الحرس الجامعي في مصر: بين أحكام القضاء الاداري والقضاء المستعجل


2014-02-27    |   

الحرس الجامعي في مصر: بين أحكام القضاء الاداري والقضاء المستعجل

بعد مظاهرات 30 يونيو وتحديدا بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة في اغسطس 2013، تم تنظيم مظاهرات متعددة في الجامعات المصرية المختلفة. وقد نتجت عن هذه التظاهرات اشتباكات مع قوات الأمن وتحديدا في جامعتي الأزهر[1]، وكلية الهندسة بجامعة القاهرة[2]. وقد ترتب على ذلك مطالبة الكثيرين بعودة الحرس الجامعي الى الجامعات لحفظ الأمن فيها، ولكن رفض رئيس جامعة القاهرة ذلك بدعوى أن المنظومة الأمنية التابعة للجامعة قادرة على حفظ الأمن[3]. لذلك، لجأ بعض المحامين الى المحاكم للمطالبة بعودة الحرس الجامعي. وفيما أصدرت المحاكم المصرية في الأشهر الماضية أحكاما ترفض عودة الحرس الجامعي، انقلبت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة عن هذا التوجه لتصدر في 24-2-2014 حكما يقضي بعودة هذا الحرس.

الحرس الجامعي: دور سياسي في مختلف الحقبات
بدايةً، تجدر الاشارة الى أنه تم توظيف تواجد الحرس الجامعي سياسيا وليس أمنيا خلال فترات الحكم السابقة. فقد تم استخدامه وقت حكم عبد الناصر للمواجهة مع طلاب الاخوان المسلمين. وقد قرر السادات الغاء الحرس الجامعي في عام 1971 مستعينا بدلا منه بالاخوان المسلمين للاطاحة بعناصر اليسار والناصريين. وبدأت عودة سيطرة الدولة على الجامعات في عام 1977 بعد انتفاضة الطلاب، والمظاهرات الرافضة لمعاهدة كامب دافيد باصدار اللائحة الطلابية[4]. وفي عهد مبارك، كان عودة الحرس الجامعي من أول قراراته، حيث صدر قرار من رئاسة الوزراء في عام 1981 بعودته ونقل تبعيته الى وزارة الداخلية[5].

وقد كان للحرس الجامعي في عهد مبارك دور كبير في تحجيم الأنشطة الطلابية والتدخل في انتخابات اتحاد الطلبة وتعيين أساتذة الجامعات، فضلا عن ممارسة دوره في اعتقال المعارضين؛ مما أدى في عام 2008 الى إطلاق “حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات”[6]، واللجوء الى القضاء الاداري لطرد الحرس خارج أسوار الجامعة.

أحكام مجلس الدولة: تضارب في الاجتهاد بين 2010 و2014
كان حكم المحكمة الادارية العليا الصادر في 23-10-2010 هو السبب الرئيسي في طرد الحرس الجامعي التابع لوزارة الداخلية من الجامعات المصرية. وكانت المحكمة قد قضت أن “وجود قوات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية بصورة دائمة داخل حرم جامعة القاهرة وكلياتها ومعاهدها بصفة دائمة يمثل انتقاصا من الاستقلال الذي كفله الدستور للجامعة…”، وقضت بالغاء القرار الوزاري الصادر عام 1981. وقد استندت المحكمة في حكمها على الدستور المصري الذي ينص على استقلال الجامعات، وعلى القانون المصري لتنظيم الجامعات، وكذلك على بعض الاعلانات الدولية الخاصة بالموضوع مثل اعلان “كمبالا” لعام 1990 بشأن الحرية الفكرية والمسؤولية الاجتماعية والذي ينص على “عدم جواز قيام الدولة بنشر أى قوات عسكرية أو قوات الأمن أو أي قوات مشابهة داخل مباني وأراضي المؤسسات التعليمية” الا في أحوال معينة ووفقا لضوابط معينة. ويمكن اعتبار هذا الحكم الذي مانعت الحكومة في تنفيذه، الى جانب أحكام أخرى صادرة عن مجلس الدولة، من الأسباب الممهدة لثورة 25 يناير 2011. وفي مارس 2011[7]، قرر وزير الداخلية الغاء ادارات الحرس الجامعي بكافة جامعات الجمهورية، وهو ما أعد انجازا للثورة.

بعد المطالبات بعودة الحرس الجامعي، كما أشرنا في مقدمة المقال، تم اللجوء الى القضاء الاداري في محاولة لاصدار حكم يلزم الحكومة والجامعة بذلك. وكانت محكمة القضاء الاداري رفضت بتاريخ 31-12-2013 الدعوى المقدمة من المحامي مرتضى منصور المطالبة بذلك[8]. وأكدت من ثم على موقفها في حكمها الصادر بتاريخ 5-1-2014[9] وذلك بعدما أعلنت “انتفاء القرار الاداري، استنادا الى أن وزير الداخلية لم يمتنع عن اصدار قرار بدخول قوات الشرطة الى الجامعات”. ورغم ردّ الدعوى، أقرت المحكمة من خلال حيثياتها حق قوات الشرطة في دخول الجامعات في حال ارتكاب جريمة جنائية أو لمنع جريمة جنائية كتخريب المباني والأملاك العامة، وذلك من دون الحاجة الى اذن رئيس الجامعة أو من القاضي المختص أومن النيابة العامة لان الجامعة مكان عام وليس خاصا. ويعد اختصاص قوات الشرطة في الجرائم الجنائية اختصاصا متفقا عليه ولم ينازع فيه أحد. ولكن اللافت أن المحكمة أشارت الى أن القوانين الخاصة بالجامعات لم تمنع الشرطة من الدخول الى الجامعات لمباشرة اعمال الضبط القضائي، كما أن استقلال الجامعة لا يعني بأى حال استقلالها عن الدولة، وانما هذا الاستقلال “ينظر اليه من منظور وظيفي” ويهدف الى منع تدخل أى جهة ادارية اخرى في ادارة شؤون الجامعة. بالاضافة الى ذلك، أكدت المحكمة أن الحكم الصادر من المحكمة الادارية العليا في عام 2010 كان يخص جامعة القاهرة فقط، وليس جميع جامعات الجمهورية كما تم تنفيذه، وهي بذلك أعطت مخرجا قانونيا للراغبين في عودة الحرس الجامعي بعودته في كافة الجامعات فيما عدا جامعة القاهرة. كما توحي حيثيات الحكم وكـأن المحكمة تحاول العدول عن مفهوم الاستقلال كما فسرته سابقا في عام 2010 والعودة الى الوراء[10].

حكم محكمة القاهرة للأمور المستعجلة بعودة الحرس الجامعي: هل تقوم المحكمة بتوسيع اختصاصها؟
بسبب صعوبة الحصول على قرار من القضاء الاداري يقضي بعودة الحرس الجامعي، لجأ بعض المحامين الى محكمة الأمور المستعجلة في محاولة للحصول على هذا الحكم بصورة عجلية بدعوى انتشار العنف في الجامعات.
وقد أصدرت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في 24-2-2014[11] حكما بعودة الحرس الجامعي لتأمين الجامعات وحفظ الأمن فيها. وهو الأمر الذي أثار جدلا كبيرا حوله بسبب النقاش حول مدى اختصاص محكمة الأمور المستعجلة في اصدار مثل هذه الأحكام[12].
فحسب المادة 45 من قانون المرافعات، “يندب في مقر المحكمة الابتدائية قاض من قضاتها ليحكم بصفة مؤقتة ومع عدم المساس بالحق في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت…”، وعليه، فان محكمة الأمور المستعجلة تكون مختصة عند توافر شرطين: الأول هو “قيام حالة استعجال يخشى معها من طول الوقت الذي تستلزمه اجراءات التقاضي لدى محكمة الموضوع، والثاني أن يكون المطلوب اجراء وقتيا لا فصلا في أصل الحق”[13]. ولكن في الحكم الصادر، لم يتوافر الشرطان، كما تعدى قرار المحكمة الطابع الوقتي التحفظي ليفصل في الدعوى نفسها.

بالاضافة الى ذلك، نصت المادة 10 من قانون مجلس الدولة على اختصاصات محاكم مجلس الدولة دون غيرها، وتضمنت الطعن على “رفض السلطات الادارية أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه وفقا للقوانين واللوائح”، مما ينتج عليه اختصاص محكمة القضاء الاداري بالنظر في الدعوى، وليس المحاكم المدنية بكافة درجاتها وأنواعها، بما فيها محكم الأمور المستعجلة.

تجدر الاشارة أنها ليست المرة الأولى التي تقضي محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في دعاوى تخرج عن اختصاصها، فقد أصدرت في نفس اليوم (24-2-2014) حكما بإلزام الحكومة باعتبار جماعة الاخوان المسلمين جماعة ارهابية[14]، بعد اعلان الحكومة ذلك بالفعل، وذلك لتوفير السند القضائي الذي يحتاجه قرار الحكومة[15]، بالإضافة الى حكمها السابق في شهر ديسمبر 2013 القاضي بضرورة حصول الطلاب على موافقة من رئيس الجامعة قبل تنظيم مظاهرة[16]، وهو الأمر الذي يدعو للتساؤل حول قيام المحكمة بدور سياسي ترى أن من واجبها تأديته خلال الظروف الراهنة.

للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا



[1] راجع على سبيل المثال الخبر المنشورة على موقع “بي بي سي” الالكتروني بتاريخ 28-12-2013 تحت عنوان “استمرار الاشتباكات بجامعة الأزهر واعتقال 60 طالبا”.
[2] راجع على سبيل المثال الخبر المنشور على الموقع الالكتروني لجريدة الشروق بتاريخ 10-12-2013 تحت عنوان “هندسة القاهرة تعلق الدراسة بسبب تكرار الاشتباكات بين الأمن والطلبة”.
[3] راجع “جابر نصار: لن نقبل بعودة الشرطة أو الحرس الجامعي من جديد”، نشر على الموقع الالكتروني لجردية الشروق بتاريخ 4-10-2013.
[4] راجع “الحرس الجامعي: تاريخ سيء عائد بحكم محكمة”، نشر على الموقع الالكتروني لجريدة المصري اليوم بتاريخ 25-2-2014.
[5] المرجع السابق نفسه.
[6] المرجع السابق نفسه.
[7] المرجع السابق نفسه.
[8] نشر الخبر على الموقع الالكتروني لجريدة المصري اليوم بتاريخ 2-1-2014.
[9] نشر الخبر على الموقع الالكتروني لجريدة المصري اليوم بتاريخ 5-1-2014، تحت عنوان “حيثيات رفض عمودة الحرس الجامعي: من حق الأمن دخول الجامعات دون اذن لحمايتها”.
[10] تنص المادة 54 مكرر من قانون مجلس الدولة انه “اذا تبين لاحدى دوائر المحكمة الادارية العليا عند نظر الطعون انه صدرت منها أو من احدى دوائر المحكمة أخكام سابقة يخالف بعضها البعض أو رأت العدول عن مبدأ قانوني قررته أحكام سابقة صادرة من المحكمة الادارية العليا، تعين عليها احالة الطعن الى هيئة تشكلها الجمعية العامة لتلك المحكمة في كل عام قضائي من أحد عشر مستشارا برئاسة رئيس المحكمة أو الأقدم فالأقدم من نوابه”.
[11] نشر الخبر على الموقع الالكتروني لجريدة الوطن بتاريخ 25-2-2014.
[12] راجع “محمود كبيش: حكم عودة الحرس الجامعي باطل لعدم اختصاص المحكمة”، نشر على الموقع الالكتروني لجريدة المصري اليوم بتاريخ 25-2-2014.
[13] هذا ما استقرت عليه أحكام محكمة النقض بما يخص اختصاص قاضي الأمور المستعجلة، راجع على سبيل المثال الحكم الصادر بتاريخ 8-11-1961.
[14] نشر الخبر على الموقع الالكتروني لجريدة الوطن بتاريخ 25-2-2014.
[15] راجع فتوح الشاذلي، “اعلان الخوان المسلمين في مصر جماعة ارهابية: القرار ومفاعيله”، نشر على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية بتاريخ 13-1-2014.
[16] راجع محمد الأنصاري، “محكمة القاهرة للأمور المستعجلة: رئيس الجامعة قيما على تظاهرات الطلبة”، نشر على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية بتاريخ 30-12-2013.
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية