"لا يمكن مقاربة الأشكال السلطوية التي برزت في بداية القرن الحالي على أنها مجرّد استمرار لسلوكيات وأفكار آتية من الماضي. وكما سنرى إنها تشكّل، بالمعنى الدقيق، سلطوية جديدة مرتبطة بسالفتها ولكنها لا تختزل بها" (كامو، جيسير، المتلازمة السلطوية، مقدمة، ص. 8).

 

خلال شهر ماي 2018، قام معدّ هذا التحقيق بمجموعة من اللقاءات في تونس بشأن الاتحاد العام التونسي للشغل، استكملها بمجموعة من القراءات في الأدبيات المنشورة في هذا الخصوص. وقد شمل التحقيق رؤساء وأعضاء حاليين وسابقين فيه فضلا عن أشخاص آخرين ذات صلة معينة به.

وفيما قدّم الأشخاص المستمع إليهم عدداً من الخطابات حول هذه المنظمة، فإنه يقتضي التعامل مع هذه الخطابات بكثير من الحذر بالنظر إلى أنّ توجه الخطابات والحقيقة التي تسعى إلى إبرازها غالبا ما يتأثر في إطار التفاعل مع معدّ التحقيق. وقياساً مع النظرية الكمّية للمراقبة، يمكننا القول إنّ معدّ التحقيق ـ بحكم وجوده وانتباهه والصورة التي قدّمها إلى المستمع إليهم ـ يُدخل هو الآخر تعديلات وخصائص يريد هؤلاء إضافتها إلى خطاباتهم.       

فكيف سيتعامل إذا معدّ التحقيق مع خطابات المستمع إليهم؟ وبين وفاء أمين لمضمون هذه الخطابات وتشكيك تامّ بصدقيتها، أين سيقف ويتموضع؟

اختار معدّ التحقيق أن يرسم مساره  بدءاً مما يسمّيه رولان بارت "الأساطير العادية"[1] (أو "التمثيلات العادية للحقيقة") وصولاً إلى وجهة نظر أكثر "نقدية" مكتسبة عبر الانفصال عن هذه التمثيلات. ولكن هذا الانفصال يجب أن يبقى حزئياً بشكل لا يُفقد معدّ التحقيق التصريحات المسجّلة والمكتوبة لمن أجرى معهم التحقيق.                                                                      

 

المسارات المتعرجة لبناء الموضوع: من انطباع "لم أر شيئًا" إلى الانفصال

لم أكن أعرف شيئاً عن الاتحاد العام التونسي للشغل قبل إجراء مقابلات مع بعض قادته الحاليين والسابقين. وسبق أن قرأت أطروحة السيدة هيلا اليوسفي أتاحت لي إجراء هذه المقابلات وصياغة أسئلتي. وجعلني الانطباع بأنّي "لم أر شيء" (وقد تعزز هذا الانطباع بتسلسل المقابلات في وقت وجيز) أبدو ساذجاً أكثر مما كنت في الواقع. وقد أثبت هذا الأمر فائدته بحيث شعر من أجريت معهم المقابلات بثقة أكبر واستطاعوا بالتالي التعبير بحرية أكبر (من دون أن يحترموا دائماً ترتيب الأسئلة) وحتى الاستطراد على سجيّتهم متى أرادوا. 

أصغيت مجدداً إلى المقابلات بعد أسبوع من إجرائها وأول ما لفتني كان التفاعل نفسه: بين غريب قادم لإجراء بحث وجيز حول الاتحاد العام التونسي للشغل من جهة، ومحنّكين لديهم باع طويل في العمل النقابي التونسي من جهة أخرى. كل هذا من شأنه أن يجعل المقابلة متحيّزة، ويجب التنبّه من هذه العقبات التي قد تكون في النهاية مثيرة للاهتمام وشديدة الوقع. وبرز عنصر مشترك بين المقابلات السبع التي أجريتها: كلهم تقريبا يحاولون تحذيري عبر الإصرار على "خصوصية هذا الاتحاد" أو على "ثقافة الاتحاد العام التونسي للشغل". ولا أخفي أنّي في البداية لم أفهم تماماً ما المقصود بتعبير "ثقافة" أثناء المقابلات نفسها.

وكلّما انفصلت أكثر فأكثر عن المقابلات، كلّما كان وقع كلمة "ثقافة" يختلف عندي: فتذكّرت بعض قراءاتي مثل l’illusion identitaire  (وهم الهوية) لجي أف بايار أو أيضاً La Rigueur du qualitatif (صرامة النوعي) لجان بيير أوليفييه دي ساردان، حيث يدعو الأول إلى إزالة مصطلح "ثقافة" من المفردات العلمية، والثاني إلى استخدام دقيق وحذر لهذا المفهوم في الأنثروبولوجيا الاجتماعية. وحتى من دون هذه القراءات النقدية، عليّ أن أعترف أن استخدام تعبير "ثقافة" جاء لتبرير كل شيء تقريباً خلال المقابلات. وبعبارة أخرى، هدف ذلك إلى تبرير كل ما يمكن أن يثير مفاجأة أو دهشة طالب شاب في العلوم السياسية في السوربون يحاول تأكيد مثاليته المفترضة في الأسئلة التي يطرحها. فهذه الأسئلة كانت حتماً ساذجة بالنسبة لخبراء في العمل النقابي تعلّموا قبل زمن طويل أن يفرّقوا بين النقابة الرسمية ـ المثالية والعمل الجدي ـ الحقيقي للنقابة. لذلك سيكون الاتحاد العام التونسي للشغل مختلفاً عن غيره، ومختلفاً عن نظرائه في الغرب، وذلك لأسباب ثقافية: ثقافة المنظمة وهويتها، و/أو الثقافة الوطنية، و/أو حتى الثقافة العربية الإسلامية؛ وسنرى أن هذه الأسباب الثلاثة تقدّم كعناصر مترابطة يعتمد كل واحد منها على الآخر.

عرّف كل من أجريت معهم مقابلات غالباً "الثقافة" بأنها ثقافة النظام السابق أي الثقافة الوطنية السلطوية. ما هي هذه الثقافة الوطنية السلطوية؟ لا يعود هؤلاء إلى أصل نشأتها بل يتعاملون معها على أنها أمر غير معلن أو بديهي. وحين أطلب منهم إعطاء معنى أدقّ لتعبير "الثقافة السلطوية"، يشير بعضهم إلى التسوية التي قبل بها الوطنيون ونقابيو الاتحاد العام التونسي للشغل إبّان الاستقلال، بيما يرى آخرون كما سنلاحظ، أن لها جذوراً أعمق في التراث والهوية العربية المسلمة للبلاد. وتقدَّم هذه الهويات على أنها مترابطة: فيتم الخلط بين هوية الاتحاد العام التونسي للشغل والثقافة القومية التي ليست سوى جزءٍ من الثقافة العربية المسلمة للبلد.

سرعان ما ندرك أن أية محاولة لشرح الاستثناء التونسي من خلال "الثقافة"، بما في ذلك مفهوم "ثقافة النقابوية"، يؤدي إلى اعتبار الاتحاد العام التونسي للشغل استمراراً للنظام القديم الذي لا يمكن أبداً أن يتطور.

فـ"ثقافة" النقابوية السلطوية تتجلّى في الاتحاد العام التونسي للشغل أكثر منه في مجالات أخرى في تونس عبر معاداة التعددية وعبر رؤية عضوانية وعمودية ووحدوية وتوافقية للمجتمع. ومع ذلك ، هل يمكن الخلط بين النقابوية السلطوية وبين "الثقافة السلطوية"؟ لكي نجيب على ذلك، علينا أن نسأل أنفسنا ما إذا كانت النقابوية السلطوية تشمل مختلف الفاعلين كما يشير مفهوم "الثقافة"، كـ "جوهر طاغٍ، وتصورات تم التطبيع معها إلى درجة تحويلها إلى المسلّمات، تهيمن على الفاعلين الاجتماعيين وتفرض عليهم تمثيلاتهم وسلوكياتهم؟"[2]

جوابنا على هذا التساؤل سيأتي سلبياً لدى مقارنتنا بين نقابة "تضامن" Solidarnosc البولندية والاتحاد العام التونسي للشغل، اللذين شكّلا هوّيتيهما في سياقين سياسيين غير ديمقراطيين رغم أنّهما يتحدّران من سياقين ثقافيين مختلفين. وسنثبت أيضاً أن الأمر لا يتعلق فقط بمعركة دلالية (مع أو ضد كلمة "ثقافة"؟). فالواقع أنّ إشهار حجّة الهوية يشبع شرح الأيديولوجيات ويحدّ من امكانية الوصول لفهم أكثر موضوعية لمكانة الاتحاد العام التونسي للشغل في الأداء الفعلي للنظام السياسي التونسي.

تؤكّد المقارنة مع نقابة "تضامن" البولندية على أنّ التحوّلات التي يعيشها الاتحاد العام التونسي للشغل حالياً ـ بفعل دوره السياسي المتعاظم ـ يمكن تفسيرها بشكل أفضل في السياق السياسي لـ"الانتقال الديمقراطي". بعبارة أخرى، يشهد الاتحاد العام التونسي للشغل تحوّلاً حقيقياً. ومعرفة الاتجاه الذي سيسلكه تطوّر دوره السياسي إنما يدخل ضمن علوم استشراف المستقبل.

 

 

أولاً ـ الاتحاد العام التونسي للشغل: نقابة لا تختلف كثيراً عن غيرها..

"يجب الانتقال من نقابة قومية سلطوية قائمة على ثقافة قومية سلطوية إلى نقابة المواطن" (ح. ق.)

"(...) ما الفرق بين نقابة المواطن ونقابة قومية؟ لا يضم الاتحاد العام التونسي للشغل سوى 10% من الأعضاء الذكور والذكوريين. ونحن نعمل على الـ 90% المتبقّية التي تضمّ فتيات ونساء. وبعد 14 جانفي، حصل تحوّل في النموذج: انتقلوا إلى نظام المواطن. (...). لديهم طريقة بيروقراطية جداً في العمل. وهم يقفون في وجه الحرية النقابية في حين أنّنا في سياق تحوّل ديمقراطي (ح. ق.)

من الناحية النظرية،  تقدّم الكنفدرالية العامة التونسية للشغل (هي اتحاد معارض للاتحاد العام التونسي للشغل)، الاتحاد العام التونسي للشغل على أنّه فوضوي يحاول إعطاء الإنطباع بأنه عصري. ولكن دخول عصر الحداثة السياسية يتطلّب نزع آخر ملابس النظام القديم. بعبارة أخرى، يجب البدء من الصفر وغسل الاتحاد العام التونسي للشغل في المغطس ذاته مع النظام السلطوي.   

يبدو هذا الحكم مستنداً إلى افتراض قوامه أنّ منظمة مثل الاتحاد العام التونسي للشغل لا تستطيع مطلقاً التخلّص من العلاقات التي نسجتها مع النظام السلطوي لا سيما خلال الفترة الممتدّة من مؤتمر سوسة عام 1989 إلى نهاية تسعينيات القرن العشرين حين كان اسماعيل السحباني أميناً عاماً.

يصف أحد المستمع إليهم بشكل ملموس كيف يتجذّر الاتحاد العام التونسي للشغل في "الثقافة السلطوية" للنظام القديم:

"تبلغ ميزانيتهم 8 ملايين دينار كل عام، تدفع الدولة 70% منها. نحن نطلب ربع المبلغ ولا نحصل عليه. هناك استنسابية واضحة. رفعنا شكوى إلى المحكمة الإدارية التونسية. وربحنا القضية. المعركة هنا الآن. نحن كيان معترف به رسمياً لكننا لا نُعطى الوسائل لتنفيذ سياستنا. هنا يكمن النضال الكبير". (...)

"نحن أمام قوى قديمة". "الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة كلاسيكية". 

ولاحقاً يصف الاتحاد العام التونسي للشغل، لجهة عمله الداخلي، وكأنه دولة سلطوية مصغّرة:

"عندما كنت في الاتحاد العام التونسي للشغل، طالبت بتغييرات في أسلوب الإدارة: مؤتمرنا (في الكونفدرالية) ينتخب لجنة توجيهية من 41 شخصاً ينتخبون بدورهم لجنة تنفيذية تابعة لها. أما الاتحاد العام التونسي للشغل فينتخب بشكل مباشر لجنة تنفيذية لا يمكن التحكم فيها من قبل اللجنة الإدارية لأن الأخيرة غير مهمة".

ينطلق صاحب هذا الكلام في رأيه من رفض تام للاتحاد العام التونسي للشغل. فالأخير ينتمي كلياً إلى "الثقافة السلطوية" للنظام السابق. فالاتحاد الذي أصبح بعد 2011، خارج السياق الزمني، محكوم بعدم الاستقرار:

"لقد اكتسبوا ثقافة الحزب الواحد. (...)" (ح. ق.) 

"هذه هي الطبقة القديمة التي تعمل عناصرها سوياً. هذه هي الثقافة القديمة" (ح. ق.)

أضافت شخصية أخرى وهي أمينة عامة لنقابة أساسية لمستشفى في تونس، عناصر تدعم هذه الفكرة. ورداً على سؤالي: "من أين أتت هذه "الآلية المعتمدة في الاتحاد العام التونسي للشغل" التي تتحدثين عنها؟"، أجابت:

"الأمر اجتماعي: إنها العقليات الذكورية" (ل.)

وأضافت:

"ليس الاتحاد العام التونسي للشغل هيئة نقابية عادية. إنه هيئة قومية"(ل.)

"الاتحاد العام التونسي للشغل سيبقى دائماً منظمة ذكورية"(ل.)

"الاتحاد العام التونسي للشغل هو نقابة قومية، لذلك ليس لديه ولن يكون لديه أبداً دور محدد وواضح" (ل.)

 

يؤكد هؤلاء إذاً على تغليب الاتحاد قضايا العمل على جميع أنواع النضال الاجتماعي والسياسي الأخرى (وبخاصة النضال النسوي). فالاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يقود الدفاع عن الحقوق الاجتماعية - الاقتصادية، سيبقى منظمة محافظة في ما يخص قضية المساواة بين الرجل والمرأة. ويستدل هؤلاء على ذلك من أن تعاطي الاتحاد مع قضية المساواة في الإرث مثلا (أخيراً)، بقي خجولاً جداً. ويقول البعض إنها "مرآة المجتمع".

تستخدم فكرة "المرآة الاجتماعية" أيضاً لشرح "النقابوية الشديدة" التي تسيطر على الاتحاد العام. وكما شرح أمين عام مساعد سابق للنقابة المركزية:

 "لسوء الحظ، النقابوية موجودة في جميع المجالات من دون استثناء. هي جزء من معالم الأزمة الحالية. هل "المصلحة الوطنية في المقام الأول"؟ في الواقع، إنها المصلحة النقابوية وحتى الشخصية التي تسود في الغالب. النقابوية موجودة حتى داخل الاتحاد العام التونسي للشغل. إنها قوية جداً".

في الواقع، كان الاتحاد العام بصفته اتحاداً نقابوياً، مرتبطاً بشكل وثيق بالنظام القديم: "(...) "النقابات العمالية" التي تعتبر أداة "وساطة" مع أصحاب الأجور (لا سيّما في القطاع العام)، كانت بالنسبة لحكومات الدول السلطوية مؤسسات مهمتها نزع فتيل المطالب والاحتجاجات الاجتماعية [ريتشارد، واتربوري، 1990، صفحة 340 و341][3].

في الواقع كان الاتحاد العام تاريخياً أداة للسيطرة الاجتماعية ولكن فعاليته لم تكن كاملة. في الواقع، كانت اللجنة التنفيذية غالباً ما تغرق في مطالب القاعدة النقابية التي لم يكن انضباطها كاملاً بشكل دائم لا سيما خلال سبعينيات القرن الماضي حين أصبحت "الملاذ والملجأ للقوى المعارضة في السلطة" [الزغل، 1998، صفحة 10][4].

 

ثانياً ـ  محاولة المقارنة بين الاتحاد العام التونسي وحركة "تضامن" (بولندا):

هوية الاتحاد هي قضية صراعات سياسية

إذاً إن أول بادرة فكرية لفهم طريقة عمل الاتحاد العام التونسي للشغل، بحسب الذين شملتهم المقابلات، هي تفادي مقارنته بنقابات أخرى مع الإصرار على "الثقافة" الخاصة للمنظمة النقابية التونسية. ولكن أين تكمن هذه "الخصوصية" التي لا يكفّ الفاعلون في الاتّحاد عن الحديث عنها؟

أ ـ في البيروقراطية المفرطة للاتحاد العام التونسي للشغل؟ من يمكنه أن يؤكّد جدّياً بأنها لا تشكّل خطراً على أي نقابة؟

ب ـ هل تأخذ في الحسبان أنّ الاتحاد العام يعيد، في داخله، إنتاج الصراعات الموجودة في المجتمع (بين النساء والرجال، والشباب وكبار السن إلخ..)؟ وهنا أيضاً كيف يشكّل ذلك خصوصيةً للاتحاد الوطني التونسي؟

ج- الاتحاد التونسي لا يتّسم بعدم التجانس على عكس النقابات الأخرى، بل تطبعه صراعات وانقسامات داخلية كبيرة. ولكن هل من اتحاد يفلت من هذه الظاهرة؟

إذا كان ثمة فرقٌ، فهو فرق في الدرجة وليس في الطبيعة. وهذا يسمح لنا إذا إجراء مقارنة بين الاتجاد ونقابة "تضامن" البولندية. فهذه الأخيرة لم تأتِ من السياق "الثقافي" نفسه الذي يأتي منه الاتحاد التونسي (النقابوية الإسلامية والقومية)، ولكنها مثله ولدت في سياق غير ديمقراطي أتاح لهما اكتساب دور ومكانة مهمّين للغاية.

تقود التفسيرات ذات الطابع الثقافي في الواقع إلى تجميد ديناميات هذه النقابة وتطورها، فتختزلها حيناً بـ "الثقافة الوطنية السلطوية" وحيناً آخر بهويتها "القومية" (ل.). ولكن كلا وجهتي النّظر هاتين خاطئة نظراً إلى كون سياق التحرر السياسي الذي استجدّ عام 2011 أثر بشكل ملموس على دور الاتحاد من خلال مضاعفة وسائل النضال المتاحة أمامه. فالاتحاد – الذي يقدر عدد منتسبيه ب 700000 شخص أي بما يقارب 7% من سكان تونس، يكتسب في السياق "الديمقراطي"، ثقلا سياسيا لا يمكن إنكاره، بفضل قدرته على التعبئة.

 بالإضافة إلى ذلك، يعاد تعريف دور الاتحاد في إطار "الانتقال الديمقراطي" المتواصل. فهذه المرحلة الانتقالية تتوافق مع إعادة تعريف الفاعلين "الشرعيين" الذين سيتولّون مسؤولية الشؤون السياسية وإعادة تعريف الأدوار السياسية الشرعية وإضفاء طابع قانوني عليها.

"الاتحاد العام التونسي للشغل هو اتحاد قومي، لذلك ليس لديه ولن يكون له دور محدد وواضح". (ل.)

"يجب على النقابة أن تبقى في إطار دورها الدستوري كقوة مضادة منبثقة من المجتمع المدني". (ح. ق.)

"في ظل الضعف الذي أصاب الدولة والحكومة، يبرز الاتحاد العام التونسي للشغل كضمانة في الجهات (المناطق). فالسكان هناك لا يريدون رؤية الحاكم بل الاتحاد الجهوي". (ل.)

"حين تستشعر الأحزاب اليمينية، ومن ضمنها "النهضة"، أن ثمة إشكالا، فإنها تعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل "اتحادنا المركزي التاريخي منذ الاستقلال"، أما إذا كان هذه الجهة في موقع قوة، فهي ترغب في قمع الاتحاد".

"إنّ السياسة التي تعتمدها الأحزاب تقوم على الوصول إلى الحكم. أما نحن فنريد تحسين ظروف المعيشة والعمل". (ف.)

ليست الهوية غير الواضحة المعالم للاتحاد العام الوطني للشغل ظاهرة فريدة وخاصة به. فنقابة "تضامن" استغرقت عقداً لصياغة دورها النقابي بشكل قانوني. وكما يشير جيروم أورتو[5] فإن أول قانون للأحزاب في بولندا يعود إلى عام 1990. وبالتالي، كانت الصياغة القانونية لدور نقابة "تضامن" تتويجاً لنضالات سياسية طويلة. لا بدّ من "إعادة ترتيب التحدّيات والديناميات المعقدة لعملية فرض فئة "حزب" وبناء الديمقراطية بموجب القانون"، من أجل فهم النقاشات حول الدور السياسي المتنامي للاتحاد العام التونسي للشغل.

"إنه القصور في الإصلاحات القانونية. صحيح أن الاتحاد العام التونسي للشغل يلعب دوراً قانونياً، ولكنه واسع أيضاً. وهو مضطر على ذلك. فنحن نرغب في الاهتمام فقط بحقوق العمال، ولكن لا يمكن للاتحاد أن يحصر اهتمامه بالعمّال. نحن بحاجة إلى الجميع لتحسين حياة التونسيين والتونسيات".

كما تنظر الأحزاب السياسية إلى النقابتين في بعض الأحيان على أنهما تهديد لأن الاتحاد العام التونسي للشغل يكتسب في الواقع مكانة احتكارية، مثل ما كانت عليه نقابة "تضامن" في السابق. فقد أصبحت تدريجياً نقابة فوق الأحزاب نظراً إلى احتكارها ما يشكّل نقطة ضعف الأحزاب أي العدد.

ويبدو الاتحاد صامداً في هويته كنقابة. ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل: لا سيما غياب الثقة لدى أعضائه ولدى جزء من المجتمع التونسي في الأحزاب السياسية "التقليدية". ويعود ذلك إلى حذر من السلطة متأصّل في سياقات الانتقال الديمقراطي (في بولندا وتونس). ويبدو أنّ أحد مفاتيح شعبية الاتحاد التونسي هو تحديداً عدم السعي إلى الاستحواذ على السلطة والظهور بالتالي أقرب إلى المجتمع المدني من الحزب السياسي "التقليدي". 

على غرار نقابة "تضامن"، يمكن اعتبار الاتحاد التونسي "تكتلاً تنظيمياً لا يزال وضعه وطبيعة الأنشطة (السياسية والنقابية والمدنية) لمختلف مكوناته - المتحدة حصرياً من خلال الإشارة إلى العلامة ذاتها - غير محددة إلى حد كبير، كما يصبّ "التباس النوع" بشكل خاص في مصلحته في سياق لعبة سياسية ذات أطر غامضة حيث الأحزاب هي مجّرد نوع من اللاعبين".[6]

ولكن لماذا لا يوجد أي قانون يوقف الاتحاد حين يتدخّل في التعديلات الوزارية؟ كيف يعقل أنّ ما من جهة قادرة على مواجهة الاتحاد قانوناً لإرغامه على توضيح هويته؟ لماذا لا تعارض الأحزاب السياسية الاتحاد بشدة طالما أنه يسرق منها النجومية؟

"حين يكون هناك مشاكل اجتماعية، تضع أحزاب السلطة الاتحاد العام التونسي للشغل في الواجهة"،

كما حصل تماما في قمّتي قرطاج 1 وقرطاج 2 اللتين شارك فيهما الاتحاد من خلال أمينه العام.

 

في الخلاصة، يمكننا أن نفهم بشكل واضح أنّ مجمل اللاعبين السياسيين الأساسيين حتى الآن يجدون مصلحة في هذا الوضع حيث يبقى الدور السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل غير محدد.

يحتل الاتحاد العام التونسي للشغل بالفعل وبسهولة أكبر المكان الشاغر الذي يتركه له اللاعبون المهمون طواعية: وهذا يسمح لهؤلاء تضييق المكان الذي يمكن أن تحتلّه الأحزاب السياسية اليسارية. وإذا حصل أن بدأ الاتحاد يكتسب أهمية سياسية كبيرة، فإنه يتم إرجاعه إلى وضعه النقابي ... في النهاية، إنها لعبة لا يربح لاعبوها ما يخسره الآخرون، لعبة لا خاسر فيها.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 12 | أغسطس 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العدالة المشوّشة بصراع الإيديولوجيات: ذاكرة فئوية لغد فئوي؟

 


[1] Mythologies, Roland Barthes, Seuil, 1957.

[2]  Jean-Pierre Olivier de Sardan, La Rigueur du qualitatif, Les contraintes empiriques de l’interprétation socio-anthropologique, Anthropologie prospective, 2008, Introduction.

[3] Éric Gobe, « 11 : Les syndicalismes arabes au prisme de l'autoritarisme et du corporatisme », in Olivier Dabène et al., Autoritarismes démocratiques. Démocraties autoritaires au XXIe siècle, La Découverte « Recherches », 2008 (), p. 267-284.

[4] المرجع نفسه.

[5] Jérôme Heurtaux, «Démocratisation en Pologne : la première loi sur les partis (1989-1990)», Critique internationale 2006/1 (no 30), p. 161-175.

[6] المرجع نفسه.