صادق مجلس نواب الشعب التونسي في جلسته المسائية ليوم 09-10-2018 على مشروع القانون الأساسي عدد 11 لسنة 2018 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال الميز العنصري الذي سيتم بفضل أحكامه لأول مرة في تاريخ تونس تجريم الممارسات العنصرية و تكريس آليات لمكافحة هذه الظواهر التي ظلت لوقت طويل مسكوتا عنها بدعوى حماية الوحدة الوطنية ونبذ خطاب التفرقة. وفي هذا الإطار، كشفت تدخلات النواب في نقاشهم العام لمشروع القانون عن تحمس عدد كبير منهم لإصلاح تشريعي يحقق التصدي المؤسساتي  للممارسات العنصرية[1] وعن رفض عدد آخر منهم لفكرة القانون بدعوى أنه جزء من أجندات أجنبية غايتها تقسيم المجتمع وإضعافه[2]. وقد بيّنت مصادقة 125 نائبا على مشروع القانون مقابل اعتراض أربعة نواب فقط أن الأصوات المعارضة محدودة العدد ولا تمثل إلا أقلية بما يؤمل معه لاحقا أن يكون للمجلس التشريعي دور ايجابي في إنفاذ هذا القانون.

ويعد هذا المشروع الذي كان أول مشروع قانون تتعهد به الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب في دورتها النيابية الجديدة من الإصلاحات التشريعية الكبرى التي ستحتسب في تاريخ هذا المجلس اعتبارا لكونه الثاني من نوعه في القارة الإفريقية[3]. كما يعد مثالا مميزا على التفاعل الإيجابي بين السلطة السياسية والمجتمع المدني في صناعة الإصلاحات التشريعية التي تهدف لتطوير المجتمع.

برزت عقب الثورة التونسية جمعيات مجتمع مدني شبابية ونشيطة اهتمت بفضح الممارسات العنصرية التي تتعرض لها الأقليات بتونس بالخصوص منها ذوي البشرة السمراء[4]. وكان أن عرفت تونس سنتي 2015 و2016 موجة لافتة للنظر من اعتداءات عنصرية استهدفت طلبة وعمالا من دول جنوب الصحراء الإفريقية كان الدافع إليها أفكار عنصرية. بادرت حينها الجمعية الأورومتوسطية لحقوق الإنسان –مكتب تونس-  وجمعية المنتدى الاقتصادي والاجتماعي لطرح فكرة صياغة تصور لمقترح قانون خاص بمكافحة العنصرية. وكان أن تكفلت القاضية التونسية أنوار المنصري بصياغة التصور الأولي لمشروع القانون الذي تبناه المجتمع المدني وتولى عرضه على مجلس نواب الشعب، حيث بادر عدد هام من النواب لتبني المشروع والتقدم به للمجلس النيابي كمبادرة تشريعية.

تعهد لاحقا رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد بالمضي قدما في تجسيد فكرة المشروع وكان أن تولى الوزير في حكومته المكلف بحقوق الانسان صياغة مشروع جديد للقانون ساهم المجتمع المدني التونسي ومنه المفكرة القانونية في مناقشة أحكامه وتطوير نصوصه[5].

ومن أبرز الإضافات التشريعية التي تضمنها مشروع القانون في صيغته النهائية:

 

أولا: توسيع تعريف التمييز العنصري

فقد ورد بالفصل الثاني من مشروع القانون أن التمييز العنصري يشمل "كل تفرقة أو إستثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو غيره من أشكال التمييز العنصري على معنى المعاهدات الدولية المصادق عليها والذي من شأنه أن ينتج عنه تحميل واجبات وأعباء إضافية. ويعد تمييزا عنصريا كل وضعية تنشأ عن أحكام أو تدابير أو معايير تبدو في ظاهرها موضوعية وينجر عن تطبيقها ضرر أساسه العرق أو اللون أو النسب أو غيره من أشكال التمييز العنصري".

 

ثانيا: تجريم الأفعال العنصرية وتخصيصها بنظام إجرائي من أهدافه إحصاء الجرائم العنصرية.

فقد نصّ الفصل 8 منه ‘لى أنه "يعاقب بالسجن من شهر إلى عام واحد وبخطية من خمسمائة إلى ألف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يرتكب فعلا أو يصدر عنه قول يتضمن تمييزا عنصريا بقصد الاحتقار أو النيل من الكرامة. وتضاعف العقوبات في الحالات التالية:

  • إذا كان الضحية طفلا،
  • إذا كانت الضحية في حالة استضعاف بسبب التقدم في السن أو الإعاقة أو الحمل الظاهر أو الهجرة أو اللجوء،
  • إذا كان لمرتكب الفعل سلطة قانونية أو فعلية على الضحية أو استغل نفوذ وظيفته،
  • إذا صدر الفعل عن مجموعة أشخاص سواء كفاعلين أصليين أو كمشاركين."

فيما اقتضى الفصل 9 منه "يعاقب بالسجن من عام إلى ثلاثة أعوام وبخطية مالية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من يرتكب أحد الأفعال التالية:

  • التحريض على الكراهية والعنف والتفرقة والفصل والعزل أو التهديد بذلك ضد كل شخص أو مجموعة أشخاص أساسه التمييز العنصري .
  • نشر الأفكار القائمة على التمييز العنصري أو التفريق العنصري عبر أي وسيلة من الوسائل
  • الإشادة بممارسات التمييز العنصري عبر أي وسيلة من الوسائل
  • تكوين مجموعة أو تنظيم يؤيد بصفة واضحة ومتكررة التمييز العنصري أو الانتماء إليه والمشاركة فيه
  • دعم الأنشطة أو الجمعيات أو التنظيمات ذات الطابع العنصري أو تمويلها.

ونص الفاصل العاشر منه: "إذا كان مرتكب الأفعال المنصوص عليها بالفصل 9 شخصا معنويا يكون العقاب بالخطية من خمسة آلاف إلى خمسة عشر ألف دينار. ولا يمنع تتبع الشخص المعنوي من تسليط العقوبات المنصوص عليها بهذا القانون على ممثليه أو مسيريه أو الشركاء فيه أو أعوانه إذا ثبت مسؤوليتهم الشخصية عن هذه الأفعال".

 

ثالثا: تصور آليات تنشر ثقافة التصدي للميز العنصري وترصد الممارسات العنصرية

استحدث المشروع لجنة على مستوى رئاسة الحكومة التونسية سماها "اللجنة الوطنية لمناهضة العنصرية"، يكون من مهامها: "جمع ومتابعة  كل المعطيات ذات العلاقة بالممارسات العنصرية واقتراحات السياسات الكفيلة بالقضاء على كل تمظهراتها".

 

وإذ تهنئ المفكرة القانونية المجتمع التونسي بهذا المكسب التشريعي وبالنجاح في كسر قيد الصمت الذي يفرض على ضحايا الممارسات العنصرية، فإنها تأمل أن يكون هذا القانون في منهجية صياغته وأهدافه السامية مثالا يستلهم منه في منطقتنا العربية حيث ما زلنا نعاني من تنامي ممارسات عنصرية ومن تجاهل المجتمع لآلام ضحاياها.

 


[1]  كان من ابرز تلك التدخلات تدخل النائبة جميلة الكسيسي  والتي مما ورد فيها " العديد منا لا يريد أن يعترف أن هنالك تمييز عنصري في تونس لكن من غير المعقول العنف الذي يتعرض له الأفارقة في تونس على أساس لون البشرة كما  أن المرحومة نجيبة الحمروني نقيبة الصحفيين تعرضّت لحملات تشويه على صفحات التواصل الاجتماعي على خلفية مواقفها اعتمدت  أساسا على  لون بشرتها  لتضيف ان التمييز العنصري يكون في كثير من الحالات ممارسة صامتة لا يشعر بها إلا من يتعرض لها ولتعطي مثال على ذلك الإقصاء الاجتماعي الذي يؤول لفرض إلا يتزوج  من بشرتهم سمراء إلا من كانوا من ذات لون بشرتهم وهو أمر يؤدي لتفشي ظاهرة زواج الأقارب و بالتالي لفرض الأمراض الوراثية على هذه الأقلية العرقية ( يذكر هنا أن جميلة الكسيسي من النواب الذين تحمسوا كثيرا لمشروع القانون وتواصلت مع المجتمع المدني لتطوير نصه وهي من النواب ذوي البشرة السمراء )

[2]  كان من ابرز تلك التدخلات تدخل النائب سالم الأبيض الذي ورد فيه أن " فكرة الميز العنصري كانت متأصلة في ثقافات أخرى تم تجاوزها عبر عمل تراكمي " وأضاف أن "  الدول الكبرى تقوم بصناعة فكرة الميز على أساس الطائفة والعرق واللون واللغة والانتماء لتتمكن من إحداث النزاعات والهيمنة على الشعوب" لينتهي للتصريح بكون " مشروع قانون القضاء على التمييز العنصري جاء جراء إملاءات من المجتمع المدني وضغوط من جهات معيّنة" ( يذكر ان سالم الابيض شغل منصب وزير التربية بتونس سنتي 2012 و 2013  )

[3]   سبقت لسن مثل هذا القانون الذي يجرم الميز العنصري دولة جنوب إفريقيا .

[4]  تغيب إحصائيات دقيقة حول ذوي البشرة السمراء بتونس وتذكر الحكومة انه في حدود 1/ من عموم السكان لكن المجتمع المدني والهيئات الدولية تعارض هذا المعطى اعتبرا لعدم استناده لأي عملية إحصائية ذات مصداقية 

[5]  تراجع :  ملاحظات المفكرة القانونية على مشروع القانون الأساسي المتعلق بمناهضة التمييز العنصري في تونس – موقع المفكرة القانونية 04-12-2017