإنسانية والدستورية، إلى جانب التحريض وإثارة النعرات”.

وبعدما استنكرت الجرائم التي اقتُرفت وقدّمت التعزية إلى ذوي الضحايا، مؤيّدة مطالبهم باحقاق الحق والعدالة، ناشدت البلدية أهالي برج حمود والمقيمين “ضبط النفس والامتناع عن ردود الفعل إزاء حملات التحريض والشغب التي تستهدف  الأبرياء والمناطق الآمنة”.  

يذكر أنّه برغم وجود فيديوهات توثق الاعتداءات والتهديدات التي طالت السوريين بالصوت والصورة إلّا أنّ القوى الأمنية لم تلاحق أيًا من الفاعلين بسبب “عدم تقدم أي شخص بشكوى”، وفق ما أوضح مصدر أمني لـ “المفكرة”. كما أنّ البلديات تعتبر أنّ ضبط الأمن هو مسؤولية الأجهزة الأمنية وليس عناصرها.

وإثر انتشار فيديوهات الاعتداء على سوريين، أصدرتْ الدائرة الإعلامية في القوات اللبنانية بيانًا استنكرت فيه “الهجمات الهمجية” التي تعرّض لها بعض السوريين، معتبرة أنّ هذه “التصرفات التي نراها على بعض مواقع التواصل وبعض الممارسات التي نشهدها على الأرض مرفوضة من جهة، ومريبة في الشكل والمضمون والتوقيت من جهة أخرى”. وبدأت القوّات بيانها بالتأكيد على أنّها “نادت وما زالت منذ اللحظة الأولى بوجوب عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، خصوصا أنّ الأمن في سوريا استتبّ، وبإمكان جماعة النظام ومعارضيهم العودة إلى المناطق العائدة للنظام والمعارضة، وبالتالي لا حجة إطلاقًا لاستمرارهم في لبنان”. إلّا أنّ البيان أردف: “المطالبة بعودة اللاجئين السوريين أصبحتْ أكثر إلحاحا، بعدما أصبح واضحا حجم عدد الأعمال الإجرامية والمخلّة بالأمن التي يقوم بها البعض منهم”، مشدّدًا “في الوقت نفسه على أن المطالبة بعودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم شيء، والتصرف بحقد وهمجية شيء آخر مختلف تماما”. ويلحظ على الهامش أنّ البيان استخدم مفهوم “اللاجئين” وليس مفهوم “النازحين” المستخدم رسميًا للإشارة إلى السوريين المقيمين في لبنان. 

التخبّط الرسمي نفسه

ولا يمكن فصل ما حصل مع المواطنين السوريين المقيمين في لبنان عن سياق التخبّط الرسمي اللبناني في التعامل مع تداعيات الأزمة السورية على لبنان الذي يفتقر منذ العام 2011 إلى استراتيجية رسمية مدروسة تضع أطرا واضحة ومنطقية وحقوقية للتعامل مع ملف اللجوء السوري، فيما يتفاقم خطاب الكراهية والعنصرية على المستويين الرسمي والشعبي تجاه السوريين الذي يحمّلون أزمات البلاد على المستويات كافة.

وتأتي تصريحات المسؤولين اللبنانيين إثر جريمة مقتل سليمان لتؤشر إلى هذا التخبّط وسط الحديث عن وجود 800 ألف لاجئ سوري مسجّل لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ووجود ما مجموعه 2.2 مليون مواطن سوري في لبنان (من بينهم المسجلّون)، وفق ما كشف وزير المهجرين عصام شرف الدين عصر اليوم الجمعة، يفتقر معظمهم إلى الأوراق النظامية. وقبل 4 أيام حذّر شرف الدين أيضاً، وفي تصريح لوكالة سبوتنيك الروسية، من “وجود 20 ألف مسلّح داخل مخيمات النازحين السوريين ينتظرون ينتظرون ساعة الصفر”.

وكذلك تحدث وزير الداخلية بسام الموسوي عن “وجود خطر من النزوح السوري”، مشيرًا إلى أنّ نسبة الموقوفين في السجون بلغت 35 في المئة من السجناء، معتبرًا أنّ “الوجود السوري بهذه الطريقة غير مقبول ولا يتحمّله لبنان وينبغي الحدّ منه بطريقة واضحة”. ودعا المولوي البلديات إلى تطبيق التعاميم التي تتعلق بعدم إسكان وتأجير سوريين لا يتمتعون بأوراق نظامية والتدقيق في مستنداتهم الشخصية والأعمال التي يمارسونها وكذلك مقتنياتهم من دراجات نارية وسيارات، مؤكدًا على مسؤولية المواطنين أيضًا في تأجير المنازل والاستعانة بهم كعمال، طالبًا من الكتاب العدول التدقيق أيضا في العقود المبرمة مع سوريين.

من جهته، أعاد وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور الحجّار وصفه للوجود السوري في لبنان بـ “القنبلة الموقوتة”، لافتًا في حديث لـ”تلفزيون لبنان”، إلى أنّ “ما من قرار لدى الحكومة حول توقيت فكفكة قنبلة النزوح علماً أنّ القضية لا تتحمّل المماطلة”، موضحًا أنّ “هناك خطّة لاستبدال الشعب اللبناني بالشعب السوري وفي كل المناطق اللبنانية”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، حرية التنقل ، فئات مهمشة ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني