أعلنت رئاسة الجمهورية التونسية في بيان مقتضب صدر عنها يوم 25-07-2019 عن وفاة رئيس الجمهورية باجي قايد السبسي الذي كان قد نقل خلال الساعات الأولى من اليوم إلى المستشفى العسكري في تونس العاصمة للعلاج. فكان أن غيبت المنية "بجبوج" - كما يحلو للتونسيين تسميته - في يوم الذكرى 62 لإعلان النظام الجمهوري، وهي مناسبة كان طيلة فترة ولايته الرئاسية يحرص على  إعطائها أهمية لما يذكر أن فيه إبراز لالتزامه بحماية "قيم الجمهورية" وتذكير بما يؤمن به من تواصل في مسيرة بناء الدولة الوطنية التي كان على مختلف حقبها من الشخصيات الفاعلة فيها. وهنا كانت وفاة الرئيس في بعدها الزمني ذات رمزية. كما كان كذلك ما برز من حزن على الفقيد مؤشراً على علاقة نوعية بينه وبين شعب كان هو أول رئيس ينتخبه في انتخابات مباشرة تعددية تحترم قواعد النزاهة والشفافية. وإلى جانب كل هذه الأبعاد، على أهميتها، تفرض الطبيعة الرسمية للمهام التي كان يشغلها الرئيس الراحل طرح السؤال حول ما سيستتبع شغور منصبه من تطورات مؤسساتية.

يقدم الدستور التونسي في الفصل 84 الإجابة المؤسساتية لهذا السؤال مفادها[1] "أن وفاة الرئيس يستتبعها اجتماع فوري للمحكمة الدستورية التي تقرّ حالة الشغور النهائي وتبلّغ ذلك إلى رئيس مجلس نواب الشعب الذي يتولى فورا مهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة لأجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما". وهذا الجواب على وضوحه، يتبين من نظر الواقع السياسي والمؤسساتي التونسي أنه غير قابل فعليا للتطبيق لكون المحكمة الدستورية التي ستعاين الفراغ لم تشكل بعد. وهنا، تثبت وفاة الرئيس التي أتت أشهرا قليلة قبل نهاية عهده الآثار السلبية الهامة التي نتجت عن تأخير تشكيل المحكمة الدستورية وتفرض تفكيرا براغماتيا يتجاوز هذه الخطيئة بحثا عن انتقال سلمي للسلطة يكرس تقليد الممارسة الديمقراطية.

وقد تعطل تشكيل المحكمة الدستورية بسبب فشل نواب الشعب في اختيار ثلث أعضائها المنوط بهم انتخابهم رغم محاولتهم ذلك لسبع مرات وطيلة مدة تجاوزت العام ونصف العام[2]. ويعود سبب هذا الفشل إلى أمرين: أولهما إشتراط قانون المحكمة أن يكون النصاب الانتخابي ثلثي أعضاء المجلس النيابي وفرضه أن تعاد الانتخابات كلما فشل المرشحون عن تحصيل هذا النصاب، دون تصور لمخرج في حال تأكد استحالة تحقيق ذلك؛ وثانيهما أن ذات نواب الشعب الذين صادقوا على قانون المحكمة الدستورية وفرضوا أن يكون التوافق بين كتلهم سبيلا لانتخاب أعضائها فشلوا في تحقيق هذا التوافق.

وبعيدا عن تقييم هذا الأداء، يفرض الواقع السياسي على السلطة السياسية صياغة سابقة دستورية تكمل النصوص الدستورية القائمة، وتبين الإجراءات الواجب إتباعها لمعاينة حالة شغور منصب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس مجلس نواب الشعب بخلافته مؤقتا في ظل الغياب المؤسساتي للمحكمة الدستورية. ويؤمل هنا أن يتم الابتعاد عن التشدد في قراءة النص الدستوري والنصوص القانونية وأن يسند اختصاص القيام بهذه المهمة إلى الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين انطلاقا من كونها تعد، بحكم اختصاصاتها، محكمة دستورية مؤقتة.   

 

 


[1]   ينص الفصل 84 من الدستور "عند الشغور الوقتي لمنصب رئيس الجمهورية، لأسباب تحول دون تفويضه سلطاته، تجتمع المحكمة الدستورية فورا، وتقر الشغور الوقتي، فيحل رئيس الحكومة محل رئيس الجمهورية. ولا يمكن أن تتجاوز مدة الشغور الوقتي ستين يوما. إذا تجاوز الشغور الوقتي مدة الستين يوما، أو في حالة تقديم رئيس الجمهورية استقالته كتابة إلى رئيس المحكمة الدستورية، أوفي حالة الوفاة، أو العجز الدائم، أو لأي سبب آخر من أسباب الشغور النهائي، تجتمع المحكمة الدستورية فورا، وتقر الشغور النهائي، وتبلغ ذلك إلى رئيس مجلس نواب الشعب الذي يتولى فورا مهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة لأجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما".  

[2]    يتحمل المجلس النيابي مسؤولية انتخاب أربعة مرشحين لعضوية المحكمة الدستورية وكان المجلس قد انتخب بجلسة يوم 14-03-2018 القاضية روضة الورسيغني لعضوية المحكمة وفشل في انتخاب بقية مرشحيه لعدم حصول أي منهم على أغلبية الثلثين الواجبة.