الأقليّات الجنسيّة، ضحايا الثالوث القمعي وتدهور الوضع الحقوقي


2023-06-05    |   

الأقليّات الجنسيّة، ضحايا الثالوث القمعي وتدهور الوضع الحقوقي

بالتوازي مع التمديد اللامتناهي لحالة الطوارئ في ظلّ حكم الرئيس قيس سعيّد، وحالة الطوارئ الحقوقية-السياسيّة التي نتجت عن موجة الإيقافات والملاحقات التي استهدفت الأصوات المعارضة، وحالة الطوارئ الإنسانيّة التي خلّفها بلاغ الرئاسة العنصري في حقّ المهاجرين من جنوب الصحراء، أعلنت جمعيّة دمج في 28 فيفري 2023 عنحالة طوارئ كويريّة. شرحت “دمج” ذلك بما يعيشه ذوو الجنسانيّة غير النمطيّة وبالأخصّ العابرات جندريا، جراء الحملة التي تستهدفهنّ من طرف فرقة “الوحدة المختصّة للوقاية الاجتماعية” بالقرجاني، من خلال مداهمات المنازل وما سمّته بـ “حملات الاصطياد في الشوارع وعلى منصّات التواصل الاجتماعي”. جاء هذا الإعلان للتنديد بممارسات أجهزة الدولة التي ارتقى بعضها، حسب توصيف الجمعيّة، إلى جرائم سوء معاملة وتعذيب تستهدف رأسا العابرات جندريا. ولم تقتصر الملاحقات فقط على التونسيين.ات بل شملت كذلك المهاجرين.ات+ منهم، كأنّ عار العنصريّة لا يكفي. كما لم يجد الضحايا قضاء منصفا حاميا للحقوق والحريات، حيث استعمل الفصل 230 من المجلة الجزائيّة المجرّم للمثليّة الجنسيّة ضدّ العابرات، إضافة إلى ترسانة الفصول الأخلاقويّة السالبة للحريّة.

بالتزامن مع ذلك، رفضت تونس ضمنيّا منع الفحوص الشرجيّة، بمناسبة الاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان في مارس 2023، بتعلّة أنّها لا تمارس “إلاّ برضا الشخص” وأنّ كل “الضمانات الدستورية والتشريعية الكفيلة بحماية حرمة الجسد والخصوصيات الفيزيولوجية للأشخاص متوفّرة في تونس”. تراجعت بذلك الدولة التونسيّة عن تعهّدها سنة 2017 بإلغاء الفحوص الشرجيّة. وعليه، تتواصل فحوصات العار الموجّهة لإثبات المثليّة الجنسيّة، و التشريعات التمييزية والمجرمة للاختلاف والتوجهات الجنسية غير النمطيّة، وسط استنفار أجهزة الدولة لاستهداف الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، التي تدفع هي الأخرى ثمن تدهور الوضع الحقوقي والديمقراطي. فكأنّ المنعرج الاستبدادي وخسارة المكتسبات الحقوقيّة المحققة بفضل الثورة، أعاد حقوق مجتمع الميم-عين إلى أسفل سلّم أولويات النضال الحقوقي، وفاقم تغييب الانتهاكات ضدّهم من النقاش العامّ.


الفحص الشرجي: انتهاك للحرمة الجسدية باسم القانون

أثار موضوع الفحص الشرجي جدلا واسعا خلال سنوات الانتقال الديمقراطي، حيث تعتبر المنظمات المدافعة عن حقوق مجتمع الميم-عين+ وحقوق الإنسان عموما أنّ هذا الفحص القسريّ يمثّل في أخفّ الأحوال حطّا من الكرامة البشريّة واعتداء على الحرمة الجسدية. توصيف ينسجم مع تعريف اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب المنبثقة على اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها تونس منذ سنة 1988 والبروتوكول الاختياري التابع لها الذي يعتبر الفحص الشرجي القسري شكلا من أشكال المعاملة القاسية والمهينة التي يمكن أن ترقى لمستوى التعذيب.

فضلا عن ذلك، اعتبرت عمادة الأطباء في 3 أفريل 2017 أنّ الالتجاء للفحوص الشرجية اعتداء على الكرامة الإنسانية. ودعت منظوريها من الأطباء الذين يتم تسخيرهم قضائيا لإجراء تلك الفحوص لتنبيه من يخضعون لها بشكل صريح لحقهم في رفض ذلك. ولئن لم تطالب العمادة في بلاغها الأطباء بالامتناع مستقبلا عن إجراء الفحوص الشرجية على عكس نقابة الأطباء في بيروت التي هددت منذ 2012 أي طبيب يلجأ إليه بالملاحقة التأديبية، فإنّ هذا الموقف مثّل حينها نقلة نوعيّة وخطوة أولى في مسار انخراط الأطباء في القضاء على “فحوص العار”.

توجّه تبنّته لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة (كوليب) في 2018 حين اقترحت بصفة أصليّة حذف تجريم المثليّة الجنسيّة عبر الفصل 230 من المجلة الجزائية، واحتياطيا الإبقاء عليه مع تعويض العقوبة السجنيّة بخطيّة مالية ومنع إثباتها عن طريق الفحوص الطبيّة. وقد برّرت اللجنة حينها اختيار منع الفحص الطبي عوض اشتراط الموافقة المكتوبة والصريحة للمعني بالأمر “بأنّ هذه الموافقة يمكن أن تنتج عن ضغط مادّي أو معنوي أو عن مغالطة”، فضلا عن ضعف حجّية الفحص الشرجي من وجهة النظر العلميّة والتمييز الذي يسبّبه بين ضحايا تجريم المثليّة الجنسيّة أنفسهم.

علاوة على ذلك، يعدّ الفصل 230 من المجلة الجزائيّة المجرّم للمثلية الجنسية، والذي يمكن على أساسه اعتماد الفحص الشرجي كوسيلة لإثباتها نصّا لادستوريّا بالنظر لدستور 2014 وخاصّة الفصول 23 و21 و24 و49 منه والتي تحمي الحقّ في يكرامة الذات البشريّة وحرمة الجسد والحياة الخاصّة. كما يخالف بدوره أحكام الفصول 22 و23 و25 و26 و30 و55 من دستور سعيّد نفسه، باعتباره استنسخ جلّ أحكام دستور 2014 في خصوص باب الحقوق والحريّات، ناهيك عن مخالفته للمعاهدات الدولية المتعددة التي صادقت عليها تونس.

مع ذلك، يتواصل اعتماد الفحص الشرجي لإثبات جريمة “اللواط” ويتمّ أحيانا اعتماد رفض الخضوع للفحص لإقامة الدليل على “الجريمة” وهو ما حصل خلال سنة 2020 في حق شابين توجّه أحدهما لتقديم شكاية ضدّ الآخر في مركز الشرطة لاسترجاع حقّه فارتأى أعوان الأمن تتبعهما على معنى الفصل 230 من المجلّة الجزائية على أساس مظهرهما، في ما عرف إعلاميا بقضيّة الكاف. حتى التزام الدولة التونسية أمام مجلس حقوق الإنسان في 2017، على لسان الوزير الأسبق المهدي بن غربيّة، بالتخلي عن الفصوص الشرجيّة، أضحى هو الآخر “من عداد الماضي”، في سياق اشتداد الخناق على أصحاب التوجّه الجنسي أو الهويّة الجندرية غير النمطيّة.

تنكيل مضاعف بالعابرات

بالتزامن مع حملة الإيقافات السياسيّة للمعارضين، كانت جمعية دمج في حالة استنفار، جرّاء كمّ من طلبات النجدة والمساعدة القانونيّة التي وصلتها من ذوي الجنسانيّة  غير النمطيّة. رصدت الجمعيّة في بيانها حالات عديدة، من بينها مداهمة منزل 3 عابرات جندريا فجر يوم 13 فيفري 2023 وإجبارهنّ على التوقيع في محاضر دون تلاوتها ومنعهنّ من الاتصال بمحام والاعتداء عليهنّ بالعنف والتنكيل في مركز الاحتفاظ ببوشوشة حيث وقع تهديدهنّ بحلق شعرهنّ قسريا وتمّ احتجازهنّ في المرحاض عند زيارة الوفود الزائرة من المنظمات الحقوقية لكي لا يتسنّى لهنّ الإدلاء بشهادتهنّ. حلق الشعر، حين يتعلّق الأمر بعابرة جندريا، ليس مجرّد إجراء روتيني، وإنما يشكّل في حدّ ذاته عقوبة لا تقلّ قسوة عن السجن. نفس الممارسات القمعيّة سُجّلت في حق العابرة جندريّا “بومبا” وصديقتها حيث تمت مداهمة منزلها على خلفيّة بث برنامج الحقائق الأربع حول عاملات الجنس ووقع الاعتداء عليهما بالعنف لدى رفضهما الإمضاء على المحاضر دون حضور محام وإيداعهنّ بالسجن المدني بالمرناقية في مرحلة أولى على أساس تهمة المراودة. وقد حكم على بومبا بـ 8 أشهر سجنا، نزلت بعد الاستئناف إلى 3 أشهر سجنا، على معنى الفصل 230 المجرّم للمثليّة الجنسية. بومبا أكّدت بعد إطلاق سراحها، المعاملة السيّئة والتمييزيّة داخل السجن، بلغت حدّ تعرّضها داخل السجن إلى عمليات تحرّش جنسي من أحد الأعوان.

ليست بومبا حالة معزولة في سجلّ الأحكام القضائية القاسية التي طالت ذوي الجنسانيّة غير النمطيّة. من أبرزها في الفترة الأخيرة الحكم الصادر بتاريخ 27 فيفري 2023 عن محكمة الاستئناف بنابل في حقّ العابرة جندريا مايا لمدة 6 أشهر على أساس الفصل 230 من المجلة الجزائية، بعد أن حكمت ابتدائية قرمبالية عليها بأقصى عقوبة ممكنة (3 سنوات). مايا، التي خضعت لذات الممارسات من ترهيب وتخويف وحلق شعر قسريّ في السجن المدني بمرناق، استرجعت حريّتها بتاريخ 17 مارس 2023 بعد قبول مطلب السراح الشرطي المقدّم بحقها بعد انقضاء نصف المدة السجنية. هذا التعامل القضائي ليس استثنائيّا، حيث لاحظ د. وحيد الفرشيشي أنّ تطبيقات الفصل 230 من المجلة الجزائيّة تختلف باختلاف درجة التقاضي، فعادة ما تكون الأحكام الابتدائية قصووية، تنضاف لها أحيانا عقوبات تكميلية على غرار عقوبة تحجير الإقامة كما حصل في قضية القيروان الشهيرة، في حين تذهب الأحكام الاستئنافية عموما إلى التخفيف، حيث يكون معدّلها 6 أشهر، لكن من دون القضاء بعدم سماع الدعوى.

ويعتبر الفرشيشي في تصريح للمفكّرة أنّ “ما يحصل في حقّ العابرين/ات جندريّا في تونس يعدّ جريمة” مفسّرا هذا التوصيف بأنّ رحلة المعاناة تنطلق من المضايقات في الطريق العامّ إلى غاية تنفيذ العقوبة. في الواقع، يعيش العابرون/ات في تونس مخفيي الهويّة باعتبار أنّ أي سلوكات تعبّر عن هويّتهم الجندريّة في الفضاء العامّ تجعلهم عرضة لمضايقات وتهديد وابتزاز من البوليس. فعادة، لا تكون بحوزتهم بطاقات هويّة، بما أنّ هويتهم القانونية لا تتطابق مع هويتهم الجندرية. وهو ما يجعل اللحظات الأولى للتواصل مع السلطات إشكاليا، كما يزيد الأمر تعقيدا بوجودها إذ انّ الهويّة المرسّمة على البطاقة لا تتطابق مع هيئة المعني/ة وتتحوّل بذلك لتعلّة للتحرّي معهم.

في هذا الصدد يؤكّد الفرشيشي أنّ العابرين/ات جندريّا عادة ما تتمّ مضايقتهم وحتّى إيقافهم على أساس الاشتباه في سلوكهم أو هيئتهم وعادة ما يكونون فرادى، ونادرا جدّا ما يتمّ ضبطهم متلبسين بجرم ما. كما أنّ سيرورة البحث ترتبط هيكليّا بهيئة الشخص، حيث يكون أساس البحث في العادة الفصل 226 من المجلة الجزائية، أي “التجاهر عمدا بفحش” أو الفصل 226 مكرّر، أي “الاعتداء علنا على الأخلاق الحميدة[1] والتجاهر بما ينافي الحياء” و”لفت النظر علنا إلى وجود فرصة لارتكاب فجور”. كما يستعمل أحيانا الفصل 230 من المجلّة الجزائيّة، الذي وضعه المستعمر لتجريم المثليّة الجنسيّة أسوة بالقانون الفرنسي آنذاك[2]، ضدّ العابرات. ولا يمنع ذلك من إرداف بعض الجرائم الأخرى المندرجة ضمن باب “التحريض على فعل الخناء”.

حتى حين يكون العابرون/ات في موقع المتضرر، تتواصل الانتهاكات ضدّهم، حيث لا يتم التحقيق في معظم الأحيان في الجرائم التي يتعرّضون لها على أساس كراهية العابرين/ات، وتعمد الشرطة لإجبارهم على إسقاط الشكاوى عبر التهديد بملاحقتهم بتهمة الفصل 230 من المجلّة الجزائيّة. وقد حصل ذلك مؤخرا مع العابرة جندريا ريتّا التي تعرّضت إلى اعتداء بواسطة قارورة زجاج مكسورة على وجهها، وعندما توجّهت إلى مركز الأمن، تغيّرت معاملة الأعوان معها بمجرّد اكتشاف أنّها مسجّلة في وثائق الهوية كذكر، ليتمّ في المقابل إطلاق سراح المعتدي عليها. 

الملاحقات الجزائيّة ليست التمييز القانوني الوحيد ضدّ العابرين والعابرات، الذين لا يستطيعون تغيير جنسهم على وثائق الهوّية في غياب نصّ يبيح ذلك، في ظلّ تعامل قضائي يجنح في معظم الأحيان نحو المنع، باسم حماية “أخلاق المجتمع” من ظواهر تهدّد الأسرة وتتعارض مع الشريعة الإسلاميّة.

فقد اعتبرت محكمة الاستئناف بتونس في حكم لها أنّ “التغيير الاصطناعي” للجنس كان “متسرّعا وكان على المتقاضي أن يتلقى علاجا نفسيا حتى يجد توازنه النفسي لأنه في نظر القاضي قد « خالف الموروث الحضاري والأخلاقي لهذه الأمة وهو ما يعبر عنه قانونا بالنظام العام والأخلاق الحميدة”[3]. كما اعتبرت المحكمة الابتدائية ببن عروس في قرار لها أنّ تغيير الجنس “يشجّع على التخنّث الاصطناعي… إضافة إلى أنه يسمح بالتصرّف في الجسم البشري لكونه يمكّن الشّخص من تغيير جنسه كيف ومتى شاء وهو ما يتنافى والقانون الوضعي والشريعة الإسلامية”[4].

في المقابل، صدر حكم قضائي سنة 2018[5] بخصوص العبور الجنسي مكّن المدّعية “لينا” من تغيير جنسها واسمها إلى “ريان”[6] مع الإذن لضابط الحالة المدنية على التنصيص بذلك بدفاتره وذلك بعد توصل المحكمة بناء على تقارير طبيبيْن شرعي ونفسي إلى نتيجة مفادها أنّ المدعية تعاني من “اضطراب الهوية الجنسيّة”. لئن قطع الحكم مع التمشي السائد الرافض لتغيير الجنس مستندا بذلك إلى الحقوق التي ضمنها دستور 2014 والمواثيق الدولية، فإنّه ارتكز في الآن ذاته إلى قاعدة أصولية واردة في التشريع الاسلامي مفادها أنّ “الضرورات تبيح المحظورات” مبرزا في هذا الصدد أنّ الحالة النفسية للينا دفعتها لمحاولة الانتحار الأمر الذي يترتب عليه الإقرار بوجود حالة ضرورة ترفع المحظور[7]. في هذا الصدد، يشير د. محمد أمين الجلاصي “أنّ القاضي وضع شروطا للسماح بتغيير الجنس في حالة الضرورة وذلك بعد استشارة أخصائي نفسي، وذلك لتأمين “الانسجام بين المظاهر الجسمية الظاهرة لدى المريض وبين الجنس الذي أثبتت الخبرة الطبية الموثوق بها أنه ينتمي إليه وفقًا لهذه المظاهر ولهذه التغيرات”. إلاّ أنّ هذا الاجتهاد القضائي بقي معزولا، حيث عادت المحكمة الابتدائيّة بتونس في 9 ماي 2023 إلى رفض دعوى العابر جنسيا أحمد التونسي لتغيير جنسه من أنثى إلى ذكر، وتغيير إسمه من سارة إلى أحمد، على الرغم من تقديمه لشهادة طبيّة من طبيب نفسي تؤكّد هويّته الجندريّة.

في الواقع، تعيش الأقليّات الجنسيّة في تونس تحت وطأة ثالوث مدمّر، إذا ما اجتمعت أركانه كان ضحيته حتما المثليون والمثليات والعابرون والعابرات. أساسه الأوّل قانون جائر، ذراعه الثاني بوليس قمعي وسيفه القاطع قاض لا يجتهد ولا يرى نفسه كحام للحقوق والحريّات.

رهاب الاختلاف ينضاف للعنصريّة

لأنّ الفاشية لا تستثني أحدا ولأنّ أضعف الحلقات هي دائما الأكثر تضررا من الأزمات، عانى مهاجرو/ات جنوب الصحراء من مجتمع الميم-عين+ ويلات البلاغ العنصري الصادر عن رئيس الدولة، بعد اجتماع مجلس الأمن القومي بتاريخ 21 فيفري 2023 والذي اعتبر أنّ الهجرة “ترتيب اجراميّ تمّ إعداده منذ مطلع هذا القرن لتغيير التركيبة الديمغرافيّة لتونس”، في إطار مخطّط مرتّب من جهات خارجيّة لـ “توطين” المهاجرين/ات وتهديد الانتماء العربي الإسلامي للبلاد، في تبنٍّ مخجل لمقولة “الاستبدال الكبير” المؤامراتية ووصم لـ “جحافل المهاجرين الغير نظاميين” بـضلوعهم في “العنف وجرائم وممارسات غير مقبولة”.

حملة التأثيم والتجريم الجماعي لمهاجري.ات جنوب الصحراء ألقت بعواقبها على ذوي الجنسانية غير النمطيّة الحاملين.ات لصفات طالبات وطالبي اللجوء واللاجئين.ات+ الذين اختاروا تونس كملجأ لهم، حيث طالتهم اعتداءات من قبل أنفار تونسيين في مرحلة أولى ومن قبل الشرطة لاحقا في 20 و23 فيفري 2023. من بينها اعتداء صاحب بيت بمنطقة أريانة على متسوغيه حيث قام بخلع الباب عنوة رفقة أنفار آخرين موجهين للمتواجدين/ات بالبيت وابل عبارات العنصريّة والكراهية على أساس الهوية الجندرية. كلّ هذا أمام غياب تامّ للبوليس الذي قام إبّان حضوره باعتقال 36 من الضحايا والتنكيل بهم والسخرية من العابرات جندريا منهن بسبب لباسهنّ وإحالتهنّ على القضاء رغم استظهارهن بالبطاقات الرسمية التابعة للمفوضية السامية لحقوق اللاجئين والتي أشار بيان لجمعيّة دمج أنه أتلف بعضها وتم إخفاء بعضها الآخر.

ولعلّ ما يفاقم الهشاشة المضاعفة للأقليّات الجنسيّة من جنوب الصحراء المقيمين بتونس، بطء وفي أحيان كثيرة غياب الحماية الاجتماعية والمساعدة لطالبي وطالبات اللجوء من قبل المفوضية السامية لحقوق اللاجئين. وهو ما جعل المعنيين ينشرون عريضة لمطالبتها بالوفاء بوعودها وتدارك النسق البطيء لمعالجة القضايا، وسحب ملفات طالبي اللجوء من ذوي الجنسانية غير النمطيّة من أيدي “موظفي المفوّضيّة الذين يحملون رهاب المثلية الجنسية والعابرين.ات جنسيًا”.

شعبويّة سعيّد لا تستثني رهاب المثليّة

حين سئل قيس سعيّد كمترشّح للانتخابات الرئاسيّة، في حوار على الشارع المغاربي، إن كان “مع أم ضدّ إلغاء الفحص الشرجي؟” أجاب: “القضية أعمق من الشرج … لماذا يحصل الشواذ على الدعم من الخارج؟ لضرب الأمة وضرب الدولة، أذكر أنّ مجموعة من الطلبة منذ 3 سنوات تقريبا طلبت مني أن أتدخل لأن أحد الطلبة الذكور تم إغراؤه بالمال وصار يتزين كما تتزين البنات وتحصّل على المال من جهات أجنبية… يعني العملية مقصودة وقيل لي أنّ بعض المنازل يتم تسويغها من قبل جهات أجنبية..الشواذ موجودون عبر التاريخ ولكن هناك من يسعى إلى أن يكون هناك شذوذ وأن ينتشر هذا الشذوذ الجنسي”. وحين سئل إن كان “سيكون له موقف من الجمعيات التي تدافع عن الأقليات الجنسية وأن يطالب بحلها مثلا؟ قال “أنا عندي مشروع لإيقاف دعم كل الجمعيات سواء من الداخل او من الخارج لأنها مطية للتدخل في شؤوننا”.

لا يمكن تناول موقف سعيّد كمترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2019 وحده للجزم بأنّ الحملة الأمنيّة الأخيرة هي تطبيق لسياساته. إلاّ أنّ هذا المعطى مهمّ لفهم مقاربته للمختلف فهو إمّا “شاذّ” وجب رفضه أو أداة في مؤامرة يجب الكشف عنها. وهي ذات المقاربة الثنائيّة الصمّاء التي تعامل بها مع ملفّ المهاجرين من جنوب الصحراء، فهم إمّا ضالعون في مؤامرة “لتغيير التركيبة الديموغرافية للشعب” يجب إيقافهم أو ضحايا لشبكات اتجار بالبشر يجب إنقاذهم… عبر إرجاعهم إلى بلدانهم. من جهة أخرى، خطاب سعيّد المترشّح ينصبّ تماما في سرداب الشعبويّة التي لا تقتصر على إقصاء النخبة ورفضها فقط بل تتسع لتشمل إقصاء التنوّع داخل المجتمع ذاته. فرفض الاختلاف هو كنه الأمّة -كما كرّسها بدستوره- ككيان منسجم، فهي تتضامن في ما يوحّدها نافية ما يهددها من اختلافات، تكون الجنسانيّة على رأسها.

سنح المناخ الديمقراطي خلال العشريّة السابقة ببناء خطاب حقوقي متجذّر في ثوابت حقوق الإنسان القائمة على المساواة الشاملة والفعليّة وعلى حريّة الفرد في الاختيار. فبرزت أصوات شرسة متبنية لقضيّة حقوق الأقليّات الجنسيّة، وتمّ التقدّم بعض الخطوات في تكريس وعي مجتمعي وأحيانا قضائي بخصوصها، على الرغم من الفشل في تنقيح الترسانة التشريعية المجرّة للحريّات الفرديّة وللتنوّع. بوادر مكتسبات تلوح اليوم مهدّدة في ظلّ طغيان الخطاب المعادي للحريّات وانفلات أيادي القمع لتطال الجميع وعلى رأسهم الفئات الأكثر هشاشة في تونس.


[1] سنة 2016 قامت دوريّة بإيقاف شاب عىل أساس الاعتداء على الأخلاق الحميدة وذلك بسبب ارتدائه لزيّ نسائي.

[2] رامي خويلي، دانييل ليفين سباوند، الفصل 2ً30: تاريخ من تجريم المثلية الجنسية في تونس، ترجمة حمزة نصري، 2019.

[3] محمد أمين الجلاصي، دراسة المحقرون في القانون التونسي، تونس 2018، ص 19.

[4] نفس المرجع السابق

[5] حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بتونس عدد 12304 صادر في 9 جويلية 2018.

[6] قامت المدّعية سابقا بالخضوع إلى العلاج الهرموني والجراحة في ألمانيا حكمين قضائيين في \ألمانيا يتعلقان بتغيير الجنس والاسم.

[7] العميد سامي البسطنجي،” نحو إرساء مركز قانوني للمتحولين جنسيّا” مؤلف جماعي “الحريّات في قفص الإتهام”، تونس 2021، ص 347.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية