المتهمان بإشعال تفجير التليل ينفيان مسؤوليتهما والمجلس العدلي يقرّر الاستماع للشهود


2023-10-01    |   

المتهمان بإشعال تفجير التليل ينفيان مسؤوليتهما والمجلس العدلي يقرّر الاستماع للشهود

 

ناقض المتهمان الرئيسيان في جريمة تفجير خزّان البنزين الذي وقع في 15 آب 2021 في بلدة التليل العكّارية في جلسة استجوابهما الجمعة 29 أيلول ما ورد في القرار الاتّهامي الذي أصدره المحقق العدلي علي عراجي. والجلسة عقدها المجلس العدلي، برئاسة القاضي سهيل عبّود وعضوية القضاة مايا ماجد، وجمال الحجّار، وجان مارك عويس وعفيف الحكيم، بحضور ممثلة النيابة العامّة التمييزية القاضية ميرنا كلّاس، وخصّصها لاستجواب المتهمين الرئيسيين في القضية، وهما ريتشارد إبراهيم المتهم بإعطاء الأمر بإشعال البنزين، وجرجي إبراهيم المتهم بتنفيذ الأمر. وقبل إرجاء الجلسة إلى 10 تشرين الثاني 2023 للاستماع إلى سبعة شهود، يكون المجلس قد أنهى الاستماع إلى جميع المتّهمين الموقوفين والأظنّاء، فيما لم يُبتّ بعد في طلب النيابة العامّة التمييزية الاستماع إلى العقيد في الجيش اللبناني ميلاد طعّوم. 

وهذه الجلسة الأولى بعد حلول الذكرى الثانية لوقوع التفجير وسط مطالبات أهالي الضحايا، الذين حضر بعضهم الجلسة، بالوصول إلى العدالة سريعًا في هذه القضية، بخاصّة بعد أن أرجأ المجلس العدلي آخر جلستين، مرّة بسبب مرض أحد أعضاء هيئة المجلس في حزيران، ومرّة لعدم سوق الموقوفين في تموز. وعلى المقاعد في قاعدة المحكمة، كان هناك حضور ملحوظ لعائلات الموقوفين الّذين جلسوا شمال القاعة، ويمينًا حضر بعض من أهالي ضحايا التفجير الّذين بدت على وجوههم علامات الأسف للتناقضات التي ظهرت في الإفادات. أمّا المتهمون الموقوفون الأربعة فحضروا مع وكلائهم، وهم ريتشارد ووالده جورج إبراهيم ووكيلهما المحامي صخر الهاشم، وجرجي إبراهيم ووكيله المحامي علي أشمر، وعلي الفرج ووكيلته المحامية جوسلين الراعي. كما حضر الأظنّاء الأربعة هويدي الأسعد، وباسل الأسعد، وبيار وكلود إبراهيم إلى جانب وكلائهم وهم تباعًا المحامون خليل حمّود، رولان سلامة وعلي أشمر، فيما حضر عن جهة الادعاء المحامون: النقيب محمد المراد، المحامية منال الكعكي بوكالتها عن المحامية زينة المصري، خضر العنان بوكالته عن المحامي شربل عرب وعبير الشيخ.

جرجي إبراهيم يتراجع عن أقواله الأوّلية: “أعطوني مخدرات”

المتهم بإشعال خزّان الوقود جرجي إبراهيم (مواليد عام 1958) تراجع عن أقواله السابقة التي نُسبت إليه في محاضر التحقيق لدى الشرطة العسكريّة وكذلك أمام قاضي التحقيق العسكري فادي صوّان والتي ورد فيها اعترافه بإشعال خزّان البنزين بالناس المتجمهرين حوله. وهذه الإفادات كان قد تراجع جرجي عنها أمام المحقق العدلي القاضي علي عراجي (الذي توّلّى التحقيقات بعد إحالة القضية إلى المجلس العدلي في 08/10/2021)، من دون أن يرد في القرار الإتهامي أي تبرير لهذا التراجع. أما في جلسة أمس، فعزا جرجي سبب التراجع إلى أنّه لم يكن في وعيه التام “أعطوني مخدرات لدى الشرطة العسكرية لأنني كنت مُصابًا جرّاء التفجير، وما ورد في المحضر ليست أقوالي”، حسب ما أدلى به أمام هيئة المجلس العدلي. ثم رفع جانبًا من بنطاله ليُري الهيئة آثار الحروق التي أصابته جرّاء التفجير. والمفاجئ أنّ إفادة جرجي جاءت متناقضة مع الوقائع التي سردها القرار الاتهامي، إذ أشار خلال الجلسة إلى أنّه لم يرَ ريتشارد إبراهيم قبل التفجير. ومن جانبه  نفى ريتشارد أن يكون رأى جرجي قبل التفجير. إلّا أنّ ريتشارد قال إنّه تواجد على مقربة من العقيد في الجيش اللبناني ميلاد طعّوم، كما أفاد جرجي أيضًا أنّه تواجد على بعد مترين منه، لكنّ الإثنين أي ريتشارد وجرجي، أدليا بأنّهما لم يريا بعضهما البعض.

وتتناقض هذه الإفادة مع الوقائع التي عرضها القرار الاتهامي وإفادات الشهود التي أشارت إلى أنّه، بعد حصول إشكال بين عدد من المتظاهرين وجاك إبراهيم (قريب ريتشارد) وبدء المتظاهرين بتوجيه الشتائم لآل إبراهيم، توجّه ريتشارد إلى جرجي وأعطاه الولّاعة وقال له “خود القدّاحة واحرقهم ولاه”، فنفذّ جرجي طلبه مباشرةً. كما تناقضت إفادة جرجي مع اعترافه السابق بافتعال الحريق بخزّان الوقود بالولّاعة التي أخذها من ريتشارد. وردّ جرجي على ما قاله الشهود بأنّهم رأوه يهدد بإشعال النار وأنّه فعلًا أشعل البنزين بالناس قائلًا: “كلّه كذب، ودجل”. وعلى إثر التناقضات المتعددة في إفادة جرجي، ردّ القاضي الحجّار قائلًا: “بدّك تقول الحقيقة ولا لا”. كما سأله عن إفادته الأوّلية التي جاء فيها أنّه سمع إطلاق نار، فنفى جرجي أنّه أدلى بها، فردّ عليه القاضي الحجّار مستغربًا “كل مرة عم تقول شي”. 

ولدى سؤاله عن إفادته أمام قاضي التحقيق العسكري فادي صوّان بأنّه أشعل البنزين بالولّاعة قال جرجي “لم أقل ذلك، بل قلت أنّني لا أدخن لكنني أحمل ولّاعة لاستخدامها للإضاءة”. وسأله القاضي عبّود “برأيك كيف أُشعلت النار”، فأجاب: “ذلك يعود إلى الثوّار المتواجدين في المكان، ولو أنا الذي أشعلت النار لما تركتني القوى الأمنيّة بعد نقلي إلى المستشفى”. ولفت إلى أنّه أثناء وقوع التفجير أُصيب في قدميه، وأنّه لو كان هو من أشعل النار لكان أصيب في وجهه وصدره، وأنّه نُقل في سيارة للجيش اللبناني إلى المستشفى. وشرح أنّه “سمعت لاحقًا أنّ من أشعل النار هو من قرية عمارة البيكات”. وقال إنّه لم ير ابنه جاك حين تعرّض للضرب على عينه، إنّما “علمت بذلك بعد لقائنا في المستشفى”. 

جرجي تابع أنّه ورث عمله لدى جورج إبراهيم (صاحب البورة ووالد ريتشارد) في أواخر التسعينيات عن والده، وأوضح “لا أعرف ماهية علاقة جورج إبراهيم بعلي الفرج” (المتهم بتهريب البنزين واستخدام ثلاث خزانات وضعها في البورة العائدة لجورج)، مضيفًا: “أنا فقط أنفّذ الأوامر ‘خوذ هالنقلة، جيب هالنقلة'”. 

ريتشارد : رأيت علي الفرج يدخل ويخرج ولم أسأل عن وجهة نشاطه

ريتشارد (مواليد 2000) أكدّ على إفادته الأوّلية، وشرح أنّه يعمل مع والده جورج في تجارة البناء، وأنّه لم يعمل إطلاقًا بتجارة المحروقات. وعن علاقته بعلي الفرج، أكد ريتشارد أنّه لا يعرف علي ولا يعرف نوع العلاقة التي تجمعه بوالده جورج كما نفى علمه بوجهة استخدام الخزّانات. وأشار إلى أنّه طيلة فترة الثلاثة أشهر التي تواجدت فيها الخزانات في البورة كان يرى علي الفرج مع رجلين يدخلون ويخرجون من البورة، لكنّه لم يسأل عن غاية نشاطاتهم في البورة. وعن يوم السبت 14 آب 2021 الذي سبق وقوع التفجير، قال ريتشارد: “كنت أعمل على البيك آب ولم أتواجد في المنطقة لغاية الساعة 4:30 بعد الظهر، وبعد ذلك، تواجدت في البورة لغاية الساعة 9:30 مساءً”. وتابع: “خلال تواجدي في البورة كان هناك عدد كبير من الناس بالإضافة إلى عناصر الجيش”. وأكدّ ريتشارد أنّه رأى رئيس بلدية التليل جوزيف منصور الذي كان يتحدث إلى عناصر من الجيش وسمعه يحذرهم بأنّ ما يوجد في هذا المكان هو قنبلة موقوتة ومن غير الجائز إبقاؤها. استكمل القاضي عبّود الاستجواب وبينما كان يبتسم ريتشارد بين الحين والآخر وجّه إليه عبّود ملاحظة “لا يجوز التحدث عن هذا الموضوع باستهزاء والابتسام أثناء ذلك” وطلب منه أن يظهر اتزانًا في طريقة كلامه. 

تابع ريتشارد “غادرت المكان بين الساعة الثامنة والنصف والتاسعة مساءً للمشاركة في احتفال عيد السيدة، وعدت إلى المكان عند الساعة 12:00 ليلًا، ولم أتمكن من ركن السيارة أمام المنزل بسبب العدد الكبير من الناس، نحو 100 شخص أو أكثر ونحو 25 عنصرًا من الجيش، فركنتها في منتصف الطريق على بعد 200 متر وتابعت سيرًا”، وتواجد معه في تلك اللحظة ثلاثة من رفاقه. وتابع ريتشارد “حاولت الطلب من العناصر إنهاء ما يحدث، لكنّ العناصر أعلموني أنّ ذلك غير ممكن لوجود أوامر بتفريغ الخزّانات”. وتابع أنّ العقيد طعّوم الذي كان متواجدًا طيلة الوقت في البورة طلب من أحد العناصر كسر ماسورة الخزّان (السُّكر) فنفّذ الأمر، وسالت كمّيات من البنزين تحت الخزّان. كما أفاد ريتشارد أنّه شهد على إشكال حصل بين بعض الأشخاص المتواجدين في المكان، فتقدم قريبه جاك إبراهيم، وهو ابن جرجي إبراهيم، محاولًا فضّ الإشكال، فتلقى ضربة على عينه. وتابع ريتشارد “عندها قُلت للعقيد طعّوم إنّه لا يُمكن ترك الأمور على حالها وأنا بصدد الإتيان بالجرّافة لقلب الخزّان وإنهاء الأمر، لكن لم أحصل على أي رد منه. فتوجهت لجلب الجرّافة وسرت نحو 40 مترًا عندما وقع الانفجار”. وبمواجهته بإفادات الشهود التي أشارت إلى أنّ ريتشارد طلب من جرجي إشعال البنزين وسلّمه الولّاعة، أنكر ذلك قائلًا إنّه كلام غير صحيح. 

وبرز في إفادة ريتشارد بعض الإشارات إلى أداء عناصر الجيش اللبناني المتواجدين في المكان، إذ قال إنّ الجيش نظّم دخول الناس لتعبئة البنزين حيث كان يسمح لشخص بالدخول بعد خروج شخص قبله، لافتًا إلى تواجد العقيد ميلاد طعّوم طيلة تلك الفترة. كما أشار إلى أنّ “الجيش كان يمنع إشعال سجائر في المكان”. 

القرار الاتّهامي حصر الملفّ بالمدنيين

للتذكير، كان القرار الاتهامي الذي صدر عن المحقق العدلي علي عراجي في تاريخ 25 تمّوز 2022 بعد 11 شهرًا على التفجير، قد خلص إلى اتهام ريتشارد إبراهيم وجرجي إبراهيم بجناية الأعمال الإرهابية التي ترمي إلى إيجاد حالة رعب وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة وغيرها (المادة 314 من قانون العقوبات معطوفة على المادة السادسة من قانون الإرهاب الصادر في العام 1958)، وبجناية المادة 549 من قانون العقوبات التي تعاقب بالإعدام على القتل القصد “إذا وقع على موظف في أثناء ممارسته وظيفته أو في معرض ممارسته لها أو بسببها” (الفقرة الخامسة)، و”باستعمال المواد المتفجرة” (الفقرة السابعة).

كما اتّهم القرار كلًّا من جورج إبراهيم وعلي الفرج بجناية التسبّب بموت إنسان من غير قصد (المادة 550 من قانون العقوبات). وادعى بحقّ جورج إبراهيم وعلي الفرج والظنينين هويدي الأسعد وباسل الأسعد بجرائم التهرّب الضريبي (المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي رقم 156/1983) وأعمال الاحتكار (بموجب المادة 4 من المرسوم رقم 32/1967 المتعلق بمكافحة الاحتكار والغلاء) وتبييض الأموال (وفق القانون رقم 44/2015).

بالإضافة الى ذلك، ظنّ القرار بالمدّعى عليهم ريتشارد وجورج إبراهيم، وبيار فايز إبراهيم، وكلود سليمان إبراهيم بجنحة المادة 72 من قانون الأسلحة والذخائر التي تعاقب على صنع الأسلحة والذخائر الحربية أو نقلها من دون رخصة.

ولم يأت القرار على توجيه الاتهام لأيّ من عناصر أو ضبّاط في الجيش اللبناني المسؤول عن حراسة المواد المصادرة، بل واعتبر أنّه لا يوجد أي دليل لتوجيه الاتهام لأي أحد من الجيش اللبناني.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، أجهزة أمنية ، قرارات قضائية ، لبنان ، مقالات ، محاكمة عادلة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية