كانت الثورة التونسية في منطلقها انتفاضة شعبية في الجهات ضد السلطة المركزية تطالب بالتوزيع العادل للثروات ما بين مختلف جهات تونس. تبعاً لذلك، كان من المنتظر أن يترافق انتصارها مع انتصار لفكرة اللامركزية الإدارية وأن يجعل إدارة الشؤون المحلية أكثر قربا للمواطن. وهذا ما تجلى في الفصل 132 من الدستور التونسي الذي نصّ صراحة على أن الجماعات المحلية "تدير المصالح المحلية وفقا لمبدأ التدبير الحر".

 

تنزيل مبدأ التدبير الحر: أي موارد؟

تبعا لذلك، تولّى المشرع التونسي بإصداره مجلة الجماعات المحلية تنزيل مبدأ التدبير الحر تشريعيا وفق تصور مرحلي يضمن استقرار الحكم ولا يهدد وحدة الدولة[1]؛ وقد استند هذا التدبير على استقلالية قرار  تلك الجماعات فيما تمارسه من صلاحيات، وهي استقلالية يضمنها اعتمادها في إدارة شأنها على موازناتها الخاصة.

بموجب الانتخابات البلدية لسنة 2018، نشأت أول مجالس بلدية سيعهد لها تطبيق الشعار الطموح على أرض الواقع، مما يطرح تساؤلات كبيرة حول قدرتها على تطوير الشأن البلدي في ظل الموارد المالية المتوفرة لها. وهذا التساؤل يصبح أكثر إلحاحا على ضوء المعطيات المتوفرة بشأن أوضاعها المالية. تؤشر هذه المعطيات إلى أنه من جملة البلديات البالغ عددها 350، نجد أن ل 34 منها فقط موارد  مالية يمكن وصفها بالهامة، وأن مداخيل 131 منها تتوازن مع مصروفاتها بشكل هش، فيما تعاني بقية البلديات من صعوبات مالية[2]. وتبين في ذات السياق الإحصائيات الرسمية أن مائة بلدية تغطي نسبة تساوي أو تفوق 34% من موازانات تصرفها من موارد ذاتية متأتية من إدارة أملاكها والجباية، فيما تعوّل  البقية بشكل كبير قد يكون شبه كامل، على الموارد المتأتية من الإدارية المركزية والتي تتلقاها في شكل دعم أو قروض. وتؤكد هذه المعطيات المالية الأزمة العميقة التي تعاني منها البلديات التي يرجح مع انطلاق نفاذ مجلة الجماعات المحلية أن يزيد عبؤها انطلاقا من الأمور الآتية:

أولا، التوسع الجغرافي والديموغرافي للمجال البلدي، الذي بات يشمل كل التراب الوطني وكل سكانه بعدما كان يغطي فقط 9.92  % منه و72% فقط  من هؤلاء،

ثانيا، تطور المهام البلدية وتشعبها لتشمل أهم جوانب الحياة في المنطقة البلدية بعدما كان تدخل الجماعة المحلية محددا في خدمات أساسية،

ثالثا، فرض تفرغ رؤساء المجالس البلدية للمهام البلدية وتحميل مجالس البلديات مسؤولية صرف منح تعويضية لهم عن ذلك[3]، ويرجح أن يستغرق هذا المصروف موارد هامة للبلديات التي يستنزف التأجير حاليا 70% من مجمل مواردها المالية الذاتية[4]. وستكون البلديات الصغرى في هذا الإطار الأكثر تضررا من التبعة المالية لتفرغ رؤسائها.

وانطلاقا من ذلك، جاز القول بأن ثقل الأعباء المالية التي يطلب من البلديات توفيرها مقابل محدودية مداخيلها، سيشكّل أول المعوقات الموضوعية لانطلاقتها[5]. وعليه، فرض المشرّع صلب مجلة الجماعات المحلية أن تتحمل الدولة مسؤولية توفير جانب من موارد البلديات من خلال إلزامها بأن تردف كل نقل للصلاحيات منها للبلدية بتوفير للإعتمادات الواجبة لذلك[6]. كما فرض عليها بأن تساعد البلديات على بلوغ "التوازن المالي والاستقلالية الإدارية والمالية الفعلية بواسطة تخصيص استثمارات وتحويل اعتمادات تعديل خصوصية يمنحها "صندوق دعم اللامركزية والتعديل والتضامن بين الجماعات المحلية الممول من ميزانية الدول"[7]، وبأن تساعد بشكل خاص البلديات الفقيرة عبر ذات الصندوق من خلال تخصيص اعتمادات سنوية "للتسوية والتعديل قصد الحد من التفاوت بين مختلف الجماعات المحلية وتحسين ظروف عيش المتساكنين بناء على مبدأ التمييز الإيجابي"[8]. كما خوّل القانون السلطة المركزية صلاحية أن تضع على ذمة البلديات أعوانا عموميين يتواصل تأجيرهم من قبل إدارتهم الأصلية وعبر تطوير برنامج تكوين الإطارات البلدية.

يبدو في هذا السياق الطموح التشريعي لتطوير الموارد المالية للبلديات هاما وإيجابيا. لكن النظر في واقع عجز الموزانة العامة للدولة يكشف أن ما هو معلن من أهداف قد يكون صعب المنال ما لم يتم التفكير في تصورات عملية تنقص من عبء التصرف في المالية العمومية المحمول على الدولة لتحول ما يتم توفيره من موارد مباشرة للبلديات.  نقترح هنا وفي محاولة للتعاطي مع هذه الإشكالية العملية مراجعة الخريطة الجغرافية للمعتمديات في اتجاه يوفر ما كان مخصصا لجانب منها من موارد لفائدة البلديات وذلك بفرض سياسة إدارية تواجه تطور عدد البلديات بتقليص معتبر في عدد المعتمديات.

 

تقليص عدد المعتمديات

كانت المعتمدية في ظل الجمهورية الأولى عنوان الوحدة الأساسية للتقسيم الجغرافي والسياسي للبلاد التونسية حيث "اعتمدت السياسة التنموية التونسية على المعتمدية كوحدة تنموية، وبنيت العديد من السياسات العمومية في مجالات الاستثمار والتنمية والتشغيل على مؤشرات التنمية حسب المعتمديات وقد تم تكريس ذلك مثلا من خلال مجلة تشجيع الاستثمارات الصادرة في سنة 1993 والتي ضبطت طبيعة وحجم التحفيزات والتشجيعات التي تسندها الدولة لاستحثاث التنمية والتشغيل حسب مستوى التنمية في المعتمديات. فتمّ إيجاد معتمديات تنمية ومعتمديات ذات أولوية في التنمية. كما تدعم هذا التوجه من خلال صياغة الإحصائيات التي يعدّها المعهد الوطني للإحصاء والمؤسسات الحكومية الأخرى على مستوى كلّ معتمدية على غرار نسب الفقر والبطالة والمؤشرات التأليفية للتنمية"[9].

وكان في ذات الإطار الزمني والسياسي المعتمد أي المسؤول الحكومي المشرف على إدارة المعتمدية والذي يصنف وفق أمر 1956[10] المتعلق بالإدارة الجهوية في خانة الإطارات الجهوية العليا الممثل الأقرب للسلطة الإدارية للمواطن ومن يتحمل وزر التنسيق بين مختلف الإدارات المحلية ومنها الجماعات المحلية بغاية تحفيزها على تحقيق ما هو مطلوب منها من مشاريع تدخل في إطار مخططات التنمية.

أدت أهمية المعتمدية في تحقيق التنمية وحماية وحدة الدولة بالسلطة السياسية لان تزيد  بشكل دوري في عدد المعتمديات بتونس إلى أن بلغ عددها في سنة 2011: 264 معتمدية.

وكان لافتا أن حكومات بعد الثورة ورغم وضوح تغير سياسة الدولة في المجال الجهوي تولت استحداث معتمديات أخرى في محاولة منها لترضية سكان بعض المناطق الذين كانوا يطالبون بذلك[11]. كان يفترض لاحقا ومع سن مجلة الجماعات المحلية أن يراجع الاختيار الإدراي فيما تعلق بالمعتمدية لكون البلديات باتت تحتكر أغلب الاختصاصات التي كان يتولاها المعتمد قبلا. ولكن، هذا الأمر لم يتم، بما فرض استمرار صرف مخصصات هامة من موازنة وزارة الداخلية لفائدة التصرف الإداري بالمعتمديات تبدو البلديات أكثر حاجة لها. ويمكن في هذا السياق وفي تصور يوازي بين هذا الاختيار السياسي والحاجة لحسن تصريف موارد الدولة الإعلان عن تنقيص في عدد المعتمديات يؤدي الى:

  • تنقيص أعباء الدولة في هذا الخصوص وتوجيه الوفر المحقق للبلديات،
  •  تخصيص البلديات بالمقرات الإدارية التي تتصرف فيها حاليا تلك المعتمديات بما ينمي رصيدها العقاري،
  • توجيه الإطار الإداري للمعتمدية للبلديات بما يعزز مواردها البشرية.

ويمكن لهذا الاختيار الذي نقترح متى اعتمد أن يطور البلديات الصغرى زيادة على أنه يمكن فعليا المجالس البلدية من ممارسة صلاحياتها دون أن تكون مضطرة لخوض صراعات هامشية مع ممثلي السلطة المركزية الذين اعتادوا أن يكونوا أصحاب القرار في الجهات ويصعب أن يقبلوا طوعا بتجريدهم من ذلك.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

 

 


[1]   نص الفصل الرابع من المجلة " تدير كل جماعة محلية المصالح المحلية وفق مبدأ التدبير الحر طبقا لأحكام الدستور والقانون مع احترام مقتضيات وحدة الدولة."

[2]  حسب وزارة الجماعات المحلية فان البلديات التونسية تصنف حسب توازانتها المالية إلى   24  بلدية تمر بصعوبات هيكلية. 40 بلدية تمر بصعوبات ظرفية. 35 بلدية في حاجة لدعم مالي خصوصي. 131 بلدية ذات وضع مالي متوازن. 34 بلدية وضعها المالي سليم. 186 بلدية جديدة   تحتاج موارد هامة لتسهيل تركيزها

[3]   ينص الفصل 6 من مجلة الجماعات المحلية " يتفرغ رؤساء مجالس الجماعات المحلية لممارسة مهامهم. وتسند لهم منح تحمل على ميزانية الجماعة المحلية تحدد معاييرها وتضبط مقاديرها بأمر حكومي بناء على رأي المحكمة الإدارية العليا وبعد أخذ رأي المجلس الأعلى للجماعات المحلية. يقصد بالتفرغ عدم الجمع بين رئاسة مجالس الجماعات المحلية وممارسة أي وظيفة أو مهنة أخرى. ويوضع رؤساء مجالس الجماعات المحلية من الأعوان العاملين بالقطاع العام في وضعية عدم مباشرة خاصة. يعتبر كلّ رئيس مجلس جماعة محلية أخلّ بمقتضيات التفرغ معفى قانونا ويخضع الإعفاء للإجراءات المنصوص عليها بهذا القانون"

[4]  جدول  تطور نفقات التأجير بالبلديات  - إحصائيات رسمية -

السنة

الموارد الإعتيادية المحققة

(  وحدة الحساب مليون  دينار )

نفقات التأجير المنجزة

(وحدة الحساب مليون  دينار )

النسبة

(بإعتبار الدعم)

النسبة حسب الموارد الذاتية

2010

535,8

232,6

43%

58%

2011

560,9

276,6

49%

91%

2017

921,1

430,0

47%

70%

 

 

[5]  ورد في خبر نشرته وكالة تونس إفريقيا للأنباء بتاريخ 24-07-2018 تحت عنوان رؤساء بلديات مصدومين " عبر جل رؤساء البلديات المنتخبين بباجة خلال جلسة انعقدت بمقر ولاية باجة عن صدمتهم من الوضع بلديات الجهة الذي وصفوه بالكارثي  مؤكدين أنهم يواجهون صعوبات كبيرة فى التيسير الإدارى والمالي وفى إسداء الخدمات ببلدياتهم ومتسائلين عن مدى قدرتهم على لعب الدور التنموى المنوط بعهدتهم فى ظل ضعف ميزانياتهم ."

وبين رؤساء البلديات الجديدة بباجة وهي السلوقية ووشتاتة الجميلة وتيبار وسيدى اسماعيل انهم صدموا من غياب او شبه غياب الموارد البشرية والإدارية والتجهيزات وعدم القدرة على تقديم خدمات بلدية بالمناطق الريفية الملحقة

[6]  ينص الفصل 147 مجلة الجماعات المحلية على " كلّ توسيع لاختصاصات الجماعات المحلية أو تحويل لاختصاصات جديدة لفائدتها يصحبه وجوبا تدعيم للموارد المحلية يضبطه القانون. يتعين  أن تكون الموارد المحالة للجماعات المحلية متناسبة مع الأعباء التي تترتب عن تحويل الاختصاصات أو توسيعها"ويكرس  الفصل 244  ذات الحكم فيما تعلق بالبلديات بما اقتضاه من كونه " .. يقترن وجوبا كلّ نقل لصلاحية بتحويل الموارد المالية والبشرية الضرورية لممارستها. يتم إنجاز المشاريع والمنشآت في إطار اتّفاق تبرمه السلطة المركزية مع البلدية. تؤخذ بعين الاعتبار خصوصيات الجزر "

[7]  فصل 38  مجلة الجماعات المحلية

[8]   فصل 39 مجلة الجماعات المحلية

[9]    مقتطف من - مقال أي دور لمؤسسة المعتمد في المشهد الإداري التونسي في المرحلة القادمة ؟-   أحمد قيدارة منشور بتاريخ 17-02-2016  بموقع نواة

[11]   أحدثت سنة 2015  بولاية قابس "معتمدية دخيلة توجان"و بولاية قبلي "معتمدية رجيم معتوق".واحدثت سنة  2016  معتمدتين بولاية القيروان هما معتمدية  "عين جلولة "–  معتمدية "منزل المهيري " و  بولاية توزر معتمدية "حامة الجريد  "لتحدث ختاما سنة 2017   2017 بولاية تطاوين معتمدية "بني مهيرة"