قد تكون المرة الأولى التي نشهد فيها إعتصامات لعمال أجانب وبيانات تصدر عنهم احتجاجا على سوء معاملتهم في لبنان. وهذا الأمر إنما يؤشر إلى خطورة ما وصلنا إليه من استغلال جعل هؤلاء يشعرون أنه لم يعد لديهم ما يخسرونه. فالراتب الذي يتقاضونه بات ثلث ما كانوا يتقاضونه من قبل بعدما باشرت الشركة تسديده وفق سعر الصرف الرسمي الذي فرضه مصرف لبنان في المعاملات بين المصارف (والذي بات يقارب ثلث سعر السوق). وعليه، بات ما يتقاضونه مقابل عملهم زهيدا لدرجة أمكن معها الحديث عن عمل قسري (وهو أحد أشكال الإتجار بالبشر) أو عمل بالسخرة. وفيما هم يطالبون بمغادرة لبنان هربا من هذا الواقع (العمل القسري)، يجد مدير الشركة ما يبرّر استمرار استغلالهم بواقعة إغلاق المطار. فكأنما عدم قدرة الشركة على تسفيرهم يحتم عليها الإستمرار في استغلالهم عملا بمقولة: "ليس باليد حيلة". من هذه الزاوية، تبدو قضية "رامكو" وكأنها منعطف مرشّح أن يفتح ملف العمال والعاملات الأجانب، المقيمين منهم أو من قد نستقدمهم لاحقا، على مصراعيه (المحرر).

 

بدت الأجواء هادئة في حرم شركة رامكو لجمع النفايات يوم الأربعاء 13 أيار 2020، بعد تنفيذ العمال الأجانب فيها اعتصامًا نهار الثلاثاء رفضا لدفع أجورهم بالليرة اللبنانية، ومعه انتهاكات وُصفت بالجسيمة لحقوقهم وإنسانيتهم. وتداول ناشطون على مواقع التواصل الإجتماعي فيديو مصوّرا لهرج ومرج في باحة الشركة يظهر عناصر من مكافحة الشغب تفضّ اعتصام العمال في إثر استدعائهم من قبل الشركة إلى داخل المبنى الواقع على أوتوستراد المتن السريع. وعند المدخل الرئيسي للمبنى المخصص لمنامات العمّال وركن آليات جمع النفايات، يقف خمسة عمّال أجانب وحارسان من أمن الشركة. ولدى سؤالهم عن أسباب الإضراب، يأتي الجواب بتحفظ تام أنّه بسبب تقاضي الأجور بالليرة اللبنانيّة، وعما يساق بأن الشركة تنتهك الحقوق الإنسانيّة لعمّالها وهو أمر مبالغ به وفق ما قاله الحراس وهم من الجنسية اللبنانية.

نهار الثلاثاء 12 أيار، كان عشرات من عمّال الشركة يعتصمون من جرّاء تدهور أوضاعهم الإقتصادية بفعل إنخفاض قيمة رواتبهم بعد ارتفاع سعر صرف الليرة اللبنانية. وبدأت الشركة منذ تشرين الثاني 2019 دفع رواتبهم بالعملة اللبنانية، بعدما توقفت الدولة اللبنانية عن الدفع للشركة بالدولار. وتفيد المعلومات الأولية أنّ العمّال الذي باشروا اعتصامهم منذ الساعة الثالثة فجر الثلاثاء، أصّروا على منع آليات جمع النفايات من الخروج من المبنى بهدف التصعيد، علمًا أن جزءًا منهم بدأوا الإعتصام منذ نحو أسبوعين احتجاجًا على الأوضاع الإقتصادية. وكانت قد انتشرت فيديوهات اشتعلت على مواقع التواصل الإجتماعي، صُورت أثناء الإعتصام، وأظهرت عشرات من عمّال النظافة الغاضبين بلباسهم الرمادي، يتبادلون مع عناصر مكافحة الشغب الرشق بأدوات التنظيف. وينقل مدير شركة "رامكو" وليد بو سعد لـ "المفكرة القانونية" بأنّ الشركة طلبت تدخل قوى مكافحة الشغب بعد إصرار العمّال على منع الآليات من الخروج كون الشركة ملتزمة بتأمين الخدمة العامة التي لا يمكن أن تتوقف عن تأمينها".

وبعد مرور ساعات من انتهاء الإعتصام، انتشر على وسائل التواصل الإجتماعي بيان موقّع باسم "كافة العمّال في شركة رامكو"، يتطرق إلى تراكم أحداث واجهت العمال أدّت إلى غضبهم، مطالباً بتدخل السفارة البنغالية لحمايتهم. ويُظهر البيان تعرّض العمّال لسوء معاملة تنتج عنها "اعتداءات بالضرب، وحجز حرية بعضهم، وحجز الرواتب أو التأخر بدفعها، وحرمان العاملين من التغطية الصحّية". وقد ورد في البيان اتهامات خطيرة تجاه الشركة وحرّاس الأمن التابعين لها، منها طمس حادثة إنتحار أحد العمّال البنغاليين، وسجن عامل بنغالي يعاني من اضطراب عقلي في غرفة تحت الأرض لثلاثة أيّام من ثم محاولة قتله من قبل بعض عناصر الحرس التابعين للشركة؛ وهي اتهامات لم تتمكن "المفكرة" من التحقق من مدى صحتها. إضافة إلى حرمانهم من التغطية الصحّية، وتخويفهم بإعادتهم إلى بلادهم إذا احتجوا على أي أمر، أكد رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان FENASOLكاسترو عبد الله للمفكرة "أن عمالاً من الجنسية البنغالية يتعاونون مع الإتحاد بشأن قضايا العمال الأجانب أكدوا على حصول جميع هذه الإنتهاكات وما ورد في البيان بحق عمال رامكو، بعدما تواصلوا مع أقرانهم العاملين في الشركة" . وقال عبدالله أن دفع الشركة لرواتب العمال بالليرة اللبنانية يخفض الراتب من 350 دولاراً إلى مئة وعشرة دولارات أي إلى الثلث، وهذا مخالف لعقد العمل. ولا يتناسب مع طبيعة العمل والدوام.

وبعد انتشار فيديوهات لأحداث الغضب والقمع الذي مورس على العمّال من قبل عناصر مكافحة الشغب، نفّذ ناشطون وناشطات إعتصاما أمام مكاتب الشركة في الحمرا يوم الأربعاء 13 أيار، تزامناً مع حملة استنكارات واسعة من المجموعات الحقوقية الناشطة في لبنان التي نددت بعملية قمع عمال أجانب لا صوت لهم في لبنان. وفيما اعتبر المشاركون في الإعتصام أنّ شركة رامكو هي غطاء للمقاول جهاد العرب الذي يصفه كثيرون في لبنان بـ "متعهد الجمهورية" نظرًا للأعداد الهائلة من المشاريع التي يتولى تنفيذها في هذا البلد، فإنهم وجهوا الهتافات نحوه: "حرامي حرامي... جهاد العرب حرامي". وهناك أسفل مبنى السارولا في الحمرا، حاول المعتصمون دخول المبنى بهدف الوصول إلى مكاتب الشركة فكانت عناصر القوى الأمنية تمنعهم بوقوفها سدًّا بين المعتصمون وبوابة المبنى. فهتف المعتصمون بوجه عناصر الدرك: "العسكر واقف بواب".

 

"رامكو" تنفي انتهاك حقوق العمّال: القضية مسألة رواتب فقط

ما جاء في كتاب العمّال الذي تم نشره مساء الثلاثاء على مواقع التواصل الاجتماعي بما يحمله من اتهامات خطيرة بوجه الشركة، ينفيه مدير شركة رامكو وليد بو سعد كليًّا، مؤكدًا  أن طلبات العمّال تتمثل بـ "دفع الرواتب بالدولار إضافة إلى طلبهم المستجد بالعودة إلى بلادهم" ويضيف، "ليس لدينا حلول بالنسبة لموضوع الرواتب كون الدولة اللبنانية توقفت عن الدفع بالدولار، ولسنا قادرين اليوم على تسفير طالبي العودة ولا يمكن ذلك إلّا بعد معاودة فتح المطار". وينفي بو سعد ما قيل لناحية سجن عامل بنغالي في غرفة تحت الأرض، بل يبرر بأن "المبنى يحتوي على غرفة عزل أنشئت تحسّباً لإصابة أحد العمّال بأي عدوى ليتم تحويله إليها إلى أن يتعافى، وليست معدّة للسجن". إضافة إلى ذلك، يشير بو سعد إلى أنّ العامل الذي تكلم عنه البيان، "تعرض لصدمة نفسية لسبب عائلي. كان يطالب بالعودة إلى بلده لكن ذلك غير ممكن بسبب تسكير المطار. فساء وضعه وبدأ يتعرض لنوبات عصبية عرّضته للضرب من قبل زملائه. لذا قمنا بنقله إلى المستشفى حيث أُجريت له الفحوصات وتبين أنّه يعاني من وضع نفسي يتطلب وضعه في غرفة العزل وإعطاءه الأدوية اللازمة". ويُضيف، "قمنا بإخراجه بعد حين من الغرفة وسلمناه لزملائه، وكان هذا العامل من ضمن المتظاهرين". أمّا بالنسبة لحادثة الانتحار، فينفيها بو سعد كليًّا.

ينقل بو سعد للمفكرة القانونية بأنّ المبنى يسكن فيه نحو 500 عامل غالبيتهم من الجنسية البغالية والهندية، ويتقاضى كل فرد 400 دولار أميركي، فيما يعملون بين 9 و12 ساعة يومياً". لا ينفي بو سعد أحقية العمّال بالإضراب، فكان نحو 60 عاملًا بنغاليًا بدأوا الإضراب منذ أسبوعين، فيما لم تحاول الشركة ثنيهم عن ذلك. إلّا أنّه ولسبب مجهول، إنتفضوا البارحة وحاولوا منع الآليات من الخروج إلى العمل وهو ما دفعنا إلى طلب تدخل القوى الأمنية". وتلا ذلك التدخل، "استهداف العمّال لبعض آليات الشركة، فقاموا بتكسيرها وحاولوا إحراقها، كما جرى رمي العناصر الأمنية بالبنزين"، كما قال. ويُشير بو سعد إلى أنّه "تم اعتقال شخص واحد من العمّال بسبب إقدامه على التعدّي على أحد العناصر الأمنية، فيما لم تدّعِ الشركة على أي من عمالها".

وعلمت "المفكرة القانونية" من مصادر مطلعة  أنّ وزارة العمل وضعت يدها على الملف، وتعمل على التحقيق فيه، واستدعت الشركة للإجتماع أول الأسبوع المقبل، وسيتم التشاور مع الشركة لأجل إيجاد آلية لدفع الرواتب، إمّا  بالدولار أو بالليرة اللبنانية على سعر الصرف في السوق".

 

عمّال رامكو يفضحون غياب العمل النقابي في لبنان

استنكارًا لدخول قوى مكافحة الشغب لفض اعتصام العمّال الأجانب في رامكو، أصدر "تجمع العاملين والعاملات في المنظمات غير الحكومية" بياناً يُدين "اعتداء قوى مكافحة الشغب على العمّال الأجانب الذين انتفضوا للمطالبة بحقوقهم بعد نفاذ صبرهم من انتهاكات شركة رامكو المتكررة، آخرها سلبها لأجورهم والإصرار على تسديدها بالليرة اللبنانية وفقاً لسعر الصرف الرسمي (1500 ليرة)". واعتبر البيان أن قوى مكافحة الشغب "لبّت نداء رامكو كأنها شركة أمن خاصة تعمل تحت إمرتها". بيان التجمع أثار غياب النقابات العمّالية وكأن العمال غير اللبنانيين ليسوا عمّالاً، فضلاً عن الصمت الإعلامي المريب الذي يسود". واعتبر أنّ "مثل هذه الإنتهاكات تطال كل العمال والعاملات في لبنان، المواطنين وغير المواطنين، وكل موقف يعطي الأولوية للعمال اللبنانيين على حساب غيرهم هو موقف منحاز إلى إمبراطوريات المال".

من جهته أدان "الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان FENASOL، في بيان، "ما تعرض له عمال شركة رامكو من اعتداء وحشي عليهم من الشركة واستدعاء القوى الامنية التي قمعت بعنف شديد العمال المطالبين بحقوقهم من أجل لقمة عيشهم وحقهم في رواتبهم المحجوزة لدى الشركة، خصوصا وأنّ العمال الأجانب المهاجرين يعانون اليوم أكثر من غيرهم نتيجة الوضع الاقتصادي وإرتفاع الاسعار وانهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار". ويتوقف بيان الـ FENASOL عند الظروف الصحيّة الخطيرة التي يعمل فيها عمال النظافة  "في جمع النفايات في ظل إنتشار وباء الكورونا ويعانون من أصعب الظروف من دون أي حماية صحية، مضافًا إليها نتائج الأزمة الإقتصادية". وأكّد البيان أيضا على أنّ "هذه المعاناة ليست فقط مع عمال شركة رامكو، بل مع غيرهم من عمال الشركات التي تستخدم عمالا أجانب مهاجرين وعمالا لبنانيين". وتوسع بيان الـ FENASOL ليتوقف عند ظروف "العاملات في الخدمة المنزلية  اللواتي يعانين من الوضع نفسه من التعنيف والصرف وعدم دفع الرواتب وكذلك من الأزمة الاقتصادية والصحية".

طالب الاتحاد وزارة العمل والأجهزة الأمنية المعنية "التحرك لحماية العمال المعتصمين بدلا من قمعهم وتعنيفهم خدمة لإدارة الشركات وأصحابها"، مشددا على وجوب "تحرك مفتشي وزارة العمل من أجل إلزام الشركات وخصوصًا شركة رامكو بدفع الرواتب للعمال والعمل على تأمين الحماية الصحية للعمال في ظل جائحة الكورونا".