في ظل إنتظارات واستفهامات ضحايا عهود الإستبداد والمنظمات والجمعيات التى تعنى بالضحايا، عقدت هيئة الحقيقة والكرامة في مقر صندوق التقاعد والحيطة للمحامين التونسيين نهاري 14 و15 ديسمبر 2018، مؤتمرها الختامي والذي عرضت خلاله أهم مخرجات عملها الذي بدأ في أوائل عام 2014 إلى اليوم، واعدة بالكشف عن تقريرها النهائي قبل 31 ديسمبر، وهو تاريخ انتهاء مدة عملها رسميا.

على مدار يومين مكثفين ووسط حضور محلي وإقليمي ودولي، عرضت كل لجنة من لجان الهيئة بإيجاز مفصل أهم منجزاتها. نذكر على سبيل المثال لا الحصر كشف لجنة البحث والتقصي عن "آلية الوشاية" بالوثائق والأرقام وكيف يتم تجنيد مواطنون عاديون للعمل ك "مخابرات فورية" للتجسس على أقاربهم، عائلاتهم، جيرانهم، إلخ لصالح نظام الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. أما لجنة المرأة فتحدثت عن الدراسات الإجتماعية والنفسية التى قامت بها خلال مدة عملها والتى حاولت من خلالها إظهار معاناة المرأة خلال سنوات الإستبداد. كما تحدثت عن الإنتهاكات التى طالت الأسرة من طلاق قسري والانتهاك التى تعرض لها الأطفال والاعتداءات الجنسية على السجينة السياسية، وذوي السجناء السياسيين.

لم تكشف الهيئة عن توصياتها التى من المفترض أن تدرجها في تقريرها النهائي، بل اكتفت بعرض محصلتها من أرقام وحقائق، الأمر الذي وتر الأجواء وزاد من قلق الضحايا الحاضرين بشكل ملحوظ. حيث أن عدم عرض الهيئة لتوصياتها، بخصوص مصير ملفات الضحايا التى لم يتم تحويلها للدوائر القضائية المتخصصة وجبر الضرر تحديداً، أثار قلق الضحايا على حقوقهم. حتى أن بعض الضحايا أخذ يندد بالهيئة وأعمالها علنا ويتهمها بالتقصير وعدم الاكتراث لحقوق الضحايا وكرامتهم. وصل التشنج حد المشاجرة الكلامية بين الأفراد بعضهم البعض. وبالرغم من أن هيئة الحقيقة والكرامة سبق لها وفتحت مجال التفاعل بينها وبين جمعيات ومجموعات الضحايا خلال جلسات تشاورية امتدت على مدار الستة أشهر منذ مطلع 2018، إلا أن الضحايا أعادوا طرح التوصيات نفسها خلال المؤتمر. حتى أن أحدهم وصف هذا المؤتمر بكونه لا يمكن أن يعد مؤتمرا نهائيا بل هو مجرد جلسة إستشارية كما سابقاتها، وكأن الهيئة حتى اللحظة لم تتمكن من طمأنة الضحايا بشكل كاف على مصير ملفاتهم وجبر ضررهم.

ومن أهم التوصيات والتساؤلات التى طرحتها مجموعات وجمعيات الضحايا على الهيئة خلال المؤتمر الختامي:

 

فيما يخص جبر الضرر:

  • غموض الوحدات الحسابية الخاصة بجبر الضرر في المقرر الإطاري لجبر الضرر الذي تم نشره من قبل هيئة الحقيقة والكرامة على موقعها الرسمي في نوفمبر 2018،
  • غياب ذكر العديد من الإنتهاكات في التقرير الإطاري لجبر الضرر أهمها الإختفاء القسري والتهجير القسري،
  • غياب ذكر جبر ضرر المناطق التى همشت عمداً من قبل أنظمة ما قبل الثورة والذي نص عليه قانون العدالة الانتقالية لعام 2013. كما وغاب ذكر جبر الضرر الجماعي في القرار الإطاري،
  • غياب شمل الطلبة والتلاميذ الذين تم اعتقالهم تحت حكم الاستبداد،
  • تمكين كل ضحية من مقرر فردي ليتمكن من اللجوء إلى محاكم جنائية دولية إن أراد،
  • جعل جبر الضرر تراكمي ليأخذ بعين الاعتبار الانتهاك الذي إستمر لسنوات، على غرار الضرر الذي لحق بالسمعة والشرف،
  • تسليم المقررات الفردية لكل ضحية،
  • إدراج الأساتذة الجامعيين والباحثين الذين حرموا من ممارسة مهنتهم بحرية في ظل التضييق الأكاديمي عليهم.

 

فيما يخص حفظ الذاكرة

  • الإنتباه من قرار تسليم اسطوانات للضحايا تتضمن نسخة عن جلساتهم السرية خوفا من المساس بالمعطيات الشخصية،
  • تشكيل هيئة أو لجنة مستقلة لحماية أرشيف الهيئة بعد تحويل الأرشيف إلى الأرشيف الوطني،
  • العمل على تغيير صورة السجينة السياسية من امرأة تم هتك شرفها وتشويه سمعتها إلى مناضلة،
  • إحداث لجنة لمراجعة تاريخ تونس،
  • إحداث يوم وطني لمكافحة التعذيب،
  • تكريم الضحايا خلال احتفال وطني كبير،
  • تحويل سجن 9 أفريل في العاصمة التونسية وغيره من السجون وأماكن التعذيب إلى متاحف أو معالم أثرية،
  • إحداث متاحف في العاصمة والولايات يعرف بالضحايا والانتهاكات بهدف مناهضة التعذيب،
  • إحداث نصب تذكاري يمثل الضحايا في العاصمة التونسية وباقي الولايات.

 

فيما يخص الدوائر القضائية المتخصصة

  • إحداث قطب قضائي للإهتمام بالملفات التى لم يتم تحويلها للدوائر القضائية المتخصصة بعد،
  • إلغاء القضاء العسكري،
  • توسيع مفهوم العنف السياسي المذكور في قانون حماية المرأة من العنف ليشمل العنف المؤسساتي (في المجال العام والخاص) والعنف في الفضاء العام.

 

فيما يخص التقرير النهائي عوما

  • العمل على مؤتمر وطني لتقديم التقرير النهائي للهيئة،
  • إلغاء مفهوم الضحايا تحت صفة "ضحية غير مباشرة" وشملهم كلهم تحت مسمى ضحايا،
  • التوصية بتنقيح كل التشريعات التى تمس بالمساواة بين الرجل والمرأة،
  • إعدم التركيز على الدور التقليدي للمرأة كزوجة وأم وأخت بل التركيز على البعد السياسي النضالي للمرأة في التقرير،
  • العمل على إجراءات عملية لكل وزارة لتفعيل توصيات الهيئة.

 

أما المحامية لمياء الفرحاني، رئيسة جمعية أوفياء لعائلات شهداء ومصابي الثورة وشقيقة الشهيد أنيس الفرحاني، فعبرت بدموعها عن دعمها لمسار العدالة الإنتقالية موصية خلال مداخلتها  بالتالية:

  • ضبط مدة المحاكمات في الدوائر القضائية المتخصصة،
  • ضرورة التوثيق الرسمي للجلسات داخل الدوائر القضائية والسماح للأفراد بالتصوير والتوثيق،
  • طلب مرافق نفسي وطبي للضحايا أثناء حضورهم في الجلسات،
  • توفير الحماية الأمنية للضحايا،
  • العمل على وصول الاستدعاءات للمتهمين،
  • توفير حماية للقضاة الموكل لهم التحقيق بملفات الضحايا،
  • إلغاء القضاء العسكري.

 

كما وشارك في المؤتمر كل من جمعية بوصلة و جمعية محامون بلا حدود عارضين التوصيات التالية:

  • تنقيح كل التشريعات التى تمس بالمساواة بين الجنسين والحريات الفردية، مع التركيز على مشروع مجلة الأحوال الشخصية،
  • إدخال العدالة الإنتقالية وتوصيات هيئة الحقيقة والكرامة ضمن القانون الأساسي للميزانية،
  • إرساء المحكمة الدستورية والهيئة الدستورية.

بالرغم من غياب رئيس الجمهورية والحكومة ومجلس النواب عن المؤتمر بشكل لم يعد يثير الاستغراب في ظل معاداة النظام الحاكم الواضح والصريح لأعمال هيئة الحقيقة والكرامة وتقريرها، أعطى حضور الأستاذ أنس حمادي وهو رئيس جمعية القضاة التونسيين انطباعا بوعي السلطة القضائية بأهمية مسار العدالة الإنتقالية وأعمال هيئة الحقيقة والكرامة. كانت مداخلة "حمادي" داعمة لمسار العدالة الإنتقالية بشكل كبير، حيث قال أن المرحلة القضائية بدأت مع الدوائر القضائية المتخصصة وستستمر ليتم التحقق في كل الملفات ومحاسبة الذين انتهكوا حقوق الضحايا. مقدما اعتذارا من قبل القضاة المنضوين تحت الجمعية عن كل إنتهاك كان القضاة مشاركين فيه.

 

نشير هنا إلى بيان بعض منظمات المجتمع المدني الذي انتقدوا فيه غياب أعلى ممثلي السلطة. للإضطلاع على البيان إضغط هنا

 

مقالات ذات صلة:

ياسمين هاجر، المفكرة تحاور جمال، شقيق الشهيد فيصل بركات: هواجس من سياسات تهدد حقوق الضحايا مجددا في تونس، موقع المفكرة القانونية، 2018-11-20

ياسمين هاجر، هل تنهي هيئة الحقيقة والكرامة مسارها في مواجهة مع ضحايا الإستبداد؟ غضب الضحايا في ردهات العدالة الانتقالية في تونس، موقع المفكرة القانونية، 2018-11-20

ياسمين هاجر، #ملفي_إيش_صار_فيه_يا_هيئة: صوت الضحية المنسية، موقع المقكرة القانونية،  2018-09-07

الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية تعقد أول جلساتها: إحتفاء بعدالة طال انتظارها، موقع المفكرة القانونية، 2018-05-31

الدوائر القضائية المتخصصة للعدالة الإنتقالية: الصمت التوافقي يغطي أزمتها القاتلة، عدد 8 من المفكرة القانونية، تونس، 2017-06-30