أصدر رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد بتاريخ 05-07-2019 منشورا[1] يمنع دخول من كانت وجوههم غير مكشوفة لمقرات الإدارات والمؤسسات العمومية. لم يكن خافيا أن المقصود بالمنع هن المنقبات وأن مبرر هذا المنع هو تطور المخاوف الإرهابية وتواتر الحديث عن ارتداء عدد من المفتش عنهم لفائدة الأمن والقضاء النقاب لتسهيل بقائهم بعيدا عن الملاحقة مع مواصلتهم التحرك في الفضاء العام. وقد أكد نص المنشور من خلال عنوانه (حول حسن تطبيق إجراءات السلامة بمقرات الهياكل العمومية) والهدف منه (الحفاظ على الأمن العام وحسن سير المرافق العمومية والتطبيق الأمثل لمتطلبات السلامة) هذا الحضور الطاغي للهاجس الأمني. وقد وصل طغيان هذا الهاجس حدّ صياغة المنشور من دون تأصيل أحكامه في المنظومة القانونية، بما يتعارض مع الأعراف المعتمدة في هذا المجال. فتأصيل أحكام المناشير (الذي شذ عنه المنشور الحالي) إنما هو ضرورة لتبيان أنها لم تخرج عن دورها المتمثل في تفسير القاعدة التشريعية النافذة وتبيان شروط إنفاذها. وقد أشر تجاهل رئاسة الحكومة لضرورة بيان المراجع القانونية التي اعتمدتها في صياغة منشورها عن غياب سنده القانوني وعن خروج نصه عن صلاحية من سنّه.

حمّل الدستور التونسي الدولة واجب توفير الضمانات الكفيلة بممارسة الأفراد لحقوقهم وحرياتهم. كما نص على أن وضع ضوابط لتلك الحقوق والحريات لا يكون إلا "بقانون لا ينال من جوهرها". وحدد كمبرر لتلك الضوابط "الضرورة التي تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها" (الفصل 49 من الدستور).

يبدو جليّا مما سلف أن المنشور عدد 15 الذي صدر عن رئيس الحكومة بمنع المنقبات من الدخول لمقرات الإدارات والمؤسسات العمومية، يمسّ من الفصل 49 من الدستور، بما فرضه من قيود على حرية اللباس وعلى الحق في الاستفادة من الخدمات العامة دون سند تشريعي يجيزها، أي بمنشور لا بقانون كما يفرض الفصل 49 من الدستور. ويأتي هذا الخرق الواضح للدستور ليؤكد مجددا مخاطر التأخير في إرساء المحكمة الدستورية. كما يؤمل في انتظار ذلك أن يكون القضاء متنبها لدوره المفصلي في التصدي لهذا التوجه، وهو دور نص عليه الدستور صراحة في الفصل 49 منه الذي عهد "الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك "

 

 


[1]  منشور عدد 15 لسنة 2019