اليوم الوطني للقاضي المظلوم: يوم نظمه نادي قضاة المغرب في سياق مشروعه الإصلاحي والنقدي للمنظومة القضائية السائدة في المغرب. والمظلومية التي كسر قضاة عدة الصمت بشأنها ليست معزوة للطبقة السياسية انما للمسؤولين القضائيين الذين هم تولوا الضغط والتدخل في القضاء، من دون حسيب أو رقيب. وبذلك، بدا النادي وفيا للتشخيص الذي تميز به منذ بدء تأسيسه في خضم الحراك العربي في 2011، ومفاده أن الآفة الكبرى في التنظيم القضائي في المغرب كما في عدد من الدول العربية هي الهرمية القضائية، حيث غالبا ما يتحول المسؤول القضائي الى وكيل للنظام السائد برمته لضبط القضاة واخضاعهم. وبالطبع، تلتقي المفكرة القانونية مع نادي قضاة المغرب تماما في هذا التشخيص وتعمل بدورها بما لديها من أدوات لابراز هذه المشكلة وتعزيز الحراكين القضائي والاجتماعي لتجاوزها. فاستقلالية القاضي ليست خارجية فقط بالنسبة للسلطات التنفيذية والتشريعية، انما أيضا، وبالقدر نفسه، داخلية إزاء السلطات القضائية (المحرر).   
 
السابع من يونيو 2014، صبيحة يوم سبت لم يكن يوما عاديا مثل الأيام السابقة، فرغم أن اليوم يصادف يوم عطلة بالمحاكم وكذا بالمعهد العالي للقضاء، فإن قاعة الندوات الكبرى بالمعهد شهدت توافد عشرات القضاة والقاضيات من مختلف أنحاء المغرب للمشاركة في اليوم الوطني لإنصاف القاضي المظلوم الذي نظمته جمعية نادي قضاة المغرب في أول سابقة من نوعها على المستوى الوطني.

عشرات القضاة جاءوا من كل حدب وصوب من أجل فتح أرشيف مظالم القضاة في أول حلقة من حلقات مسلسل فتح هذا الملف، الذي لن تكفيه جلسة أو عدة جلسات للاستماع من أجل جبر الضرر المعنوي والنفسي الذي لحق عددا من القضاة من جراء اختلالات عرفتها وتعرفها المنظومة القضائية التي لا تزال تطبق قوانين مخالفة للنص الدستوري الجديد (2011).

الحلقة الأولى من جلسات الاستماع العمومي خصصت لتدارس موضوع تقييم القضاة على خلفية ما أثير حول قضية قضاة المحكمة الابتدائية بالناظور الذين تفاجأوا بتأخر ترقياتهم بسبب تنقيط غير موضوعي من طرف المسؤول القضائي. وقد كان المحرك الاساسي لهذا المسؤول استياؤه من احتجاج قضاة من خرق الجمعية العمومية وتقديمهم لطلب للاطلاع على نشرات تنقيطهم تنفيذا لقرار نادي قضاة المغرب..، قضية تحولت إلى مدخل لإثارة مشكل الاختلالات الخطيرة التي يعرفها نظام تقييم القضاة من خلال تجارب حية لعدد من القضاة الذين قدموا شهادات صادمة تفاعل معها كل الحضور.
 
المسؤول الذي يلوح بنشرة التنقيط - أعذر من أنذر

افتتح اللقاء بكلمة رئيس نادي قضاة المغرب الذي ذكر بمساهمة الجمعية في طرح هذا الموضوع لأول مرة من خلال الدورة الأولى للمجلس الوطني لنادي قضاة المغرب والتي خلصت في توصياتها إلى ضرورة اعتماد نظام شفاف وموضوعي لتقييم العمل القضائي وإعادة النظر في النظام الحالي لتنقيط القضاة الذي يستغل أحيانا كأداة للمس باستقلالهم أو للتضييق على حقوقهم. وأوضح رئيس النادي أن قضاة الناظور "المحكمة المنكوبة" الذين بذلوا مجهودات استثنائية من أجل تصفية القضايا المخلفة بحيث تجاوز الإنتاج الشهري لبعضهم 3000 قضية .. وكان الجزاء الحرمان من الترقية بسبب اعتراضهم على خرق الجمعية العمومية وتقديمهم لطلب اطلاع على نشرات التنقيط تنفيذا لمقررات أجهزة النادي.

وأضاف ياسين بأن اليوم التضامني الذي ينظمه نادي قضاة المغرب ليس مجرد مناسبة للتعبير عن التضامن مع قضاة محكمة الناظور أو غيرهم من القضاة الذين لا تخلو محكمة ابتدائية أو استئنافية منهم، وإنما هو يوم للمطالبة بإلغاء نظام التنقيط واعتماد نظام واضح وشفاف لتقييم القضاة، ينسجم ومتطلبات استقلال القضاة والقضاء تفاديا ﻷي ظلم محتمل قد يصيب باقي القضاة. فقضاة المملكة كافة أضحوا ضحايا محتملين لنظام تنقيط غير شفاف وغير موضوعي يكرس تحكم المسؤول القضائي.وأضاف مخليأناعتماد "الهندام" كأحد ضوابط التنقيط لا أساس له في نص القانونكما أن نشرة التنقيط التي تعتمد رأي المسؤولين بمحاكم الاستئناف بخصوص قضاة المحاكم الابتدائية لا أساس لها في القانون أيضا، مذكرا بمبادرة نادي قضاة المغرب الرامية إلى مكاتبة  وزير العدل والحريات وكتابة المجلس الاعلى للقضاء قصد تمكين القضاة من الاطلاع على مؤشرات تنقيطهم وهو ما لم يجد أي آذان صاغية إذ لم يتوصل نادي القضاة بأي جواب رغم مرور أزيد من سنتين عن توجيه الطلب.وأرجع  رئيس النادي التظلمات التي توصل بها النادي والتي ستقدم من خلال هذا اليوم التضامني إلى الاختلالات التي تعرفها الادارة القضائية والتي تبقى أحد أسباب الأعطاب التي تواجه المنظومة القضائية، مطالبا باعتماد نظام شفاف وموضوعي يحترم مستلزمات استقلال القضاة من خلال اعتماد درجة ثانية للتقييم على مستوى هيئة منتخبة على صعيد الجمعيات العمومية بالمحكمة حتى يكون التقييم محايدا.

اللقاء عرف تقديم عدة شهادات لعدد من القضاة الذين أثاروا قضية سرية نشرات التنقيط، وأثرها على المسار المهني للقضاة. القاضي مصطفى بلفقيه عضو المكتب التنفيذي للنادي أدلى بالشهادة الآتية: "أنا من ضحايا التنقيط مند سنة 1996 ومنذ بداية عملي القضائي والسبب في ذلك مداولات حامية الوطيس وأسئلة تحاول معرفة مسار بعض الملفات وبعض أسرار المداولات التي لا يمكن اطلاع الغير عنها حتى لو كان مسؤولا قضائيا .. و لماذا حُكم الملف في هذا الاتجاه .. و دفع بمبدأ سرية المداولة.. والنتيجة ملاحظة يخطها المسؤول القضائي خفية في نشرة التنقيط جاء فيها : " قاض يتقبل ملاحظة مسؤوليه بصعوبة"، كل ذلك كفيل بتأخير مسار الترقية مدة أشهر".
 
مسؤول قضائي كنت أنتظر من الوزارة تعيين نائب وليس نائبة:

القاضية فاطمة الزهراء شبلي الفيلالي إحدى القيادات النسائية المؤسسة للنادي سلطت الضوء على جانب من معاناة المرأة القاضية في زمن لم تكن تحظى فيه بترحاب أو تقدير داخل الوسط القضائي من بعض الأصوات المحافظة. "أول لقاء مع المسؤول القضائي فاجأني بقوله بأنه كان ينتظر "نائبا " وليس "نائبة". وتضيف: "تركني المسؤول القضائي لمدة ساعتين في الدهليز أنتظر أن يحدد الرئيس الأول للرئيس تاريخ أدائي لليمين القانونية"، وتستطرد قائلة: "ولجت القضاء للحفاظ على كرامتي كامرأة.. لكني اكتشفت وجود جيوب للمقاومة ترفض أن تتولى المرأة منصب القضاء وتسعى لافشال هذه التجربة من خلال تعمد وضع العراقيل"، وتحكي في هذا الصدد المضايقات التي تعرضت لها وتقول: "رغم أن المشرع أعطاني الحق في الحمل والولادة والاستفادة من رخصة عن الامومة وما يترتب عنها من مشاكل صحية، إلا أن المسؤول كان له رأي آخر، حيث كان يعمد إلى ارفاق الشواهد الطبية التي كنت أدلي بها عند تغيبي على العمل لظروف صحية قاهرة بملاحظات سلبية، وقد تأخرت ترقيتي نتيجة ذلك لمدة سنتين".وتضيف أيضا "كنت حاملا وأقطن بمدينة فاس وكان المسؤول القضائي يطلب مني الحضور الى المحكمة للنيابة عن قضاة رغم وجود عدد كاف من القضاة بالمحكمة. كنت أضطر للسفر 4 مرات في اليوم الى مدينة صفرو الجبلية مما تسبب لي في حالات إجهاض غير إرادي عدة مرات  ..ولم أستطع الولادة طبيعيا إلا بعد حضور نائب جديد". وتختم كلمتها قائلة: "وبالرغم من تأخر ترقيتي لمدة سنتين فإني أستشعر بداية عهد جديد بفضل الروح التي دبت في الجسم القضائي بعد تأسيس النادي الذي رفع السرية على عدة مواضيع بقيت إلى وقت طويل تدرج ضمن الطابوهات".
 
من أجل نظام تقييم لا يكرس تحكم المسؤول القضائي:

حجيبة البخاري، القيادية البارزة في النادي رئيسة المكتب الجهوي بمكناس والحائزة على جائزة المرأة القاضية في دورتها الأولى أكدت أن الشهادات المستمع إليها جزء جد يسير من المعاناة التي يعانيها القضاة في المحاكم.فالقضاة ضحايا التنقيط ما زالوا يؤدون الثمن دون إحالتهم الى المجلس التأديبي ومنحهم الحق في محاكمة عادلة للدفاع عن أنفسهم أو معرفة الأفعال المنسوبة إليهم.وتضيف: "يجب وضع لائحة للقضاة المتضررين للعمل على انصافهم ومراسلة المجلس الأعلى للقضاء لوضع حد لمعاناتهم. كما ينبغي للمجلس الأعلى للقضاء أن يبين موقفه الصريح من هذه المسألة التي تتعلق بالاستقرار النفسي والوظيفي لعدد من القضاة ولا يعقل عدم صدور جواب من كتابة المجلس رغم مرور أكثر من سنة على اثارة النادي لهذه القضية".

"القاضي المركزي"، بهذا الاسم عرف بتعليقاته وكتاباته في صفحة نادي قضاة المغرب، وهو د. عبد الرحمان اللمتوني: "الشهادات مؤلمة و مؤثرة .. لكن الأمل في المستقبل .. فقبل سنوات كان الحديث عن مثل هذه الأمور بمثابة حمق..".ويضيف : "تدخلت في الستة أشهر الأولى لعملي القضائي في نشاط الودادية .. واكتشفت أن الدولة تضع ثقتها في شخص القاضي وتجعل مصيره في يد المسؤول القضائي". ويستطرد: "لقد تعرضت عدة مرات لمضايقاتوتهديدات باستعمال سلاح التنقيط الذي كان ولا يزال أداة تستغل في كثير من الأحيان من أجل المس باستقلال القضاة أومحاولة التأثير في صدور القرار القضائي".

المستشار الدكتور محمد الهيني يقول :"لست من ضحايا التنقيط ولكني من الضحايا المحتملين"، ويضيف: "يتعين وضع اعلان لاستقلال الادارة القضائية للمحاكم عن وزارة العدل، ويتعين تحديد تاريخ وطني للمطالبة بالتمكين من نشرات تنقيط القضاة، كما يجب وضع ميثاق أخلاقي للمسؤول القضائي".

عبد الله بنكيران عضو المجلس الوطني للنادي يحكي عن محاولات قام بها قضاة من أجل رفض المس باستقلالهم ويقول: "قام القضاة بتوجيه كتاب مباشرة لكتابة المجلس الأعلى للقضاء، موثق بمحاولات المس باستقلالهممن طرف مسؤول قضائي.فانصب البحث ليس على موضوع الكتاب انما حول صاحب الفكرة في الاجتماع و توجيه الكتابة إلى المجلس. ولم يتم البحث مع المسؤول .. للإشارة كان الكتاب موقعا من ستة قضاة وهم يشكلون جميع قضاة المحكمة.ويضيف "نتيجة وشايات مجهولة كاذبة تسببت في تنقيط سيء لسنتين ... و ما زالت بالملف لتاريخه رغم أن بحثا أثبت كذب هذه الوشايات".

ويحكي محمد المنصوري عضو النادي بتطوان قصة مماثلة ويقول: "حملنا كتابنا للرئيس الأول وقلنا له بأنه علمونا في المعهد العالي للقضاء بأن التدخل في القضاء ممنوع.فُتح بحث ضيق.. لكنه لم يسفر عن شيء.. و بقينا سنتين تحت سيف تنقيط "متوسط" أثر سلبا على ترقيتنا وبقي المسؤول الخصم والحكم.. كنا نعاني في صمت ونشكو همومنا لبعضنا"..

في نفس السياق، يضيف القاضي رشيد المنجري عضو النادي بالرباط: "اننا لا ننتقد المسؤول القضائي من أجل الانتقاد ، بل من أجل تنظيم معايير اختيار المسؤولين القضائيين.. وفي نادي قضاة المغرب نناضل من أجل إقرار معايير شفافة ومسؤولة من أجل قضاء قوي... عندنا مسؤولون قضائيون محترفون نفتخر بهم وفي المستوى. لكن للأسف هناك مسؤولون لا يؤمنون بالفكر التشاركي..ويضيف: "لن أبكي على ماض ولى، ولكن لي الشرف بأن أتأخر سنوات في الترقية ولكني احتفظت بكرامتي".

أنس أحرار عضو المكتب التنفيذي للنادي وأحد القضاة الذين سبق لهم العمل بالمحكمة الابتدائية بالناظور التي وصفت بالمنكوبة يقول: "ما وقع بالناظور من تنقيط غير شفاف وغير موضوعي لعدد من القضاة الذين طالبوا باحترام الجمعية العمومية للمحكمة وانتفضوا نتيجة خرقها من طرف مسؤول قضائي فكانت النتيجة شططا في التنقيط .. ان كل ذلك يطرح تساؤلات حول معايير اختيار المسؤولين القضائيين وسبب عدم محاسبتهم، للأسف إن وزارة العدل والحريات لا تزال تعتبر رأي المسؤول القضائي كأنه قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه.. وبالرغم من توجيه عدة كتب من طرف القضاة قصد فتح تحقيق من اجل معرفة دوافع التنقيط السيء لعدد من قضاة محكمة الناظور، فإن الوزارة لم تكلف نفسها حتى عناء الاجابة على رسائل القضاة وكتبهم. ان الوزارة ترد على أي شكاية تقدم من طرف المواطنين لكن القضاة لا يلتفت لشكايتهم".  

وطوال اليوم التضامني تواصل تقديم الشهادات الصادمة التي أكدت وجود معضلة وأن الماضي لا يزال يلقي بظلاله على تجربة الحاضر التي لا يمكن اغناؤها إلا بتصحيح الاختلالات السابقة وجبر الضرر الذي مس عددا من القضاة نتيجة نظام تقييم غير موضوعي وغير شفاف.
 
شهادات عن اليوم التضامني مع القاضي المظلوم:

ومن أبرز الآراء التي تم توثيقها حول هذا اليوم التضامني مع القاضي المظلوم، الآتية:

·        "ما عشناه اليوم يذكرني بجلسات الاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في القرن الماضي.. قضاة نكل بهم في مسارهم المهني لا لشيء سوى لأن حظهم العثر جعلهم يشتغلون مع مسؤول قضائي انتقم منهم لأنهم أصروا على استقلالهم وتشبثوا بالتطبيق العادل للقانون".

·        "يجب نشر فيديوهات جلسات الإستماع هذه حتى يطلع الرأي العام على المعاناة التي يتكبدها القضاة الشرفاء والثمن الغالي الذي يدفعونه مقابل تشبثهم باستقلاليتهم وبحسن تطبيق القانون.. فلا شك أن نشر مثل هذه الشهادات كفيل باعادة ثقة المواطن في سلطة القضاء، وسيلة هامة لتصحيح النظرة النمطية التي يحاول البعض تكريسها عن القضاة ".

·        "ذهلت اليوم من هول الصدمة جراء ما سمعته من شهادات الزملاء ضحايا التنقيط العجيب، وأيقنت أننا نحتاج إلى هيئة للإنصاف والمصالحة مع هؤلاء القضاة، يوما ما أكيد.."

·        "ربما فقدت مالا نتيجة التنقيط لكنني افتخر انه ذات يوم قمت و زملائي بفرض القانون بخصوص الجمعية العمومية. يوم لن أنساه".

للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا