إنضمام لبنان إلى المنظمة الدوليّة للهجرة: خدمات لتخفيف أعداد اللاجئين والعمال المهاجرين في لبنان؟

إنضمام لبنان إلى المنظمة الدوليّة للهجرة: خدمات لتخفيف أعداد اللاجئين والعمال المهاجرين في لبنان؟

من أهم البنود الواردة على جدول أعمال الهيئة العامة للمجلس النيابي، إنضمام لبنان إلى المنظمة الدولية للهجرة. يذكر أن هذه المنظمة أنشأها عدد من الدول في سنة 1951 بغرض تقديم خدمات للدول لإدارة الشؤون المتعلقة بالهجرة. في العام 2016، أصبحت هذه المنظمة منظمة “مرتبطة” بالأمم المتحدة بموجب اتفاق تعاون بين المنظمتين، ولا تخضع لآليات الرقابة العائدة للأمم المتحدة أو لقرارات الجمعية العمومية. وهي تضم حالياً 173 دولة. وقد تعاظم دور هذه المنظمة، خاصة بعدما أصبحت إشكاليات الهجرة ضمن أوليات السياسات العالمية، وبعدما كلّفتها الأمم المتحدة بمهام تنسيق الجهود الدولية المتعلقة بالهجرة.

وفقاً للأسباب الموجبة لمشروع القانون، افتتحت المنظمة مكتباً لها في لبنان بعد عدوان تموز 2006 ويبلغ عدد العاملين فيها 10 أجراء أجانب و325 أجيراً لبنانياً. وهي عملت على تقديم المساعدات للنازحين اللبنانيين الذين تأثروا بالحرب، وتعمل في مجالات عديدة تعنى بالنزوح والهجرة. وهي تساهم في تنظيم إجراءات السفر للاجئين في لبنان بهدف إعادة توطينهم إلى دول أخرى (من ضمنهم 100 ألف سوري)، بالإضافة إلى مساعدة الأجانب في العودة إلى بلادهم.

يبرر مشروع القانون أهمية الإنضمام إلى هذه المنظمة بأمرين: الأول، هو “تنظيم العلاقة معها ورفع مستوى التعاون الثنائي إلى آفاق جديدة”، والثاني هي الإمتيازات والتقديمات والصلاحيات التي يستفيد منها أعضاء هذه المنظمة كالإستفادة من التقديمات المادية الآتية من برامج الدعم الخاصة بالمنظمة أو صندوق التنمية الخاص بها.

في المقابل، شددت الدولة اللبنانية في طلب الإنضمام على عدم المساس “بحق الدولة السيادي في تحديد الأولويات الوطنية والسياسات المتعلقة بالهجرة وإدارة شؤونها” و”عدم إنشاء أي إلتزامات جديدة بموجب القانون الدولي فيما يتعلق بإدماج المهاجرين في البنية الإقتصادية والإجتماعية في لبنان”.

وبعدما وافق مجلس المنظمة على طلب لبنان الإنضمام إليها في شهر تشرين الثاني 2019، أقرّت لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين في مجلس النواب مشروع القانون بتاريخ 21/5/2020 كما ورد لها من الحكومة.

بغض النظر عن مدى استفادة لبنان مادياً وتقنياً من الإنضمام إلى المنظمة، نسجّل في هذا الإطار الملاحظات التالية:

  • تتعرّض منظمة الهجرة الدولية للعديد من الانتقادات بسبب دورها في إدارة شؤون الهجرة. فهي تطرح نفسها على أنها تعمل على ضمان إدارة الهجرة بشكل منظم وإنساني على مستوى دولي. إلا أنها ليست منظمة إنسانية أو حقوقية، بل هي أشبه بشركة خاصة تقدّم خدمات للدول في مجال إدارة الهجرة وفقاً لإلتقاء المصالح بين الدول المعنيّة بكل بلد. وغالباً ما اتخذت أعمالها طابعاً معارضاً لحرية الهجرة والتنقّل من خلال ردع الهجرة غير الشرعية وتشجيع عودة المهاجرين إلى بلادهم.
  • لقد غابت المقاربة الحقوقية عن عمل منظمة الهجرة الدولية لسنوات عديدة، حيث غالباً ما نفّذت سياسات الحكومات بمعزل عن مدى قانونيّتها أو مدى انتهاكها لحقوق المهاجرين. لذا، وُجهت لها انتقادات بتغليب مصالح ومطالب الحكومات، وخاصة الحكومات الممولة لعملها (أبرزها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي)، على مصلحة الأجانب والمهاجرين وحقوقهم. وهي تشهد منذ بعض السنوات تحوّلات من أجل تحسين أساليب عملها في هذا الإطار بهدف ضمان احترام أعمالها لمبادئ حقوق الإنسان، لا سيما في مجال الإتجار بالبشر. وقد ساهمت المنظمة بالتنسيق مع وزارة العدل اللبنانية في العام 2018 في تحضير مشروع لتعديل قانون مكافحة الإتجار بالأشخاص (القانون رقم 164/2011). يعزز هذا المشروع آليات حماية ضحايا الإتجار بالبشر في لبنان. لكنه يبقى دون التوقعات لجهة تجريم العمل القسري ومراجعة الأنظمة القانونية اللبنانية التي تسهّل الإستغلال، كأنظمة الكفالة والعمل المنزلي وتأشيرات الدخول للفنانات الأجنبيات العاملات في الملاهي الليلية.
  • من أبرز الانتقادات التي وجهت إلى المنظمة هو مدى التزامها باحترام حقّ اللجوء ومبدأ “عدم الإعادة القسرية” Principe de non-refoulement. هذا المبدأ المكرّس في الأعراف الدولية والقانون اللبناني يحمي الأجنبي من الترحيل إلى بلد يخشى فيه على حياته أو حريته.[1] طرحت هذه التساؤلات في إطار دعم المنظّمة للحكومات في ضبط الحدود وإدارة مراكز احتجاز الأجانب، كما في إطار تنظيمها لعمليات “العودة الطوعية” التي غالباً ما تشجع الأجانب، لا سيما المحتجزين منهم، على التنازل عن حقهم في اللجوء والموافقة على العودة إلى بلادهم كالحل الوحيد لخروجهم من مراكز الإحتجاز أو المخيمات المغلقة. على سبيل المثال، كانت المنظمة قد ساهمت في العام 2007، بالتنسيق مع الدولة اللبنانية والسفارة العراقية، على ترحيل المئات من اللاجئين العراقيين من السجون اللبنانية إلى العراق تحت شعار “العودة الطوعية”، في حين كانوا محتجزين تعسفاً وبدون سند قانوني من قبل المديرية العامة للأمن العام بهدف الضغط عليهم للعودة إلى العراق في ذروة الحرب. وتوقفت هذه العمليات بعد اعتراضات المنظمات الحقوقية ومنها جمعية “روّاد فرونتيرز” و”هيومن رايست ووتش“. كما وجّهت انتقادات مشابهة لعمليات العودة الطوعية التي سهّلتها المنظمة حديثاً في تركيا واليونان.
  • وفي ليبيا، وُجّهت انتقادات عديدة لدور منظمة الهجرة الدولية في دعم سياسات السلطات الليبية والإتحاد الأوروبي بمنع المهاجرين من الوصول إلى الأراضي الأوروبية. وتتجلّى هذه السياسات في إعادة المهاجرين إلى ليبيا بعد اعتراض مراكبهم في البحر الأبيض المتوسط واحتجازهم لآماد طويلة في مراكز احتجاز لا تتوفر فيها أدنى الشروط الحياتية والصحية وتسيطر عليها الميليشيات الليبية، مما يسهّل عمليات تعذيب المهاجرين وتسخيرهم في العمل القسري والإتجار بهم وصولاً إلى التسبب بمقتلهم.

خلاصة

في الخلاصة، يعود للدولة اللبنانية تقرير كيفية استفادتها من خدمات الهجرة التي تقدّمها منظمة الهجرة الدولية. ويجمع المراقبون والحقوقيون على ضعف سياسات الهجرة واللجوء التي يعتمدها لبنان، كونها غالباً ما تخالف القوانين والدستور، ولا تحترم حقوق الأجانب، وتتسم بالضبابية وقلة الوضوح، وتفتح المجال واسعاً لاستغلال العمال الأجانب إلى درجة تقارب الإستعباد. وقد تفاقم ذلك بشكل كبير مع اشتداد الأزمة الإقتصادية والإجتماعية. كما برز من قضية عمّال شركة “رامكو” وأعداد عاملات المنازل المحتجزات كالرّهائن في منازلنا بدون رواتب وبدون آفاق واضحة للعودة إلى بلدانهنّ مع مستحقاتهنّ.

لذلك، نأمل أن يساهم انضمام لبنان إلى منظمة الهجرة الدولية في أمرين:

  • الأول، استفادة لبنان من هذه الشراكة من أجل تطوير سياساته المتعلقة بالهجرة واللجوء. واستخدام الموارد التي تقدمها المنظمة للبنان من أجل تحسين الإطار القانوني والممارسات في هذا الإطار بهدف ضمان العيش الكريم والحماية من الإستغلال لجميع المقيمين على الأراضي اللبنانية.
  • الثاني، تمكين لبنان من التأثير على السياسات الدولية المتعلقة بالهجرة من داخل مجلس المنظمة، ومن مراقبة حسن عمل وأداء المنظمة، لا سيما بهدف حماية مصالح المجتمعات في منطقة البحر الأبيض المتوسط والبلاد العربية.


[1]  المادة 31 من قانون الدخول الى لبنان والخروج منه والإقامة فيه (ما يعرف بقانون الأجانب) والمادة 33 من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين للعام 1951، والمادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية للعام 1984.

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد البرلماني ، حقوق العمال والنقابات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *