“الإبادة تحصل أمام أعيننا”: أبرز ما في مرافعات جنوب إفريقيا أمام محكمة لاهاي


2024-01-12    |   

“الإبادة تحصل أمام أعيننا”: أبرز ما في مرافعات جنوب إفريقيا أمام محكمة لاهاي

“حين نمدّ أيدينا إلى الشعب الفلسطينيّ على بُعد آلاف الأميال، فإنّنا نفعل ذلك بناء على انتمائنا المشترك إلى إنسانيّة واحدة”. بهذه الكلمات التي نَطق بها نيلسون مانديلا قبل 26 عامًا، استهلّ وزير العدل الجنوب-إفريقي رونالد لامولا ملاحظاته الأولّية تمهيداً لمرافعات بلاده أمام محكمة العدل الدوليّة في “قصر السلام” بلاهاي، في جلسة الخميس 11 جانفي/يناير 2024 التاريخيّة، حول الإبادة التي تقوم بها إسرائيل في غزّة. لم تكن رمزيّة هذا الاقتباس فقط متأتيّة من شخصيّة قائله، وهو الزعيم التاريخي لكفاح السود ضدّ الأبارتهايد وأحد أهمّ رموز معارك التحرّر في التاريخ. ولكن أيضا لأنّه يضع الإصبع على جوهر الموضوع: إنسانيّة الفلسطينيّ. تلك الإنسانيّة التي تُنكرها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في خطابها وممارساتها، بالأخصّ في حرب الإبادة التي تشنّها منذ 7 أكتوبر. وهي الإنسانيّة التي ترفض قوى الهيمنة في العالم الاعتراف بها، حين تدعم حرب الإبادة في فلسطين، وتُخضع القضايا والحروب والضحايا إلى ازدواجيّة معايير مفضوحة. بإسم هذه الإنسانيّة المشتركة، التي تُختبر بالأخصّ في الوضعيات القصوى مثل جرائم الإبادة، فتفتحُ أمام القانون الدولي رغم منطق الهيمنة الذي يعتريه، أفقاً أوسع لتحقيق العدالة، قدّمت جنوب افريقيا دعواها ضدّ إسرائيل. بهذه الدعوى الأولى من نوعها ضدّ إسرائيل، وضعت بلاد مانديلا محكمة العدل الدوليّة أمام مسؤوليّاتها، فطالبتها بصفة عاجلة بالأمر بإجراءات مؤقتة توقف حرب الإبادة المتواصلة منذ ثلاثة أشهر، بعد أن حال الفيتو الأمريكي مراراً وتكراراً أمام استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار. فأعادت للقانون الدولي، ولو للحظة يؤمل أن تتحول إلى حالة، بعضاً من مغزاه، وأعادت الأمل في تحقيق عدالة، ولو صعب تفعيلها، وأحيت الحلم في أن تحدّ قوّة القانون من قانون القوّة السائد، وتحديدا أن تضع حدا لإحدى أخطر الجرائم على الإطلاق أي جريمة الإبادة الجماعية.

ثلاث ساعات من المرافعات القانونيّة تداول عليها ستة أساتذة ومحامين ومحاميات، كانت غنيّة بالحجج القانونيّة والقرائن والأدلّة، سنحاول في هذا المقال تلخيص أبرز ما جاء فيها. ولئن ركّزت المرافعات على ما من شأنه إقناع المحكمة بضرورة وقف الإبادة الحاصلة الآن، إلاّ أنّها لم تقفزْ على سياقها التاريخيّ. فقد استهلّ ممثّل جنوب إفريقيا مداخلته الافتتاحيّة بالتأكيد على أنّ هذه الدعوى تعترف بالنكبة المتواصلة للشعب الفلسطيني منذ 75 عاماً، التي حرمته من الحقّ في تقرير مصيره، وحرمت اللاجئين من حقّهم في العودة، وأسّست لنظام أبارتهايد على الجانبيْن من الخطّ الأخضر. كما تأتي ضمن سياق 56 عامًا من احتلال الأراضي الفلسطينيّة وفق الشرعيّة الدوليّة، و16 سنة من الحصار على قطاع غزّة. سياق طويل من انتهاكات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ومن فشل المنظومة الدوليّة في التصدّي لها، ومن إفلات من العقاب شجّع إسرائيل على المواصلة في جرائمها. فلم تكن جلسة الخميس 11 جانفي فقط محاكمة لدولة الاحتلال وما تقوم به من إبادة، ولكنّها كانت أيضاً محاكمة للمنظومة الأمميّة، وفي الوقت ذاته فرصة تاريخيّة لها كي تنقذ نفسها إذا ما انتصرت للحقّ.

ثلاثة عشر أسبوعًا من ممارسات الإبادة

قدّمت عديلة حاسيم (Adila Hassim)، المحامية الجنوب إفريقيّة المعروفة بدفاعها عن الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، المرافعة القانونيّة الأولى حول ممارسات الإبادة، التي فصّلها نصّ الدعوى في ثلاثين صفحة مدعّمة بالحجج والأرقام والاستشهادات (ضمن أكثر من ثمانين صفحة تضمّنتها الدعوى). توصيف الممارسات المادّية الإسرائيليّة بالإبادة هو قطعاً من أبرز رهانات الدعوى، ليس فقط لأنّ إسرائيل تُنكره، ولكن لأنّ انعقاد اختصاص محكمة العدل الدوليّة مرتبط بها. ولكنّ حاسيم وزملاءها ذكّروا أنّ المطلوب في مرحلة الإجراءات المؤقتة، وفق اجتهاد محكمة العدل الدولية، ليس إثبات طابع الإبادة، ولكن فقط أنّ بعض الممارسات المزعومة يمكن، وفق تأويل معقول، أن تدخل ضمن نطاق انطباق فصول اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

فصّلت مرافعة حاسيم ممارسات الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل، استنادا إلى تصنيف الأفعال الوارد في المادّة الثانية من الاتفاقيّة:


1/ القتل الجماعي للفلسطينيّين في قطاع غزّة، الذي بلغ عدد ضحاياه أكثر من 23 ألفًا، 70% منهم نساء أو أطفال. ينضاف إليهم أكثر من سبعة آلاف من المفقودين، يفترض أنّهم فقدوا الحياة أيضاً تحت الأنقاض. قتل استهدف الفلسطينيّين في كلّ مكان في القطاع، بما فيه المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، وشمل حتّى المناطق والطرق المعلنة آمنة. هذا القتل، باستعمال قصف معلوم الآثار على المدنيّين، يرتقي إلى “تدمير الحياة الفلسطينيّة”.

2/ “إلحاق أذى جسدي أو عقلي خطير بفلسطينيّي غزّة”، منهم أكثر من 60 ألف جريح، معظمهم نساء وأطفال. ومنهم الأسرى الذين يجبرون على تعصيب أعينهم وخلع ملابسهم والبقاء في الخارج في الطقس البارد وينقلون إلى أماكن مجهولة.

3/ “إخضاع الفلسطينيّين عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرهم المادي كلياً أو جزئياً”، وذلك عبر أربع أساليب:

  • التهجير القسري، الذي شمل 85% من فلسطينيّي غزّة، العديد منهم أجبر على الرحيل أكثر من مرّة. توقّفت المحامية حاسيم عند أوامر الإخلاء، أهمّها أمر 13 أكتوبر الذي شمل أكثر من مليون شخص كي ينتقلو إلى جنوب القطاع في ظرف 24 ساعة، ومنهم من في المستشفيات، بما فيهم المولودون حديثاً، وإلا تعرّضوا لخطر محقّق بالقتل. “هذا الأمر هو، في حدّ ذاته، يحمل طابع الإبادة”. كما تطرّقت في هذا السياق إلى تدمير منازل غالبيّة سكان غزّة، الذي لم يكن من الأضرار الجانبيّة للحرب، بل عرضت فيديوهات توثّق كيف كان حجم التدمير محلّ فخر واحتفاء من الجنود الإسرائيليّين.
  • الحرمان من الوصول إلى الغذاء والماء الكافي. حيث يعيش 93% من سكان غزّة “مستويات أزمة” من الجوع، بسبب الحصار الإسرائيلي الشديد، واستهداف منشآت المياه والمطاحن، والتضييق الكبير المتعمّد على دخول المساعدات الإنسانيّة، الذي يتواصل إلى أيّام قليلة قبل الجلسة.
  • الحرمان من الوصول إلى المأوى والملابس والنظافة والصرف الصحّي الكافيين.
  • الحرمان من الوصول إلى الرعاية الطبية الكافية من خلال التدمير المتعمّد للمنظومة الصحيّة.

4/ “فرض تدابير تهدف إلى منع ولادة الفلسطينيين” من خلال قتل النساء الحوامل والأطفال الخُدّج والأطفال حديثي الولادة وتدمير مراكز الرعاية الصحية ومنع وصول المساعدات الطبيّة اللازمة.

كما في نصّ الدعوى، استندت كلّ المعطيات ليس فقط إلى تقارير منظمات غير حكوميّة إنسانيّة، ولكن في معظم الأحيان إلى تقارير وتصريحات لهيئات أمميّة ومسؤولين رسميّين في الأمم المتحدة، بدءا بمكتب أمينها العامّ. فكانت حجيّتها قويّة جدّا، بما يجعل من الصعب على محكمة العدل الدوليّة عدم الأخذ بها.

فإذا كانت “جرائم الإبادة لا تُعلَن أبدا قبل حدوثها، فإنّ أمام المحكمة ثلاثة عشر أسبوعاً من الأدلّة” التي تبرّر، على أقلّ تقدير، جواز اعتبارها من الممارسات المجرّمة في اتفاقيّة منع جرائم الإبادة، وتفرض تالياً التدخّل العاجل لإيقافها، مثلما فعلت المحكمة في قضيّة غامبيا-ميانمار.

نيّة الإبادة معلنة وثابتة

يبقى أنّ الأفعال، مهما بلغت خطورتها ووضوحها، لا تكفي لوحدها لجواز توصيف الجريمة بالإبادة، إذا لم تكن هناك نيّة تدمير شعب أو جزء منه. استعرض المحامي الجنوب أفريقي تمبيكا نكوكايتوبي، في المرافعة الثانية، شواهد كثيرة على هذه النيّة. ليس فقط عبر الطريقة التي تتمّ بها العمليّة العسكريّة، التي تستهدف المدنيّين بشكل ممنهج وواعي، ولكن أيضا لأنّ المسؤولين الإسرائيليّين يصرّحون علناً بنوايا تدمير حياة فلسطينيّي غزّة، وليس فقط مقاتلي كتائب القسّام ولا حتّى حركة حماس بشكل عامّ. إذ نزعت الإنسانيّة تماما عن سكّان غزّة، الذين وُصفوا بالحيوانات البشريّة، وصُنّفوا كـ”إرهابيّين” وجب تدميرهم، وحُمّلوا بشكل جماعي مسؤوليّة هجوم السابع من أكتوبر. لا يتعلّق الأمر بتصريح معزول صدر عن أحد الوزراء المتطرّفين، بل بعشرات التصريحات الصادرة عن مختلف المسؤولين، بدءا برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. من ذلك إحالة الأخير في رسالته إلى الجنود، إلى قصّة “المعاليق” التوراتيّة، والتي تعني قتل الجميع، رجال ونساء وأطفال وحيوانات. هذه الإحالة، استعادها الجنود صراحة في أهازيجهم كما ظهر في الفيديو المعروض في الجلسة، والتي أنهوها بـ: “نعلم جيّدا شعارنا: لا يوجد مدنيّون غير متورّطين”.

إذ أنّ تصريحات المسؤولين الإسرائيليّين كانت تعبّر عن سياسة رسميّة، والجنود “فهموا جيّدا الرسالة”. فيديوهات أخرى أظهرت الجنود وهم “ينفّذون الأوامر” التي يتلقوّنها، بتفجير عشرات المنازل والافتخار بذلك. هذه العلاقة السببيّة المباشرة بين الممارسات العسكريّة الإباديّة واحتفاء الجنود بها، وبين تصريحات المسؤولين السياسيّين والعسكريّين الإسرائيليّين، ظهرت بشكل واضح في المرافعة. أمّا حُجج “إخراج الكلام من سياقه”، فلا يمكن أن تقبلها المحكمة، نظراً لوضوح التصريحات وكثرتها وشموليّتها وتواصلها من دون عقاب، وصولا إلى تطبيقها في الميدان.

الصفة واختصاص المحكمة

انتقلت بعد الكلمة إلى المحامي الجنوب أفريقي جون دوغارد، وهو أستاذ القانون والمقرّر الخاصّ السابق المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليترافع حول المسائل المتعلّقة باختصاص المحكمة. لم يكتف دوغارد بالاستناد إلى اتفاقيّة منع جرائم الإبادة التي تتيح لأيّ دولة طرف فيها بأن تطلب من المحكمة النظر في مسؤولية دولة ما عن إبادة جماعية، وإلى نظام المحكمة الذي يتيح لها اتخاذ تدابير احترازيّة لحماية الحقوق (المادة 41). ولا بأنّ الالتزامات في هذا المجال هي إزاء الجميع، أو المجتمع الدولي بأكمله (erga omnes)، بما يفتح مجال التقاضي ويمنح الصفة لكلّ دولة لتقوم بالدعوى، وهو ما قامت به غامبيا ضدّ جرائم الإبادة في ماينمار واستجابت له المحكمة نفسها. ولكنّه فصّل، استباقاً لما يمكن أن يثيره الإسرائيليون من مسائل، الأدلّة على وجود نزاع بين جنوب إفريقيا وإسرائيل، وكلاهما طرف في الاتفاقيّة. من ذلك الخطوات التي قامت بها الأولى منذ 30 أكتوبر، في منابر مختلفة، لتحذير إسرائيل والعالم من خطر حصول جريمة إبادة في غزّة، مروراً بالإحالة التي قدّمتها في 17 نوفمبر للمدعي العامّ بالمحكمة الجنائيّة الدولية، فضلاً عن التواصل المباشر مع إسرائيل في هذا الصّدد “على سبيل اللباقة”، لوقف الإبادة الحاصلة، والذي لم يجد تجاوباً. أمّا التحجّح بالمرور عبر مرحلة من التفاوض، فلا يعدو عن كونه “رخصة في مواصلة الإبادة”.

حقوق الفلسطينيين ليست أقلّ قيمة من حقوق غيرهم

بعد ذلك مرّت الكلمة إلى المحامي الجنوب أفريقي ماكس دي بليسيس (Max du Plessis)، ليرافع حول طبيعة الحقوق التي تدافع عنها جنوب إفريقيا في هذه القضيّة، وعلاقتها بالإجراءات الاحترازيّة المطلوبة. فذكّر بأنّ الفلسطينيّين، بوصفهم مجموعة وطنيّة وعرقيّة، لديهم الحقّ في الوجود، وهو ما تنتهكه جرائم الإبادة الإسرائيليّة. ولكنّه وضع أيضاً الإبادة الحاليّة في سياق عقود من إنكار الحقّ الفلسطيني في تقرير مصيره وسلبه أراضيه لأكثر من نصف قرن، ومن انتهاكات القانون الدولي والجرائم المتواصلة من دون عقاب. إذ أن إسرائيل تنظر لنفسها على أنّها فوق الشرعيّة الدوليّة، وهو ما شجّعها على التمادي. فإزاء فشل المجموعة الدوليّة في حماية الحقّ الفلسطيني لعقود، تأتي جنوب إفريقيا عبر هذه القضيّة لتتحمّل مسؤوليّتها وتضع العالم أمام مسؤوليّاته.

ذكّر المحامي بممارسات الإبادة المتواصلة منذ ثلاثة أشهر، وفسّر خيار تفادي عرض الصور الأكثر يشاعة وصدمة على الرغم من قوّة تأثيرها، احترامًا ليس فقط للضحايا، ولكن أيضا للمحكمة، كي لا يستعاض بها عن قوّة الحجّة. بذلك استبق المحامون ما سيقوم به ممثلو إسرائيل من استغلال لصور السابع من أكتوبر، بغضّ النظر عن جدل المسؤوليّات والتضليل.

فما يحصل من إبادة في غزّة لا يقلّ خطورة (وهذا أقلّ ما يمكن قوله) عن وضعيّات شبيهة تدخّلت فيها المحكمة، وآخرها قضيّة غامبيا ضدّ ميانمار، فضلاً عن إجتهاد قضائها في قضايا أوكرانيا ضدّ روسيا، والبوسنة ضدّ صربيا. فالتدابير الاحترازيّة لا تهدف فقط لحماية حقوق الدول الأطراف، ولكن أيضا حقوق المجموعات البشريّة. وإذا ما امتنعت محكمة العدل الدولية عن الأمر بإجراءات احترازيّة لوقف الأعمال العدائيّة ضدّ الفلسطينيّين في قطاع غزّة، فإنّها بذلك ستمنحهم حماية أقلّ من مجموعات بشريّة أخرى، وتحدّ بشكل غير مبرّر من مجال تدخّلها وتتنكّر لفقه قضائها، وتغضّ بصرها عن انتهاكات خطيرة للحقوق المحميّة في الاتفاقيّة، والمتواصلة إلى اليوم.

استعجالية التدابير الاحترازيّة: غزّة لا تنتظر

اختتمت المرافعات بالتذكير بالتدابير الاحترازيّة المطلوبة، وأوّلها وأهمّها وقف العمليات العسكريّة.  قبل ذلك، فصّلت المحامية الإيرلنديّة بلين ني غرالاي استعجاليّة الأمر، مذكّرة بأرقام المعدّلات اليوميّة للضحايا. ف “كلّ يوم” يمرّ من دون وقف الحرب، يعني المزيد من القتل، الذي يشمل يوميّا 247 فلسطينيّا، منهم 48 أمّا فلسطينيّة يوميّاً (أي اثنين كلّ ساعة)، و170 طفلاً. كلّ يوم يمرّ، يتمّ بتر أعضاء ما لا يقلّ عن عشرة أطفال، أحيانا من دون بنج. كلّ يوم يمرّ، يزداد فيه أعداد “الأطفال الجرحى الذين قُتلت كلّ عائلتهم” أو من دون عائلات حيّة (WCNSF)، وهي المفهوم المستجد الذي يختصر وحده بشاعة الإبادة الحاصلة في غزّة والذي كان د. غسان أبو ستة أوّل من استخدمه خلال هذه الحرب. يضاف إلى ذلك ما يخلّفه خطر المجاعة المتزايد يوماً بعد يوم من ضحايا، واستهداف الطواقم الصحيّة والصحفيّين والعاملين في المساعدات الإنسانيّة. وآلاف المفقودين تحت الأنقاض، والجثث المرميّة في الشوارع منذ أشهر، والتي تتحلّل بكلّ ما يعنيه ذلك من مأساة ومخاطر صحّية.

ذكّرت بلين ني غرالاي المحكمة بفقه قضائها في الإجراءات الاحترازيّة، في وضعيّات عديدة أقلّ حدّة مما يجري في غزّة. فالوضعيّة لا يمكن أن تكون أكثر استعجالاً، ويجب أن تكون لها نهاية. طيلة الأسبوعين الفاصلين بين تقديم الدعوى وجلسة المرافعات، سقط قرابة 5000 بين قتيل وجريح. فهل من “ضرر لا يمكن تداركه أوضح من ذلك؟ ولعلّ ما يعكّر الأمر ويزيد من حجم الضحايا، هو استهداف المؤسسات الصحّية والتضييق الكبير على المساعدات الإنسانيّة، بما دفع مختصّين في المجال إلى الإقرار بأنّهم لم يروا طيلة مسيرتهم وضعاً أصعب من غزّة. فحتّى السماح بعدد أكبر من شاحنات المساعدات للدخول لن يكفي لوقف الإبادة، ما دامت المستشفيات والبنية التحتية للمساعدات الإنسانيّة مستهدفة.

لإبراز ذلك، استشهدت المحامية بصورة معبّرة لرسالة خلّدها الطبيب في منظمة أطباء بلا حدود محمود أبو نجيلة في مستشفى العودة، قال فيها “فعلنا ما استطعنا، فتذكرونا”، قبل أن يقتله القصف الإسرائيلي مع زميليه. فما يميّز الإبادة الحاصلة في غزّة، هو أنّها منقولة مباشرة من ضحاياها، يشاهدها جميعنا في هاتفه وتلفازه وحاسوبه. لذلك هي “فشل أخلاقي” للعالم، الذي يجب أن “يخجل من نفسه”.

من جهته، أكّد المحامي البريطاني فوغان لوي، على أنّ الوقف الفوري للعملية العسكرية هي الطريق الوحيدة لضمان الإجابة الإنسانية وتفادي الموت والتدمير. فالتدابير الاحترازيّة الثمانية الأخرى، على أهميّتها، لا تعوّض هذا الطلب الأساسي. أمّا الامتناع عن الأمر بتدابير احترازيّة، فسيكون بمثابة السماح بمواصلة الإبادة. وكما أكّدت المحكمة في فقه قضائها، الالتزامات المعلنة من جانب واحد، والتي قد تقوم بها إسرائيل، لا تكفي ولا تلغي الخطر، ولا تعفيها من دورها في اتخاذ إجراءات احترازيّة.

كما استبق الحجّة الإسرائيليّة التي تقدّم لحربها كالدفاع عن النفس بعد هجوم السابع من أكتوبر، والتي لا تصمد أمام أيّ النقاش القانوني، حيث لا ينطبق حقّ الدفاع عن النفس على وضعيات الاحتلال، وهو ما أقرّت به محكمة العدل الدولية نفسها في رأيها الاستشاري حول الجدار العازل في العام 2004. ولكن أيضاً، وهذا الأهمّ، لأنّ الأمر لا يتعلّق بردّ غير متناسب، وإنما بإبادة. ولا شيء يمكن أن يبرّر الإبادة.

رغم قوّة الحجج التي قدّمتها جنوب إفريقيا، خصوصاً وأنّ المطلوب في هذه المرحلة هو فقط “معقوليّة” الادعاءات بممارسات ونيّة الإبادة وثبوت الاستعجاليّة والضرر غير القابل للتدارك، ليس مؤكّداً أن تستجيب المحكمة لجميعها، وإن كانت هناك حظوظ جديّة لذلك. كما لا يعني ذلك بالضرورة وقفاً فوريّا للأعمال العسكريّة، إذ يبقى التنفيذ بين يدي مجلس الأمن. ولكنّ ذلك لا يقلّل في شيء من أهمّية قضيّة جنوب إفريقيا ضدّ إسرائيل، التي قطعت مع حالة الإفلات من العقاب المتواصل لعقود، وستُجبر إسرائيل على أن تحسب حسابا لأفعالها، والتي بيّنت أيضاً أنّ القانون الدولي، وإن كان ترجمة لموازين القوى وعلاقات الهيمنة، إلا أنّه يبقى في الوقت ذاته أداة يمكن للضعيف أن يحتجّ بها في وجه القويّ. فهو ساحة معركة مهمّة لتحقيق العدالة، إن لم يكن مادّياً فعلى الأقلّ رمزيّا. لم ترجع جنوب إفريقيا بهذه الدعوى فقط الأمل للفلسطينيّين في الانتصار لحقوقهم. بل هي أعادت للقانون والعدالة شيئاً من المعاني التي فقداها طيلة الأشهر الثلاثة الماضية. فالرهان ليس فقط وقف الإبادة وحماية شعب، وإنما يشمل مستقبل البشريّة جمعاء، وسمعة القانون الدولي ومؤسساته، بل فكرة القانون في حدّ ذاتها.

للمزيد:

إسرائيل تمثل أمام محكمة لاهاي: هل تنجح مساعي جنوب أفريقيا في وقف الإبادة؟

ما يحصل ليس دفاعًا عن النفس

ما نشاهده هو إبادة جماعية

انشر المقال

متوفر من خلال:

منظمات دولية ، الحق في الحياة ، مقالات ، فلسطين ، أوروبا ، إفريقيا ، محاكمة عادلة ، قضاء



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية