إدانة منى المذبوح تثير الجدل حول حدود محاكمة الكلمات


2018-10-05    |   

إدانة منى المذبوح تثير الجدل حول حدود محاكمة الكلمات

بتاريخ 9-9-2018، قضت محكمة جنح مستأنف مصر الجديدة بتخفيف الحكم الصادر ضد المواطنة اللبنانية “منى المذبوح”، من الحبس 8 سنوات، إلى الحبس سنة واحدة، مع تأييد تغريمها 40 ألف و700 جنيه مصري، مع إيقاف تنفيذ عقوبة الحبس[1]. وكانت ملاحقة المذبوح بدأت عقب تقديم بلاغ من أحد المواطنين المصريين إلى النيابة العامة المصرية على خلفية نشرها فيديو لحديث لها، عبر صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي Facebook عبرت فيه عن غضبها جراء تعرضها لحادثتي تحرّش وسرقة.

واللافت للنظر في هذه المحاكمة، والحكمين الصادرين فيها من محكمة أول[2] وثاني درجة، هو كيف كانت مجرد “الكلمات” التي يعبر بها الإنسان عما أصابه من أذى، مهما كانت حدتها ووصفها القانوني، يمكن أن تؤدي إلى الحبس لمدة تصل إلى 8 سنوات مثلما انتهى حكم محكمة أول درجة. والجدير بالذكر أن هذه “الكلمات” استخدمت لتكوين أربعة اتهامات مختلفة بقانون العقوبات المصري جرت محاكمتها وإدانتها على أساسها. ونحاول في هذا المقال طرح تساؤلات حول كيفية توصيف المحكمة لهذه الاتهامات، بالإضافة إلى كيفية تناولها لمسألة ارتكاب هذه الواقعة تحت ضغط الاضطراب النفسي، كما أشار دفاع منى.

التوقع المجتمعي لمحاكمة “الكلمات”

مثلت “منى المذبوح” أمام المحاكمة الجنائية، لأن “الكلمات” التي نشرتها على موقع التواصل الاجتماعي (Facebook) شكلت أربع جرائم مختلفة، وذلك حسبما رأت النيابة العامة، وأيدتها من بعد ذلك محكمتي أول وثاني درجة، وهي تباعا:

1-أنها أذاعت عمدًا إشاعات كاذبة من شأنها تكدير الأمن وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة[3].

2-تعدت علنًا على الدين الإسلامي[4].

3-التلفظ بما يخدش الحياء العام[5].

4-إهانة رئيس الجمهورية[6].

وبلا شك فإن المواطن العادي يصاب بالصدمة حين يقال له إن مجرد قيام شخص ما بالتعبير، قولًا لا فعلًا عن موقف معين، مهما وصفت هذه الكلمات بأنها خارجة عن حدود المألوف أو إطار القانون لتضمنها “شتائم” غير موجهة لشخص بعينه، يمكن أن تُشكل أربع جنايات. وتزداد الصدمة حينما يعرف أن عقوبة هذه الكلمات قد تصل إلى 8 سنوات حبس كما حصل لدى محكمة أول درجة.

فالقانون الجنائي علم معياري وليس من علوم الطبيعة. فحين يبحث سببية السلوك، فهو لا يبحثها على نحو ما تبحثها تلك العلوم، بل يبحثها من وجهة نظر اجتماعية. بمعنى أن سببية السلوك لديه هي ما يراه جمهور المواطنين كذلك في مواقف وظروف معينة، وبعبارة أخرى هي ما يتوقعه المواطن العادي إزاء ما يقع أمامه من سلوك[7].

تعدد الجرائم “معنوي” وليس فعليا

من زاوية ثانية، الجرائم الأربع التي أُدينت بها “المذبوح” كانت قد نشأت جميعها عن فعل واحد فقط[8]، وهو حديثها الذي نشرته على موقع التواصل الاجتماعي (Facebook)، مما كان يتعين معه النظر إلى كل هذه الجرائم التي نُسبت إليها على أنها تُشكل تعددًا معنويًا، وليس حقيقًيا للجرائم والعقوبات المرصودة لها، والتي جرت محاكمتها والحكم عليها بها. والتعدد المعنوي للجرائم هو الذي يكون فيه “للفعل الواحد” عـدة أوصاف، أي اتهامات جنائية متعددة، إذ يجب في هذه الحالة-كما ذهبت محكمة النقض-اعتبار الجريمة التي ينتج عنها الوصف أو التكييف القانوني الأشد للفعل والحكم بعقوبتها وحدها دون غيرها من الجرائم ذات الأوصاف الأخف والتي لا قيام لها البتة مع قيام الجريمة ذات الوصف الأشد، إذ يعتبر الجاني كأنه لم يرتكب غير هذه الجريمة الأخيرة[9].

وكان حكم أول درجة قد خالف هذا النظر، وأوقع على “المذبوح” بالإضافة إلى العقوبة المقررة للجريمة الأشد وهي في مثل هذه المحاكمة هي جريمة “التعدي علنًا على الدين الإسلامي”، العقوبات الأخرى المقررة لباقي الجرائم المنسوبة إليها. ولم يكن حكم محكمة الاستئناف “ثاني درجة” بعيدًا عن هذا الخطأ القانوني، حين أوقع عليها عقوبات الغرامة المقررة لجميع الاتهامات أيضًا. إذ أنه في حالة التعدد المعنوي للجرائم-وهو الحال في قضية المذبوح-لا يقضى إلا بعقوبة الجريمة الأشد دون غيرها من عقوبات الجرائم الأخرى الأخف؛ سواء كانت أصلية، أو تكميلية، ومنها عقوبة الغرامة.

الاضطراب النفسي مسألة طبية لا قضائية

أشار دفاع “المذبوح” أثناء محاكمتها إلى أن ما صدر منها من عبارات وُصفت أنها مخالفة للقانون، كان تحت وطأة الاضطراب النفسي[10]. إلا أن الحكم الصادر من محكمة أول درجة أعرض عن تحقيق هذا الدفاع على سند من قيام المحكمة بمناقشتها أثناء المحاكمة، وكانت إجاباتها تصدر بشكل متزن وواعٍ.

هذه الحيثية تقبل النقد. فالعبرة في القانون[11] من حيث المُساءلة الجنائية لمن يعاني من اضطراب نفسي، ليست وقت المحاكمة، وإنما وقت ارتكاب الجريمة. فإذا كان الاضطراب النفسي تسبب في فقد الإدراك أو الاختيار وقت ارتكاب الجريمة كان سببًا للإعفاء من المسئولية الجنائية كلية، ولكن إذا تسبب هذا الاضطراب فقط في الانتقاص من الإدراك أو الاختيار فإن ذلك يصبح ظرفًا مخففًا عند تقدير العقوبة.

إلا أنه في جميع الأحوال، فإن تقدير حالة المتهم العقلية أو النفسية وقت ارتكاب الجريمة يعتبر من المسائل الفنية البحتة التي لا تستطيع المحكمة بنفسها أن تشق طريقها لإبداء الرأي فيها، بل يتعين عليها تحقيقها عن طريق المختص فنيًا–الطبيب النفسي–أما وهي لم تفعل ذلك فإنها تكون قد أحلت نفسها محل الخبير المتخصص في مسألة فنية[12].

انفجار ضحية “التحرش”

فيما يسجل إيجابيا أن المشرع المصري جرّم مؤخرًا ضمن قانون العقوبات التحرش الجنسي[13]، فإن ذلك لم يؤثر بشكل فعال على هذه الظاهرة على نحو ملموس. وتنشغل العديد من الدراسات والأبحاث بالتنقيب في نفسية الجناة المتحرشين لسبر دوافعهم والعمل على علاجها للحد من هذه الجريمة. ولكن على الجانب الآخر هناك ضحية التحرش، وما تتعرض له من ضغوط نفسية قد تكون مُدمرة نتيجة توقع دائم بتجدد وقوع هذا الأذى بانتهاك جسدها بشكل دوري، إلا أنه وبلا شك إذا اتجهت هذه الضحية-كما قالت محكمة النقض “بتصرف منا”-إلى جرم ما، فإنها تتجه إليه موتورة ومنزعجة، فلا يدع انزعاجها سبيلاً لها إلى التصبر والسكون حتى يحكم العقل -هادئًا متزنًا متروّيًا-فيما تتجه إليه الإرادة من الأغراض الإجرامية[14].

وإن كنا نعرف أنه لا عبرة من الناحية القانونية بالباعث[15] وراء ارتكاب الجريمة، كما لا نقول بامتناع المساءلة الجنائية لضحية جريمة التحرش حال ارتكابها لجريمة لاحقة منبتة الصلة بشكل “غير مباشر” عن الجريمة التي ارتكبت ضدها، مع تأكيد حق الضحية استخدام الدفاع الشرعي عن نفسها حال ارتكاب هذه الجريمة ضدها، إلا أن الواقع العملي يحول دون استخدام هذا الحق في كثير من الأحيان حين تكون الضحية أضعف من مواجهة الجاني، ربما لتعددهم أو لتكرارها وقوعها على الضحية دون مساءلة الجناة. ولكن في مثل هذه الظروف التي تنفجر فيها “ضحية التحرش” تعبيرًا عن غضبها بالكلمات، فلا يكون لديها من الفرصة ما يسمح لها بالتروّي والتفكير المطمئن فيما هي مقدمة عليه، وربما كان هذا ما جعل المحكمة الاستئنافية تقضي بتخفيف حكم الحبس 8 سنوات بحق منى المذبوح إلى سنة واحدة مع وقف تنفيذ عقوبة الحبس.

 


[1]   مصطفى المنشاوي “دفاع «منى المذبوح»: موكلتي تستقل الطائرة المتجهة إلى لبنان مساء اليوم” موقع جريدة الشروق المصرية.

[2]  حكم محكمة جنح مصر الجديدة (أول درجة) في القضية رقم 5411 لسنة 2018، الصادر بجلسة 7 / 7 /2018.

[3]  المادة (102 مكررًا) من قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937: “يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين جنيهاً ولا تجاوز مائتي جنيه كل من أذاع عمداً أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة.

وتكون العقوبة السجن وغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تجاوز خمسمائة جنيه إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب.

ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفقرة الأولى كل من حاز بالذات أو بالواسطة أو أحرز محررات أو مطبوعات تتضمن شيئاً مما نص عليه في الفقرة المذكورة إذا كانت معدة للتوزيع أو لاطلاع الغير عليها، وكل من حاز أو أحرز أية وسيلة من وسائل الطبع أو التسجيل أو العلانية مخصصة ولو بصفة وقتية لطبع أو تسجيل أو إذاعة شيء مما ذكر”.

[4]  وهي جريمة مؤثمة بموجب المادتين (160، و161) من قانون العقوبات:

المادة (160):” يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين:

أولاً -كل من شوش على إقامة شعائر ملة أو احتفال ديني خاص بها أو عطلها بالعنف أو التهديد.

ثانياً -كل من خرب أو كسر أو أتلف أو دنس مباني معدة لإقامة شعائر دين أو رموزاً أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من الناس.

ثالثاً -كل من انتهك حرمة القبور أو الجبانات أو دنسها.

وتكون العقوبة السجن الذي لا تزيد مدته على خمس سنوات إذا ارتكبت أي منها تنفيذاً لغرض إرهابي”.

المادة (161): ” يعاقب بتلك العقوبات على كل تعد يقع بإحدى الطرق المبينة بالمادة 171 على أحد الأديان التي تؤدى شعائرها علنا. ويقع تحت أحكام هذه المادة:

(أولا) طبع أو نشر كتاب مقدس في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدى شعائرها علنا إذا حرف عمدا نص هذا الكتاب تحريفا يغير من معناه.

(ثانيا) تقليد احتفال ديني في مكان عمومي أو مجتمع عمومي بقصد السخرية به أو ليتفرج عليه الحضور”.

[5]  المُعاقب عليها بموجب نص المادة (178) من قانون العقوبات: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر أو صنع أو حاز بقصد الاتجار أو التوزيع أو الإيجار أو اللصق أو العرض مطبوعات أو مخطوطات أو رسومات أو إعلانات أو صوراً محفورة أو منقوشة أو رسوماً يدوية أو فوتوغرافية أو إشارات رمزية أو غير ذلك من الأشياء أو الصور عامة إذا كانت خادشة للحياء العام”.

[6]  المُجرمة بموجب نص المادة (179) من قانون العقوبات: “يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على ثلاثين ألف جنيه كل من أهان رئيس الجمهورية بإحدى الطرق المتقدم ذكرها”.

[7]  د/ عوض محمد، تعليقات على أحكام القضاء، دار الشروق، الطبعة الأولى 2017، صفحة 32.

[8]  إذ جرى نص الفقرة الأولى من المادة (32) من قانون العقوبات على أنه: “إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة وجب اعتبار الجريمة التي عقوبتها أشد والحكم بعقوبتها دون غيرها”.

[9]  يراجع في ذلك حكم محكمة النقض (الدائرة الجنائية) في الطعن رقم 39618 لسنة 72 قضائية، بجلسة 16-1-2003، مكتب فني 54، رقم الصفحة 112.

[10]  ذكر الدفاع نصًا-وفق ما ذكر بوقائع الحكم الصادر من محكمة أول درجة-أن المذبوح تعاني من مرضًا منذ عام 2006 يؤثر على انفعالاتها، وأن ما صدر منها كان عن غير عمد وبدون قصد جنائي، كما قدم تقريرين طبيين موثقين من وزارة الخارجية المصرية لتأييد دفاعه.

[11]  المادة (62) من قانون العقوبات المصري: “لا يسأل جنائياً الشخص الذي يعاني وقت ارتكاب الجريمة من اضطراب نفسي أو عقلي أفقده الإدراك أو الاختيار، أو الذي يعاني من غيبوبة ناشئة عن عقاقير مخدرة أياً كان نوعها إذا أخذها قهراً عنه أو على غير علم منه بها.

ويظل مسئولاً جنائياً الشخص الذي يعاني وقت ارتكاب الجريمة من اضطراب نفسي أو عقلي أدى إلى إنقاص إدراكه أو اختياره، وتأخذ المحكمة في اعتبارها هذا الظرف عند تحديد مدة العقوبة”.

[12]  يراجع في هذا المضمون حكم محكمة النقض (الدائرة الجنائية) في الطعن رقم 18793 لسنة 83 قضائية، بجلسة 11-3-2014.

[13]  بواسطة المادة 2 من قانون رقم 50 لسنة 2014 بشأن تعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937.

[14]  محكمة النقض (الدائرة الجنائية) في الطعن رقم 2421 لسنة 2 قضائية، بجلسة 5-12-1932.

[15]  الدافع النفسي الذي دفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية