ازدواجية المعايير في قرارات رئيس الجمهورية: إعفاء بدري ضاهر يحتاج إلى مرسوم مجلس الوزراء أما إعلان الطوارئ فمرسوم جوّال أو مذكرة إدارية


2020-10-05    |   

ازدواجية المعايير في قرارات رئيس الجمهورية: إعفاء بدري ضاهر يحتاج إلى مرسوم مجلس الوزراء أما إعلان الطوارئ فمرسوم جوّال أو مذكرة إدارية
تصوير ماهر الخشن

خلال الأسابيع المنصرمة، قام رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بتوقيع مراسيم اعفاء المدير العام للجمارك، والمدير العام للنقل البري والبحري، ورئيس اللجنة المؤقتة لإدارة واستثمار مرفأ بيروت من مهام وظائفهم، ووضعهم بالتصرف. وقد رفع رئيس الحكومة مشاريع المراسيم هذه إلى رئيس الجمهورية من أجل اصدارها كي تصبح نافذة وتتخذ مفاعيلها القانونية الكاملة. لكن مع مرور الوقت، تبيّن أن رئيس الجمهورية لم يوقع عليها وظلت في أدراج رئاسة الجمهورية ما أثار سخط الرأي العام الذي ينتظر محاسبة المسؤولين عن جريمة انفجار مرفأ بيروت.

ونتيجة للاعتراض المتزايد على موقف رئيس الجمهورية الذي كما بات واضحا للجميع يرفض اصدار المراسيم، صدر بتاريخ 5/10/2020 بيان عن رئاسة الجمهورية يشرح الأسباب التي أملت على الرئيس عون اتخاذ هذا الموقف الذي تم تظهيره بلبوس موضوعي يستند إلى اعتبارات قانونية صرفة.

وبالفعل جاء في البيان أن رئيس الجمهورية استند إلى رأي هيئة التشريع والاستشارات رقم 882/2020 تاريخ 28/9/2020 التي اعتبرت أن المراسيم المذكورة “لم تتخذ في مجلس الوزراء، إذ لم يتم عرضها عليه، في حين يُستفاد من المادة 3 من مشروع القانون الموضوع موضع التنفيذ بالمرسوم الرقم 3169 تاريخ 29/4/1972 أن مرسوم إعفاء الموظف من الفئة الأولى من مهام وظيفته ووضعه تحت تصرف رئيس مجلس الوزراء يجب أن يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير المختص، وبأكثرية الثلثين من أعضاء المجلس عملا بمبدأ موازاة الصيغ، طالما أنّ تعيين موظف من الفئة الأولى يتم بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، بناء على اقتراح الوزير المختص بأكثرية الثلثين، على ما تنص عليه صراحة المادة 65 من الدستور”.

وبعد هذا التبرير الدستوري السليم تعلن رئاسة الجمهورية بكل ثقة أنه “وعملا بأحكام الدستور والقوانين المرعية، لن يقدم رئيس الجمهورية على توقيع أي من مشاريع المراسيم هذه، طالما أنه لم تصدر قرارات بشأنها إسميا وفرديا من مجلس الوزراء”.

الملاحظة التي تفرض نفسها تعليقا على هذا البيان لا تتعلق بمدى صوابية الحجج القانونية التي وردت فيه. فالتعليل الذي يستند عليه رئيس الجمهورية صحيح من الناحية الدستورية، إذ ان وضع موظفي الفئة الاولى بالتصرف يحتاج إلى مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، ولا بدّ، عملا بالمادة 65 من الدستور كما جرى تعديلها سنة 1990، من الحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء كون ذلك يعتبر من ضمن المواضيع الأساسية التي نصت عليها الفقرة الأخيرة من المادة 65 .

وقد أضاف البيان أنّ “قرار مجلس الوزراء رقم 14/2020 القاضي بالموافقة على وضع جميع الموظفين من الفئة الأولى والذين تقرر أو سوف يتقرر توقيفهم بتصرف رئيس مجلس الوزراء، بعد إعفائهم من مهام وظائفهم، يمكن وصفه، عملا بالإستشارة المذكورة، بالقرار المبدئي أو المرجعي، الذي لا يغني عن صدور مراسيم فردية إسمية عن مجلس الوزراء”. وهذا التعليل القانوني سليم أيضا إذ أن قرار وضع كل من جرى توقيفه من الموظفين بترف رئيس الحكومة هو قرار سياسي اتخذه مجلس الوزراء وهو أشبه بخطة ألزمت الحكومة نفسها بها على أن يتم ترجمتها قانونيا لاحقا بإصدار مراسيم فردية تتعلق بكل حالة على حدة.

وهنا لا بد من التذكير أيضا بالبيان السابق الذي صدر في 12 أيلول الماضي عن رئاسة الجمهورية والذي أعلن أن رئيس الجمهورية لم يرفض “توقيع مرسوم اعفاء السيد ضاهر، لكنه طلب، عملا بمبدأ المساواة، اصدار جميع المراسيم المتعلقة بالموظفين المعنيين بقرار مجلس الوزراء” أي أن رئاسة الجمورية كانت ترى حينها أن التوقيع على المرسوم هو جائز لكن لا بدّ من إصدارها كلا دفعة واحدة، بينما هي الآن (أي بعد إرسال مشاريع مراسيم بالأسماء المطلوبة) تتخذ موقفا مغايرا برفض التوقيع بحجة صحيحة قوامها أن ذلك يتطلب موافقة مجلس الوزراء.

جراء ما تقدم، ما يثير الإستغراب لا بل الدهشة في بيانات القصر الجمهوري هو المعايير المزدوجة التي باتت تتحكم بمواقف رئيس الجمهورية (وهي ازدواجية كانت المفكرة القانونية وثقتها من قبل بما يتصل بتبرير رد التشكيلات القضائية) بحيث يتم الإستناد إلى الحجة القانونية فقط عندما يكون في ذلك فائدة سياسية. فالمنطق الدستوري نفسه الذي برر به رئيس الجمهورية رفضه لتوقيع هذه المراسيم ينطبق بكليته على تمديد حالة الطوارئ التي حصلت أول مرة بموجب المرسوم رقم 6881  الصادر في 18/8/2020 والذي لم يتم إقراره في مجلس الوزراء بل تم الاكتفاء بالحصول على موافقة استثنائية من رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء كون الحكومة في حالة تصريف أعمال ولا يمكن لها الاجتماع علما أن حالة الطوارئ تحتاج عملا أيضا بالفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور هي الأخرى إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء. فكيف وافق رئيس الجمهورية على توقيع مرسوم تمديد حالة الطوارئ دون الرجوع إلى مجلس الوزراء بينما هو الآن يرفض توقيع مراسيم إعفاء الموظفين بحجة ضرورة الحصول على موافقة مجلس الوزراء. ولماذا لم يقم رئيس الجمهورية بإعطاء الموافقة الاستثنائية بالاتفاق مع رئيس الحكومة كي يصدر مرسوم الوضع بالتصرف دون الحاجة إلى اجتماع مجلس الوزراء؟ فإذا كان رئيس الجمهورية يعتبر أن تمديد حالة الطوارئ، وهو أكثر خطورة بكثير من الوضع بالتصرف الذي سبق لمجلس الوزراء أن أقره كخطة عمل مستقبلية، لا يحتاج إلى اجتماع مجلس الوزراء، ألا يجب أن ينسحب الأمر نفسه على مراسيم إعفاء الموظفين؟ أم أن إعفاء موظفين هو بعرفه أكثر خطورة من إعلان الطوارئ، وهو الأمر الذي يتعارض مع الحدّ الأدنى من المنطق؟

أن البيان الجديد الصادر عن رئاسة الجمهورية هو بالغ الأهمية كونه يشكل إدانة لتمديد حالة الطوارئ من دون موافقة مجلس الوزراء، وهو اعتراف بأن كل إجراء يتم اتخاذه استنادا إلى موافقة استثنائية تحل مكان موافقة الحكومة هو خرق صريح للدستور. بالفعل، “من فمك أدينك” هذه هي الحكمة التي نستخلصها من بيان رئاسة الجمهورية، والتي يفترض أن تضمن للمفكرة القانونية نجاحها في المراجعة التي تقدمت به لإبطال مرسوم إعلان الطوارئ.

انشر المقال

متوفر خلال:

تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *