محاكمة التليل: هل تفتح الباب للادّعاء على مسؤولين في الجيش؟


2023-05-06    |   

محاكمة التليل: هل تفتح الباب للادّعاء على مسؤولين في الجيش؟
من وقفة أهالي ضحايا تفجير خزّان الوقود في التليل امام قصر العدل في شباط الماضي

اتّخذ المحامي العام التمييزي القاضي عماد قبلان توجهًا جديدًا في ملف تفجير خزّانات الوقود في بلدة التليل في عكّار الذي وقع في 15 آب 2021 موقعًا 36 ضحيّة وعشرات الجرحى. فخلال جلسة المجلس العدلي في 5 أيّار2023، طلب قبلان الاستماع إلى عقيد في الجيش اللبناني بصفة شاهد مع حفظ حق الادعاء بحقه “لتسبّبه بالانفجار” على ضوء الاستجوابات لأربعة أظنّاء. وكان المجلس انعقد في قصر العدل في بيروت برئاسة القاضي سهيل عبّود وعضوية القضاة مايا ماجد، وجمال الحجّار، وجان مارك عويس وعفيف الحكيم. وأتى تصريح قبلان باتجاه معاكس للقرار الاتهامي الذي أبعد الشبهات عن مسؤولين في الجيش اللبناني. 

جلسة 5 أيّار هي الرابعة في هذه القضية، وشهدت استكمال الاستجوابات التي بدأت في الجلسة السابقة التي انعقدت في 31 آذار 2023 واستجوب خلالها المجلس الموقوفين جورج إبراهيم وعلي الفرج المتهمين بالتسبّب بالقتل عن غير قصد بفعل تخزين مواد مشتعلة بشكل غير آمن وأعمال الاحتكار والتهرّب الضريبي وتبييض الأموال. وأنكر إبراهيم والفرج حينها كافة التهم الموجّهة إليهما. وحضر الجلسة المتهمون الموقوفون الأربعة مع وكلائهم، وهم ريشار جورج ابراهيم وكيله المحامي صخر الهاشم، جرجي إبراهيم وكيله المحامي علي أشمر، جورج ابراهيم وكيله المحامي أنطوان سابا، وعلي الفرج وكيلته المحامية جوسلين الراعي. كما حضر الأظنّاء الأربعة هويدي الأسعد، باسل الأسعد، بيار وكلود إبراهيم إلى جانب وكلائهم وهم تباعاً المحامون خليل حمّود، رولان سلامة وعلي أشمر، فيما حضر عن جهة الادعاء المحامون: النقيب محمد المراد، زينة المصري، شربل عرب وعبير الشيخ. 

واستجوب القاضي عبّود أربعة أظنّاء أوّلهم هويدي الأسعد (عريف في الجيش اللبناني) ثم شقيقه باسل الذي يعمل كسائق لدى جمعيّة غير حكوميّة، والشقيقان تجمعهما صلة مصاهرة مع المتهم علي الفرج المتزوّج أختهما. واستكمل الاستجواب مع الظنينين كلود إبراهيم وبيار إبراهيم، والأخير ابن عم المتهم الموقوف جورج إبراهيم فيما كلود هو ابن عم الموقوف جرجي إبراهيم، والأخير هو المتهم بإشعال ولّاعة سجائر بخزّان الوقود بتحريض من ريشارد إبراهيم. وحدد القاضي عبّود في نهايتها تاريخ 16 حزيران لاستكمال الاستجواب. 

ولا يزال الغموض يشوب إفادات المستجوبين كما الجلسة السابقة، إذ لم يعترف أي من المدعى عليهم بتخزين الوقود أو تهريبه، أو حتّى إبرام علاقة عمل مع علي الفرج المتهم بتخزين المحروقات في البورة العائدة لجورج إبراهيم في التليل بهدف تهريبها إلى سوريا أو بيعها في السوق السوداء. والفرج هو صاحب محطة محروقات في وادي خالد، كان موقوفًا بتهمة دفع رشى لعناصر في الجيش اللبناني حين وقع التفجير.

النيابة تطلب الاستماع إلى عقيد في الجيش 

تغيُّر مسار هذه القضية برز مع استجواب الظنين كلود إبراهيم، وهو صاحب دكان في التليل وابن عم الموقوف جرجي إبراهيم. وإفادته هي التي ستحوّل مجريات الجلسات المقبلة كونها الإفادة الأولى العلنيّة التي تُشير إلى وجود دور لمسؤولين في الجيش اللبناني في تفجير التليل، بعدما أبعد المحقق العدلي القاضي علي عراجي كافة الشبهات عنهم. 

وكان القرار الاتهامي الذي أصدره عراجي في تاريخ 25 تمّوز 2022 اعتبر أنّه لا يوجد أي دليل يشير إلى ارتكاب ضبّاط وعناصر الجيش اللبناني أي خطأ أدى إلى التفجير، بل على العكس اعتبر عراجي أنّ الجيش كان يقوم بـ “عمله النبيل بعد أن منع الاحتكار وضبط الجرائم”. فأتت إفادة كلود لتُخالف ما ورد في القرار الاتهامي حيث أكدّ كلود أنّ “الجيش اللبناني متمثلًا بالعقيد ميلاد طعّوم أجرى مفاوضات مع الثوار يومها على اقتسام البنزين الموجودة في الخزّان”. وأشار إلى أنّهم اعتقدوا أنّه يوجد 40 ألف لتر من البنزين في الخزّان، وبعدما أخذ الجيش قرابة 12 ألف لتر، تبيّن أنّ الكميّة المتبقيّة للثوار لا تتعدى 7000 لتر، وأنّ الكميّة الفعليّّة كانت أساسًا 17 ألف لتر. وتابع كلود أنّ الجيش كان قد منع المواطنين من أخذ أي كمية من البنزين فيما سمح لبعض الثوّار بتعبئة البنزين في غالونات. وكان ذلك سببًا ليغضب المواطنون في المكان على خلفية السماح لأشخاص دون غيرهم بالحصول على البنزين. وأفاد كلود أنّ أحد الثوار اعترض على الاتفاق مع الجيش فغادروا المكان وتبعهم المواطنون أيضًا حتى خلا المكان تمامًا من الناس. وتابع كلود أنّه لاحقًا بعد الساعة الثامنة مساءً تناقل أهالي المنطقة رسائل على واتساب مفادها أنّ جورج إبراهيم يوزع البنزين مجانًا، ولهذا السبب عاد المواطنون وتجمهروا في البورة. 

وعلى ضوء هذه الرواية التي نقلها كلود، طلب المحامي العام التمييزي القاضي عماد قبلان حفظ حقّه في الادعاء على “العقيد ميلاد طعّوم لتسببه بالتفجير”. وبخلاف ذلك، دوّن القاضي عبّود على المحضر أنّ “النيابة العامّة تطلب الاستماع لطعّوم كشاهد على أن تتّخذ الإجراء المناسب على ضوء الاستجواب” من دون اعتراض القاضي قبلان. 

بيار: “حاولت قلب الخزّان لإبعاد المتجمهرين”

ونفى الظنين بيار إبراهيم الذي يعمل في تجارة مواد البناء، أي علاقة عمل مع علي الفرج. وتحدّث بيار عمّا شاهده في الساعات التي سبقت التفجير قائلًا: “كنت قد مررت على البورة الساعة الثالثة ظهرًا ورحلت عند الساعة العاشرة والنصف ليلًا”. وتابع: “حين وقع التفجير كنت نائمًا في منزلي في منطقة التليل الذي يبعد نحو 600 متر عن موقع التفجير”. وردًا على سؤال القاضي عبّود حول ما حصل أثناء تواجده في البورة في النهار قال: “خلال تواجدي علمت من أحد الحاضرين في المكان الّذين تجاوز عددهم 300 فرد، بوجود بنزين في أحد الخزّانات”. وأضاف: “حاولت كسر صنبور الخزّان لكنني لم أنجح، فتوجهت لأخذ الجرّافة محاولًا قلب الخزّان على الأرض بهدف إبعاد المتجمهرين وإنهاء المسألة”. وأوضح بيار أنّ هدفه من ذلك هو حماية الرزق، إذ يتواجد في البورة عشرات الآليات من شاحنات وجرّافات وسيارات عائدة له ولابن عمه جورج إبراهيم. وشرح بيار أنّه “حصل تلاسن بيني وبين أحد الأشخاص، مما دفعني لأن أعود إلى المنزل لجلب المسدس”. وسأل القاضي عويس عن نواياه تجاه جلب المسدس، فأوضح أنّ ذلك “فشّة خلق فقط، كما بغية حماية الأملاك وتحسبًا لأي طارئ ولم يكن هدفي استخدامه”، وعاد واستدرك قائلًا: “لا أعرف كيفيّة استخدامه”. وأخذ موضوع المسدس حيّزًا هامًّا بالنسبة للقضاة بخاصّة وأنّ ابن عمه ريتشارد كان قد أخذ المسدس من سيارته وبقي معه حتى اليوم التالي. 

وأكدّ بيار أنّه خلال النهار رأى العقيد في الجيش اللبناني ميلاد طعّوم قرب المتجمهرين كما شاهده أيضًا بعدما عاد لاحقًا إلى البورة على إثر التفجير. وتابع أنّه رأى نحو 20 عنصرًا من الجيش اللبناني وثلاث سيارات عسكريّة رباعيّة الدفع. وأكدّ أنّ الجيش هو الذي استلم كل شيء أثناء تواجده (بيار) في البورة. 

باسل وهويدي الأسعد: لا علاقة عمل تجمعنا بعلي الفرج

ودار الاستجوابان الأخيران أيضًا حول علاقة الظنينين باسل وهويدي الأسعد بالمتهم علي الفرج ونوع العلاقة التي تجمعهما به، وعن دورهم في تهريب البنزين. فأكدّ كل من باسل وهويدي أنّ علي هو صهرهما، ولا تجمعهما به أي علاقة عمل، على خلاف ما كان قد صرّح به علي في التحقيقات الأوليّة بأنّ هويدي (32 عامًا) وباسل (أربعيني) عملا معه في تهريب المحروقات. وصرّح هويدي الذي أوقف لفترة بعد التفجير أنّه اشترى شاحنة في العام 2019 وسلّمها لصهره علي الذي استخدمها لمدّة أربعة أشهر من دون أن يعرف نوعيّة الأعمال التي يقوم بها علي. ولفت هويدي إلى أنّ الشاحنة مزوّدة بصندوق خلفي، وهو غير مؤهّل لتخزين مواد سائلة، وأنّ الهدف منها كان نقل مواد زراعيّة (تبن) ومع أنّ علي كان يعطيه 300 ألف ليرة بدل استئجارها إلّا أنّّه قرر بيعها بعد نحو أربعة أشهر فقط، وذلك قبل التفجير بنحو عام.  وأكد هويدي أنّه لم يعمل يومًا مع علي الفرج، إنما كان يعمل بين العامين 2011 و2014 في مطعم في منطقة برج الحمام وانتقل في العام 2014 إلى المؤسسة العسكريّة.  

وسأله القاضي عبّود عن إفادته الأوليّة أمام مخابرات الجيش في وزارة الدفاع، فأجاب هويدي “كنت موقوفًا لمدة 21 يومًا في وزارة الدفاع، وتمّ تطميش عينيّ طيلة 19 يومًا، ولم أعرف ليلي من نهاري، وتم التحقيق معي من دون وجود محامٍ هذا غير أنّه تم إجباري على توقيع المحضر من دون قراءته وعيناي معصوبتان”. وقام المجلس بتدوين إفادته التي تؤكد أنّه تعرّض للتعذيب على المحضر، وأكدّ هويدي أنّه يتراجع عن إفادته في وزارة الدفاع فيما يؤكد على إفادته أمام المحقق العدلي علي عراجي. وردًا على سؤال القاضي عبّود، أجاب هويدي أنّه أعلم القاضي عراجي بأنّه تعرّض للتعذيب. وردًا على ما جاء في إفادة علي الفرج أنّ “هويدي الأسعد هو من يملك الخزانات الموجودة في البورة” أجاب هويدي أنّ علي “كذّاب”. 

أمّا شقيقه باسل الأسعد الذي لا يعلم كيف زُجّ اسمه في هذا الملف، أكدّ أنّه لم يخضع لأي تحقيق قبل مثوله أمام المجلس العدلي، وهو كان قد أوقف غيابيًا من قبل المحقق العدلي. وأفاد باسل: “لا أعرف أي شيء عن علي، فهو صهري لكنّي أراه مرّة كل ثلاثة أشهر تقريبًا في منزل والديْ”. ونفى أن يكون هناك أي شراكة أعمال بينه وبين علي. وأضاء القاضي عبّود على إفادة علي الفرج التي قال فيها إنّه جمعته علاقة عمل مع باسل، فأجاب باسل: “علي حر يقول لي بدّه ياه، ولكنني أؤكد على عدم صحة كلامه”. 

القرار الاتهامي حصر الملف بالمدنيين

للتذكير، كان القرار الاتهامي الذي صدر عن المحقق العدلي علي عراجي، في تاريخ 25 تمّوز 2022 بعد 11 شهرًا على التفجير، قد خلص إلى اتهام ريتشارد إبراهيم وجرجي إبراهيم بجناية  الأعمال الإرهابية التي ترمي إلى إيجاد حالة رعب وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة وغيرها (المادة 314 من قانون العقوبات معطوفة على المادة السادسة من قانون الإرهاب الصادر في العام 1958)، وبجناية المادة 549 من قانون العقوبات التي تعاقب بالإعدام على القتل القصد “إذا وقع على موظف في أثناء ممارسته وظيفته أو في معرض ممارسته لها أو بسببها” (الفقرة الخامسة)، و”باستعمال المواد المتفجرة” (الفقرة السابعة).

كما اتّهم القرار كلًّا من جورج إبراهيم وعلي الفرج بجناية التسبّب بموت إنسان من غير قصد (المادة 550 من قانون العقوبات). واتهم جورج إبراهيم وعلي الفرج والظنينان هويدي الأسعد وباسل الأسعد بجرائم التهرّب الضريبي (المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي رقم 156/1983) وأعمال الاحتكار (بموجب المادة 4 من المرسوم رقم 32/1967 المتعلق بمكافحة الاحتكار والغلاء) وتبييض الأموال (وفق القانون رقم 44/2015).

بالإضافة الى ذلك، ظنّ القرار بالمدعى عليهم ريتشارد وجورج إبراهيم، وبيار فايز إبراهيم، وكلود سليمان إبراهيم بجنحة المادة 72 من قانون الأسلحة والذخائر التي تعاقب على صنع الأسلحة والذخائر الحربية أو نقلها من دون رخصة.

ولم يأت القرار على توجيه الاتهام لأيّ من عناصر أو ضباط في الجيش اللبناني المسؤول عن حراسة المواد المصادرة، بل واعتبر أنّه لا يوجد أي دليل لتوجيه الاتهام لأي أحد من الجيش اللبناني. ويذكر أنّ التفجير حصل بعد قيام الجيش بمداهمة أماكن تخزين البنزين ومصادرته، وما كان على الأرجح ليحصل لولا دعوة الناس أو تداعِيهم للتجمع حول هذه الأماكن بهدف توزيع كميات من البنزين المصادر عليها. وما يزيد من الشبهات هو أن توزيع المحروقات تمّ بصورة عشوائية، ومن دون اتخاذ أي تدابير لضمان أمنهم أو الحؤول دون وقوع حوادث محتملة مشابهة. إلّا أنّه رغم ذلك، حجب القرار الاتهامي أيّ دور عناصر الجيش المتواجدين في المكان في التفجير.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، أجهزة أمنية ، قرارات قضائية ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، محاكمة عادلة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية