بتاريخ 9 جويلية 2018، صدر حكم قضائي تونسي بشأن "التحول الجنسي". الحكم (وعدده 12304) صدر عن المحكمة الإبتدائية بتونس (الدائرة السابعة والعشرون) في مادة الأحوال الشخصية.

وتتمثل وقائع الحكم في كون المدعي[1] يعاني من قلق وعدم ارتياح حول نوع الجنس الذي ولد به لأنه يمتلك جسم فتاة إلا أن دماغه يخبره بأنها ذكر وهو ما يعرف لدى الأطباء باضطراب الهوية الجنسية. لذلك خضع للعلاج النفسي ثم للعلاج الهرموني والجراحي لتواصل معاناته وذلك بألمانيا حيث سافر لمواصلة دراسته الجامعية. هنالك، تحصل على أحكام قضائية أولها يتعلق بتغيير جنسه وثانيها ما يتعلق بهويته الجديدة "ريان".

وعلى إثر عودته لتونس، قدم دعوى ضد وكيل الجمهورية بالمحكمة الإبتدائية بتونس ممثلا للحق العام بهدف استصدار قرار بتغيير جنسه من أنثى إلى ذكر وبتغيير اسمه من لينا إلى ريان مع الإذن لضابط الحالة المدنية بالتنصيص على ذلك بدفاتر الحالة المدنية. فكلفت المحكمة بمقتضى حكم تحضيري طبيبا نفسيا لفحص المدعي من الناحية النفسية وطبيبا شرعيا لمعاينة جسده، وتحديد جنسه للجواب على المسألة المتعلقة بجواز أو عدم جواز تغيير الجنس[2].

تبعا لذلك، قررت المحكمة أن المدعي يعاني من اضطراب الهوية الجنسية بصورة محضة. وللوصول إلى هذه النتيجة، استندت على تقرير الطبيب النفسي الذي بيّن أن المدعي لا يعاني من أي اضطراب نفسي وأن حالته هي حالة متحول الهوية الجنسية، وعلى تقرير الطبيب الشرعي الذي أثبت انتماء المدعي لفئة الذكور سلوكا وحركات ونفسية، وعلى التنافر الذي يعاني منه بين هويته الباطنية ومظاهر جسده الخارجية. وعليه، قبلت المحكمة تغيير الجنس بقولها: "لإعادة التكيف بين المؤشرات التي يرسلها إليها (إليه) دماغها (دماغه) وما يظهر على جسدها (جسده) من جنس مغاير لهويتها الجنسية، وجب تصحيح المضمون لمطابقة الحقيقة". ولتوفر شروط حالة الضرورة أمرت المحكمة بتغيير جنس المدعي من أنثى والتنصيص عليه في رسم الولادة وذلك لتنعم بالحق في حياة طبيعية.

وقبل التعليق على هذا الحكم، يقتضي بداية التدقيق في بعض المصطلحات المستعملة.

 

تدقيق بعض المصطلحات المستعملة

يعتبر اضطراب الهوية الجنسية[3] عدم رضا الفرد بالجنس البيولوجي المولود فيه. ويشعر الشخص الذي يعاني منه بالقلق والضيق بسبب عدم التطابق بين الجنس البيولوجي والهوية الجنسية أي بين الواقع وما يحس به. ويمكن أن يترافق هذا الاضطراب مع مشاعر مؤلمة وغير مريحة، تسمى بالانزعاج بين الجنسين.

تختلف عبارة "الجنس" عن عبارة "الجندر". فالجندر ليس ثابتا وهو بعكس الجنس البيولوجي الذي يؤسس للجندر، متغير. فالمميزات البيولوجية لا تتغير على عكس الجندر الذي يتميز بالتحرك والتقلب[4]

تحيلنا هذه العبارات للحديث عن "المتحولين جنسيا" بما أن الأمر يتعلق بتغيير الجنس وبطلب تغيير علامة الجنس في رسم الولادة. و"هم الأشخاص المنتمين لجنس معين والذين لديهم اقتناع مطلق في الانتماء للجنس الآخر مع وجود رغبة جامحة وملحة في تغيير الجنس للعيش بمظهر مطابق للفكرة التي وضعوها[5]". فتغيير الجنس في هذه الحال يتنزّل في إطار ما يطلق عليه بجراحة تغيير الجنس. والمراد بها الجراحة التي يتم بها إما تغيير للجنس من ذكر لأنثى أو العكس.

أما "الهوية الجندرية" فتعرفها الموسوعة البريطانية بأنها "شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى[6]"، وهي لا تثبت بالولادة، بل تتأثر بالعوامل النفسية والاجتماعية.

يقصد بتغيير الجنس تصحيح الجنس في سجلات الأحوال الشخصية. وتبعا للفراغ القانوني في هذا المجال، يسود غموض الوضعية القانونية للأشخاص المتحولين جنسيا، بحيث أضحى تحديد وضعيتهم مرتبطا بمرجعية القاضي الذي يحدّد القاعدة كلما ترك المشرع وضعية خاصة غير منظمة. وقد طرحت هذه المسألة أمام القضاء بمناسبة النظر في مطلب تغيير علامة "الجنس" الموجودة في رسم الولادة[7].

 

يجرنا هذا للحديث عما يطلق عليه بالهوية الجندرية والذي يختلف الإعتراف بها من دولة لأخرى إذ يتراوح بين الإعتراف الكلي كما هو الحال في القانون الأرجنتني والإعتراف المشروط (شبه الاعتراف). فأما الحالة الأولى فيسمح فيها القانون بتغيير الجنس من دون وضع شروط مسبقة. وأما الحالة الثانية فهي التي لا تقبل التغيير إلا إذا توفرت شروط معينة.

 

هل اعترف الحكم بالهوية الجندرية؟

بالتدقيق في الحكم، يظهر أنه جاء منفتحا على التجارب المقارنة في فقه القضاء كالمحاكم الفرنسية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وبشكل أعم على مرجعية حقوق الإنسان وتكريس الحريات الفردية. وفيما أن الحكم يخطو خطوة هامة في سياق حماية الحياة الخاصة للأفراد في ما يتعلق بمسألة تغيير الجنس (1)، إلا أنه يبقى حذرا من خلال وضع شروط بدافع حماية النظام العام (2)، مما يؤشر إلى إرادة التدرج في الاجتهاد أو إحاطة الحكم بما يجعله مقبولا اجتماعيا في ظروف صدوره.

 

  1. تأثر الإعتراف بالهوية الجندرية بالمنظومة القضائية

من خلال تصفحنا لعديد القضايا التي تناولت موضوع تغيير الجنس ومقارنتها بقضية الحال، نلاحظ تطورا في فقه القضاء في ما يخص هذه المسألة. إذ يتأثر الإعتراف بالهوية الجندرية من عدمه بمرجعية القاضي بمناسبة نظره في قضية معينة (أ) وبالدور الذي يلعبه لإنفاذ الحقوق والحريات التي تحمي الهوية الجندرية (ب).

 

  • تطور مرجعية القاضي

بالرجوع لعديد الأحكام والقرارات القضائية السابقة في هذا المجال، نلاحظ انسياقا نحو المرجعية المحافظة المستلهمة من الثقافة الإسلامية التي يؤسس عليها القاضي أحكامه في مادة تغيير الجنس. ففي سنة 1993، لاحظنا من خلال قراءة القرار الإستئنافي الصادر عن محكمة الإستئناف بتونس في 22 ديسمبر 1993 غيابا تاما للمرجعية الكونية لحقوق الإنسان. فقد اختزلت المحكمة آنذاك المسألة في كون رفض مطلب تغيير الجنس أساسه حماية المجتمع، على اعتبار أن "متحول الجنس" يهدد المثال المحافظ ونواة المجتمع التي هي الأسرة التقليدية المتكونة من رجل و امرأة. ف "متحول الجنس" في نظر القاضي لا ينتمي لأي من الجنسين ولا يمكن له بالتالي الزواج من جهة. إضافة إلى أن تغيير الجنس يسمح بالتصرّف في الجسم البشري لكونه يمكّن الشّخص من تغيير جنسه كيف ومتى شاء وهو ما يتنافى والقانون الوضعي والشريعة الإسلامية من جهة أخرى[8].

أما الحكم موضوع التعليق فقد ذهب في منحى مختلف. فهو لم يقصر تعليل حكمه على ما قد يؤيده من مراجع مستمدة من الشريعة الاسلامية، بل استأنس بالتجارب المقارنة في فقه القضاء كالمحاكم الفرنسية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والتي اعتبرت حماية الهوية الجندرية والإعتراف بها عنصرا من عناصر حماية الحياة الخاصة للأقراد التي تلتزم الدولة بحمايتها. وباستناده على الدستور في فصله 24، تبنى القاضي قراءة تتماشى والتطور الحاصل دوليا في ميدان حقوق الإنسان مذكرا بتوطئة الدستور التي تنص على أن "الدولة تضمن علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان"، أي أن القاضي يقر بأن القانون الوضعي والدستور يقدمان على الشريعة ليطبق الحق في حماية الحياة الخاصة الوارد بالفصل 24 من الدستور على وضعية تغيير الجنس.

 

وبالتالي، وبتأويل عكسي لما ورد بهذا الحكم، يعد عدم الاعتراف بالهوية الجندرية انتهاكا للحق في احترام الحياة الخاصة كما ورد بالدستور وبالنصوص الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها تونس والذي ذكر القاضي بعلويتها على القوانين.

وهذا ما يجرنا للحديث عن التجارب المقارنة في فقه القضاء. ففي قضية سنة 2002 في المملكة المتحدة، اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن "رفض تغيير الأوراق الثبوتية والهويات القانونية يمكن أن يرقى إلى التمييز وانتهاك الحق في احترام الحياة الخاصة". وفي قضية أخرى في 2003، وجدت المحكمة أن ألمانيا فشلت في احترام "حرية مقدمة الطلب في تحديد نفسها على أنها أنثى، وهو أحد مقومات حق تقرير المصير الأكثر جوهرية". وهي القضايا التي جعلت الحكم الصادر في قضية الحال يبين لنا كيف تطور دور القاضي في هذا المجال.

 

  • تطور دور القاضي

نستشف من خلال قراءة الحكم الصادر في 9 جويلية 2018 أن دور القاضي تطور في ميدان حماية الحقوق والحريات. فمن جهة، رفضت محكمة الإستئناف بتونس بتاريخ 22 ديسمبر 1993 الاستلهام بالقانون المقارن وبخاصة الاجتهاد الأوروبي، بحجة أن "القاضي يجد نفسه مقيدا بحضارته ويجب عليه احترام متطلبات الوظيفة التي يقوم بها في المجموعة الإجتماعية". كما أن المحكمة ذكّرت في متن حكم 1993 بارتباطه بالثقافة العربية والإسلامي، مبينة بأن اختلاف الثقافات هو ما يؤسس حكمها. فكأنما  المحكمة لا تجد حرجا في رد هذا النوع من الطلبات، لعدم امتثالها للإرث الحضاري العربي والإسلامي. إلا أن هذا التعليل تغير في الحكم الصادر في 2018. فالقاضي بدا معنيا بحماية حقوق الأفراد بغض النظر عن الثقافة السائدة أو المعتقدات التي يتبنّاها، فتراه جد ليغرف منها ما قد يمهد لحماية هذه الحقوق. وقد أكد أن القضاء هو "الضامن لإقامة العدل ولعلوية الدستور ولحماية الحقوق والحريات الأساسية" وليس لحماية الثقافة السائدة. وبالتالي تجد المتقاضية رغم اختلافها عن الثقافة السائدة مكانا لها في المنظومة المتطورة للقضاء المبنية على الحياد والعدل وحماية الحريات الفردية وكرامة المواطنات والمواطنين على حد تعبير الفصل 21 من الدستور.

وفيما انتهى القاضي إلى إقصاء الرأي الفقهي الذي يعتبر تغيير الجنس "جريمة"، فإنه تبنّى الرأي الفقهي الثاني الذي أجمع عليه الفقهاء والقائل بأن "الضرورة تبيح المحظور" وفي ذلك محاولة لإيجاد توازن (ولو ظاهر) بين حماية حقوق الفرد وحماية النظام العام. فلا يظهر تغيير الجنس المقبول بفعل هذا الحكم (والذي يبقى إلى حد ما منعزلا) على أنه أمر مطلق.

 

  1. تأثر الإعتراف بالهوية الجندرية بحماية النظام العام

في هذا الإطار، وضعت المحكمة الشروط التي تتحقق بها الضرورة والتي تسمح للمدعي بتغيير اسمه وعلامة الجنس في رسم الولادة (أ) وفي هذا توجه نحو الإعتراف بالهوية الجندرية (ب).

 

  • شروط القبول بتغيير الجنس

لئن تحمي الدولة حرمة الحياة الخاصة ومنها في قضية الحال الحياة الخاصة المتعلقة بالهوية الجندرية، فهي في نفس الوقت تحمي الفرد من نفسه حتى لا تصبح "حرية اختيار الفرد لجسده" وتغيير هويته الجنسية مبالغا فيه أو ضارا بالشخص خاصة ولا سيما أن مثل هذه العمليات نهائية ولا رجعة فيها. ومن ناحية أخرى اعتمدت المحكمة مبدأ "الضرورة تبيح المحظورات" وبذلك تعتبر ضمنيا أن تغيير الجنس بالإرادة الحرة أمر غير ممكن وأن القبول به استثناء تفرضه ضرورة نفسية أو جسدية معينة، لأن المبدأ هو استقرار الحالة المدنية وتعني الضرورة في هذه الحالة أن ما أقدم عليه الطالب هو من آخر الحلول ولم يعد هناك من وسيلة لينعم بحياة عادية كباقي الأفراد.

إذ يبدو أن المحكمة في قضية الحال تتبنى نظرية أن مسألة الجنس مسألة تتعلق بالنظام العام وليس بالإرادة الفردية وحسب. لذلك هي تضع شروطا للسماح للمتقاضية بتغيير رسم الولادة وذلك رغم اعترافها بأن الهوية الجندرية تندرج ضمن عناصر الحياة الخاصة. وهذه الشروط تجعل من الهوية الجندرية رهينة التدخل الطبي أي أن عمليات الجراحة والعلاج الهرموني يجب أن تتم حسب تعليمات الطبيب المختص وليس فقط حسب رغبات الشخص.

وبالتالي، تتأسس حماية النظام العام في ما يتعلق بتغيير الجنس على استقرار الحالة المدنية فكل "تغيير اصطناعي[9]" غير مقبول. أما التغيير المبرر طبيا من الناحية الجسدية أو النفسية فهو وحده الذي يكون مقبولا، وذلك في محاولة لإيجاد التوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة التي تتمثل في حماية الصحة العامة.

في قضية الحال، اعتمدت المحكمة على تقرير الطبيب الشرعي لتقر في مرحلة أولى بأن حالة المدعي هي حالة "اضطراب الهوية الجنسية" وليس "انحرافا للسلوك الجنسي" مما يسمح لها "بتصحيح المضمون لتطابق الحقيقة". وفي مرحلة ثانية، اعتبرت أن المدعي يعتبر في حالة من حالات الضرورة لأنها بذلت منذ سن 12 عاما إلى حين خضوعها للعمليات الجراحية مدة كافية في محاولة للتكيف مع حالتها الجسدية. وأقرت بأن مواصلتها العيش بالجسد الذي ولدت به يشكل خطرا على حياتها لأنها أقدمت في الماضي على الإنتحار.

ويمكن أن نضيف لحالة الضرورة أن مجرد إفصاح المتقاضية وغيرها من الأشخاص الذين يعيشون نفس الوضعية عن هويتهم الجنسية في الفضاء العام قد يؤدي إلى تهديد سلامتهم الجسدية والنفسية وحتى المهنية ويسمح للسلطات بمضايقتهم وتهديدهم وابتزازهم.

أما الشروط التي وضعتها المحكمة لقبول طلب المتقاضية فتتمثل في أن يبذل المريض جهدا في التكيف مع حالته الجسدية ويعجز عن ذلك. ثم أن يسعى للمعالجة والتداوي وعلى إثر فشل المعالجة يصبح بالمريض ضرر جسيم وخطير لا يمكن تفاديه ومؤدي للهلاك. حسب المحكمة، تتمثل الضرورة في المحافظة على الحياة ويتمثل الخطر في المعاناة النفسية التي قد تصل حدّ الإنتحار.

لكن من الممكن مناقشة هذه الشروط في حال الاعتراف بالهوية الجندرية كعنصر من عناصر الحياة الخاصة. فما هو الجهد المطلوب بذله؟ وما هي المدة التي يجب عليه أن يتكيف فيها مع الجسد الذي يرفضه؟ علما وأن الأشخاص الذين يتشابهون مع حالة المدعي يعانون من التمييز والإقصاء والأحكام المسبقة في الوسط الإجتماعي والمهني، وأن عدم الاعتراف بتغيير الجنس يعرقل ممارسة حقوق أخرى كتقديم شكوى لإعلام الأمن في صورة تعرضهم للإعتداء فهؤلاء الأفراد يتجنبون الاستعانة بالسلطات المختصة لتخوفهم من أن يصبحوا متهمين بالإعتداء على الأخلاق فيما هم ضحايا.

هذا وقد ذكرت منظمة العفو الدولية بخصوص تصريحات أفراد من المتحولين جنسيا ومزدوجي النوع عن وجود مستويات عالية من الاستغلال الممارس بحقهم وعن تعرضهم للاعتداء البدني والجنسي من لدن ممثلي الدولة لاسيما عناصر الشرطة.

وفي تقريرها المقدم في 2016 إلى اللجنة المعنية بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة تطرقت منظمة العفو الدولية لحالات التمييز والتحرش والعنف على أساس هوية النوع الاجتماعي.[10]

 

  • نحو الإعتراف بالهوية الجندرية

لأول مرة يستعمل القاضي في قضية تتعلق بتغيير الجنس مصطلحا طبيا "اضطراب الهوية الجنسية" لتشخيص حالة المدعي للتأكد من شروط توفر الضرورة من عدمها. وهذا ما لم يحدث في القضايا المماثلة السابقة، حيث كان القاضي رفض طلب المدعي لمجرد أن التغيير الذي حصل، تمّ بإرادة الفرد ومن دون تشخيص لحالته. وقد اعتبر هذا "التغيير الإصطناعي" متسرعا وكان على المتقاضي أن يتلقى علاجا نفسيا حتى يجد توازنه النفسي لأنه في نظر القاضي قد "خالف الموروث الحضاري والأخلاقي لهذه الأمة وهو ما يعبر عنه قانونا بالنظام العام والأخلاق الحميدة".

فخلافا للقضايا السابقة لقضية الحال، لا يعتبر الحكم موضوع هذا التعليق هذا الاضطراب مرضا، مذكّرا بأنه أزيل من قائمة الأمراض النفسية. فالمحكمة في هذه القضية لا تنظر في "مشروعية" تغيير الجنس بل تسعى لحماية المدعي خاصة إذا تعلق الأمر بقدسية الحق في الحياة وإنقاذ المدعي من أن يحاول الإنتحار مجددا. هذا وقد اعتمدت المحكمة على تقرير الطب النفسي لتعترف لأول مرة في تاريخ القضاء التونسي بوجود "متحول الهوية الجنسية" مقرة بالتالي بالتنوع الجنسي.

لكن هذا لا يعدو كونه اعترافا مشروطا بالهوية الجندرية، بما أن قبول التغيير يبقى رهين التدخل الطبي.

من هذه الزاوية، ورغم أهمية الحكم الصادر والخطوات الهامة المحققة بموجبه، فإنه يبقى دون ما وصلت إليه قوانين مقارنة على صعيد الاعتراف بالهوية الجنسية وسيادة الفرد في تقريرها[11].

كما يلحظ أن المجلس الأوروبي أوصى بالتخلي عن ربط الاعتراف بالهوية الجندرية بالتدخل الطبي[12] وبالتخلي عن العمليات الجراحية والعلاج الطبي[13].

 

خلاصة

ختاما، بقراءة هذا الحكم، نلحظ تطورا إيجابيا في مجال تغيير الجنس ونية متجهة نحو الإعتراف بالهوية الجندرية والتنوع الجنسي. فالحكم تعرض للتجارب فقه قضائية المقارنة وتبنى مقاربة حقوق الإنسان الكونية ولأول مرة يستعمل في نص الحكم عبارات جديدة كمتحول الجنس والهوية الجندرية مستأنسا بالقوانين التي قطعت أشواطا كبيرة في هذا المجال. لكن يبقى أنه ربط تغيير الجنس بوجود ضرورات طبية نفسية أو جسدية، مما يترك المجال مفتوحا لتطور الاجتهاد لاحقا.

 

مقالات ذات صلة: 

 

 


[1]  الدعوى رمت إلى الاعتراف بتغيير الجنس من أنثى إلى ذكر. وعليه، ورغم أن الجهة المدعية كانت في القيود الرسمية أنثى عند تقديم الدعوى، فإننا آثرنا التزاما بمآل الدعوى (قبولها) اعتبارها ذكرا. (المحرر)

[2]   راجع في هذا الموضوع  حبيب نويصر: تغيير الجنس في القانون التونسي : أو عندما يصادر القانون الهويات، الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية، تونس، 2018.  http://www.adlitn.org/sites/default/files/3._changer_de_sexe_synthese_ar_ang.pdf

[3] Gender identity disorder

هناء صندقلي: اضطراب أم مرض نفسي: أسباب، عوارض، علاج، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016،  ص. 119.

[4] عزة شرارة بيضون: الجندر... ماذا تقولين؟، دار الساقي، بيروت، 2017، ص. 30

[5]ARNOUX (I): Les droits de l’être humain sur son corps, Presses Universitaires de Bordeaux, Bordeaux, 1994, p. 204.

[6] https://www.britannica.com/topic/gender-identity

[7]  محمد أمين الجلاصي: المحقرون في القانون التونسي: حين يؤسس القانون لللامساواة، الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية، تونس، 2018، ص. 20 ومايليها.

http://www.adlitn.org/sites/default/files/1._version_arabe_web_0.pdf

[8]محكمة الاستئناف بتونس، قرارمدني عدد 10298 بتاريخ 22 ديسمبر 1993رشيدة الجلاصي: "تعليق حول امكانية تغييرالجنس

المنصوص عليه في رسم الحالة المدنية". م. ق. ت  1995 .ص146..

"تسرع لإجراءعملية للحصول على تغييراصطناعي في جنسه"

المحكمة الإبتدائية بنعروس، حكم عدد 621 ، المؤرخ في 28 مارس 1990 ، مجلة القضاء والتشريع عدد 2، فيفري 1991 ،ص. 127 .

[9] محكمة الاستئناف بتونس، قرار مدني عدد 10298 بتاريخ 22 ديسمبر1993  رشيدة الجلاصي: "تعليق حول امكانية تغييرالجنس

المنصوص عليه في رسم الحالة المدنية"،. م. ق. ت. 1995ص. 146.

[10]تونس، تقريرمقدم إلى الدورة التاسعة والخمسين للجنة المعنية بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة التي ستعقد من 9 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2016  . منظمة العفو الدولية، ص.ص. 9-10 .

[11]  ومن الأمثلة على ذلك، ما أرساه القانون الأرجنتيني الذي يعرف الهوية الجندرية على أنها:

"النمط الداخليّ والفرديّ الذي يتصوّر الأشخاص من خلاله الجندر، والذي يمكن أن يتطابق مع الجنس المحدد عند الولادة كما يمكنه أن يختلف عنه عبر تغيير الشكل الخارجي للجسد أو وظائفه من خلال الجراحة أو غيرها من الأدوات على أن يتم اختيارها بحرية".

القانون الأرجنتيني للهوية الجندرية المؤرخ في 8 ماي 2012.

https://globaltransaction.files.wordpress.com/2012/05/argentina-gender-identity-law.pdf

 

[12]  Droits de l’Homme et identité de genre, Conseil de l’Europe, 29 juillet 2009, p. 20.

[13] مبادئ يوغياكارتا لجهة أن التوجه الجنسي والهوية الجنسانية المحددة ذاتيا من قبل الشخص هي "جزء لا يتجزأ من شخصيته" وهي جانب أساسي من حق تقرير المصير والكرامة والحرية.

https://yogyakartaprinciples.org/wp-content/uploads/2016/08/principles_ar.pdf