يتفق كثيرون على صعوبة وضع مدونة شاملة لأخلاقيات القضاء وبالتالي على ضرورة إبقاء المدونة على درجة من العمومية. وينتج عن ذلك تقاربٌ كبيرٌ بين المدونات المختلفة، لجهة القواعد المعتمدة منها (الإستقلالية، النزاهة، الحيادية، النشاط...). فيقتصر وضع المدوّنات الوطنية عموما على تفسير القواعد الأساسية المتعارف عليها، وبخاصة القواعد الواردة في شرعة القواعد الأخلاقية لوثيقة بنغالور العالمية. فتكتفي هذه المدوّنات عموما بتفسير هذه القواعد وإعادة ترتيبها، علما أن العديد من هذه القواعد تتداخل بعضها مع بعض. وأحيانا تتمايز بعض هذه المدونات من خلال إبراز أو ابتداع بعض القواعد المرتبطة بالمبادئ الأساسية كأن تبرز مبدأي الشجاعة أو التواضع أو ما إلى ذلك من فضائل[1]. كما أن بعضها الآخر تتّجه إلى إعطاء أمثلة عملية مستمدة من واقع العمل القضائي في بلد معيّن لتسهيل فهم هذه المبادئ أو أحياناً لفرض تفسيرها في اتجاه محدّد في قضايا معينة. إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن بعض المدوّنات ذهبت إلى التأكيد على استنادها لمرجعية إرثها الثقافي والحضاري والديني، وكيفية مقاربة هذا الإرث للوظيفة القضائية.

 

مقاربة مختلفة: مدونة واقعية، تغييرية وانتقالية

مع التسليم بوجود مشتركات عالمية بشأن أخلاقيات القاضي وبغنى مدونة بنغالور العالمية وشموليتها، فإننا وجدنا من المفيد أن نقدّم في سياق المرحلة التي تعيشها المنطقة العربية مقاربة متميزة لهذه الأخلاقيات، مقاربة تنطلق من البيئة المهنية والسياسية والاجتماعية للقضاة السائدة في دول المنطقة، وتتعامل مع سلوكيات غالبية القضاة الحاضرة على أنها إفراز لهذه البيئة، كما تتعامل مع السلوكيات التي تتمسك بها نخبة من القضاة و/أو التي تطمح المدونة المراد وضعها إلى إبرازها، على أنها أحد أبرز العوامل المؤثرة في هذه البيئة المهنية.

فكما يكون التطبيع مع التدخل في أعمال القضاة إفرازا لواقع سياسيّ واجتماعيّ معيّن، من شأن الإضاءة على السلوكيات التي بامكانها أن تجعل القضاة أكثر قدرة على رفض هذا التدخل وميلا إلى ذلك، أن تسمح بمعالجة معالم الخلل السائدة في البيئة القضائية. ومن هذه السلوكيات مثلا، مجمل السلوكيات الآيلة إلى تعزيز مشاعر التضامن بين القضاة أو إلى تعزيز التواصل مع الرأي العام. أما أن تكتفي المدونة بالتأكيد على أهمية التزام القاضي بالاستقلالية والتجرد والنزاهة والشجاعة من دون إعطائه وسائل الصمود في مواجهة هذه التدخلات أو حتى امكانية تعزيز هذه الوسائل، فيخشى أن تنتهي المدونة إلى حالة فصام تام مع البيئة المعنية، فصام يجرّدها من أيّ قدرة على التأثير فيها. فلا القاضي يجد فيها ذاته أو ما يساعده لاكتساب المواصفات المثالية التي تعجّ فيها، ولا المتقاضي يكون قادرا على تصديقها أو التفاعل معها.     

وعملاً بهذه المقاربة، يتخذ شكل المدونة التي نتصورها وتبويبها والمفردات المستخدمة فيها طابعا مميزا بالنسبة إلى سائر المدونات الأخرى. فالمدونة المراد وضعها ليست بالضرورة مدونة نهائية تتضمن جردة لسلوكيات القاضي المثالي، ليست أيقونة لقاضٍ مثالي نتغنّى ونفاخر بها مع علمنا التامّ أنها منفصلة تماماً عن الواقع. إنما هي مدونة تخاطب القاضي العادي (النموذجي) وتقوم أساسا على فهم عميق لبيئته المهنية تمهيدا للتأثير فيها وجعلها بيئة أكثر اتّساقا مع الأخلاقيات العالمية. فيجد القاضي فيها تشخيصا أمينا لما يواجهه من عوائق وصعوبات، وفي الآن نفسه أدوات تمكنه من مواجهتها واقعيا على أمل تحسين واقعه القضائي وتطويره والأهم تصورا بإمكانه أن يرتقي إليه بفعل هذه الأدوات، مع ما يستتبع ذلك من تعزيز لثقة المتقاضين به وبالقضاء ككل.

وعليه، هي مدونة تتوفر فيها خصائص ثلاث: أولا، أنها مدوّنة تفهم وتستوعب واقع البيئة المهنية والتجاذبات التي يعيشها القاضي العادي "النموذجي"؛ ثانيا، أنها مدوّنة ذات دينامية تغييرية تسهم في تطوير البيئة المهنية ومعها أخلاقيات القضاة وتواكب ربما التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها مجتمعات معينة كما هي حال بعض المجتمعات العربية في فترة ما بعد حراك 2011؛ وأخيرا أنها مدوّنة غير نهائية ذات طابع انتقالي قابلة للتغيير وللتطور على ضوء تغير البيئة القضائية السائدة. وبذلك، تأتي هذه الأخلاقيات في اتّساق مع التحولات الحاصلة في دول هذه المنطقة.     

وعليه، وبخلاف ظاهر الأمور، الذي قد يوحي بأن التصوّر الجديد يؤدي إلى خفض مستوى المواصفات المطلوبة من القضاة، فإنه يهدف بالواقع إلى عكس ذلك تماما. فمن شأن هذا التصور أن يمكّن القضاة من تطوير ذواتهم وتاليا أن يرفع من مستواهم الفعلي، والأهم من مستوى الثقة بهم. فتصبح المدونة عاملا هاما في تطوير العمل القضائي والمنظومة القانونية على حد سواء، وتاليا أداة هامة لتحقيق الانتقال الديمقراطي الذي يصبو إليه العديد من مجتمعات المنطقة.

ومن الطبيعي إذ ذاك أن يكون تصوّر المدونة الواقعي هذا مرتبطاً بزمانه وإطاره الجغرافي وبالأولويات التي يفرضانها، بحيث تبقى جميع الدول التي يتوجه إليها مدعوة إلى مراجعته على ضوء تطور أوضاعها وظروفها. فيشكل أي عمل تطويري لاحق له بمثابة تكليل لنجاح تحقق في مسار بناء القضاء المستقلّ والفاعل.

 

الخطوات التمهيدية لإعداد تصور مدونة وطنية إقليمية

تمهيدا لصياغة تصور انطلاقا من المقاربة المشار إليها أعلاه، تم تنظيم عدد من اللقاءات مع خبراء وجهات فاعلة في المنطقة العربية، وبالأخص نادي قضاة المغرب وجمعية القضاة التونسيين والمفكرة القانونية بالإضافة إلى قضاة لبنانيين ومن ليبيا والأردن.

 

أ‌- المقارنة وتشخيص الاشكالات الأساسية في صناعة مدونات الأخلاقيات القضائية

أول هذه اللقاءات تمثل في المؤتمر الإقليمي الذي انعقد في بيروت في 2 و3 حزيران/يونيو 2016، حيث قدّم خبراء قراءات نقدية للمدونات المعتمدة أو مشاريع المدونات المطروحة في المنطقة وتحديدا في لبنان وليبيا والأردن والمغرب وتونس.

ومن أهم القراءات التي عُرضت في المؤتمر الإقليمي، قراءة نقدية للمدونة اللبنانية التي كان تفرّد بوضعها خمسة من كبار القضاة اللبنانيين، وقد أكدت أهمية المقاربة المبينة أعلاه. فوفق هذه القراءة، ذهبت المدونة، ليس فقط إلى جمع القواعد الأخلاقية السامية للعمل القضائي، بل أبعد من ذلك، إلى رسم "القاضي النموذجي" على أنه بطلٌ ذات شجاعة استثنائية وقديسٌ ذات قدرة كبيرة على التحمّل والتفاني.

وتبعا لذلك، آلت المدوّنة إلى تحويل الأخلاقيات إلى مجموعة من الفرائض الفردية التي يقتضي أن يلتزم بها القاضي بما له من منعة وقوة ذاتيتين، وإلى اختزال عوامل الخلل القضائي بمجموعة من الإخلالات الفردية، قوامها خروج بعض القضاة عن هذه المواصفات السامية. فبإمكانه أن يصمد وحيداً في وجه الضغوط مهما بلغت قوتها، وعليه أن يتفانى في عمله القضائي متحمّلا كل المهام التي توكل إليه من دون تذمر، وأن يكون متجردا عن كل نزواته... ألخ. وقد بدت هذه المبالغة في رسم مواصفات القاضي بمثابة تبرؤ للسلطات القضائية من واجباتها في تأمين الحماية والضمانات القانونية، وإلى حدّ ما بمثابة إبراء للجهات النافذة التي تتغول أو تتدخل في القضاء. فعلى القاضي الذي يتعرض لضغط، أن يصمد في وجهه (وهو قادر على ذلك) فتنتفي المشكلة. والأهم أن قوة المواجهة يستمدها من ذاته، مما ينفي أي حاجة للجوء إلى وسائل نضالية، غير اعتيادية كالاحتكام إلى الرأي العام أو الإلتجاء لدعم زملائه وتضامنهم معه أو إنشاء جمعيات مهنية تجنبا للإستفراد. وبقدر ما تنتفي لديه الحاجة إلى زملائه، تنتفي لدى هؤلاء الحاجة إلى تضامنه: فلا نلقى إذا أي موجب بالتضامن أو التآزر ضمن المدونة. ومن هنا، يجد نسف حريتي التعبير والتجمع المكرستين في وثيقة بنغالور ما يبرره في المدونة اللبنانية.

أما إذا رضخ القاضي للضغط المذكور خلافا لما يفترض به أن يفعل، فلا يلومن إلا نفسه. وتبعا لذلك، وباختصار كلي، أن تجعله الوثيقة المذكورة بطلا وقديسا يظهر على أنه تمهيد لتجريده من حريتي التعبير والتجمع وتاليا لاستفراده. فكأنما الأخلاقيات القضائية مسألة فردية مجرّدة عن أيّ أبعاد جماعية.

وعملا بالروحية نفسها، يصبح من المنطقي تحرير المسؤولين القضائيين من أي مسؤوليات خاصة في حماية القضاة أو في مؤازرتهم ودعمهم للإلتزام بالأخلاقيات الموضوعة على عاتقهم.

وقد اتفق عدد من الخبراء المؤتمرين مع القراءة المذكورة في تحليلهم للمدونات العربية المعتمدة، والتي استندت هي الأخرى، وبخلاف مدونة بنغلور، على تصورات قيمية أخلاقية مطلقة، من دون اعتماد أي معايير نسبية أو ببساطة واقعية. فقلما نجد في المدونات العربية، إشارة إلى قيم معيارية تقوم على ما هو "معقول" أو "منطقي" أو "مقبول". 

وكنتيجة طبيعية لذلك، تصبح المدوّنات خطابا أخلاقيا مثاليا، مجرّدا عن أي قدرة على التأثير على الواقع، بل على العكس تماما، خطابا من شأنه بما تضمنه، أن ينسف مشروعية أي دينامية اجتماعية قادرة على تمكين القاضي من جبه التعديات على استقلاله أو ذات طابع تغييري. وتبعاً لذلك، من الطبيعي أن ينحسر دوره في تحصين ذاته والدفاع عن استقلاله ما قدر على ذلك، وأن يكون أكثر ميلا لحصر صلاحياته ذاتيا self restraint  بدلاً من السعي إلى تعزيزها أو تطويرها. فينحصر دوره في خدمة القانون من دون أن تكون لديه القوة اللازمة لأقلمة القانون مع حاجات المجتمع أو لحماية المجتمع من السلطات العامة السياسية. وعليه، تصبح المدونة مجردة عن أي فعالية لتعزيز إمكانات القاضي في الدفاع عن استقلاله وفي تطوير المنظومة القانونية.

وما يزيد هذا النمط المعتمد في تحرير المدونات العربية قابلية للنقد، هو أنه يجانب حاجات اجتماعية ملحة. فمجتمعات المنطقة العربية تلتقي عموما، وبدرجات متفاوتة، على أمرين:

الأول، هو النقص أو الهشاشة في ضمانات استقلالية القضاء، بحيث يبقى القاضي فيها مهددا بالتدخل في أعماله أو الانتقاص من دوره، ويتحتم عليه في الكثير من الأحيان القيام بمجهودات مضاعفة لأداء وظيفته وفق معايير الاستقلالية والحيادية،

الثاني، هو ضعف الديمقراطية أو حداثتها في العمل التشريعي، مما يتطلب من القضاء دوراً هاماً في أقلمة القوانين والنصوص التنظيمية مع التوجهات الديمقراطية، وبخاصة في الدول التي أعلنت من خلال وضع دساتير جديدة انخراطها في عملية تحول وانتقال ديمقراطيّين.

وما زاد لاحقا هذه التساؤلات إلحاحا، هو صدور تشريعات في المغرب وتونس في سنة 2016 وضعت على عاتق المجلسين المشرفين على القضاء في هذين البلدين مهمة وضع شرعة للأخلاقيات القضائية. وقد تلاقى هذا الأمر مع تطلع المفكرة القانونية وتعهدها بإنجاز مدونة للسلوكيات القضائية في لبنان.

 

ب‌- وضع استمارة

المبادرة الأولى لوضع استمارة إقليمية جاءت من جمعية القضاة التونسيين، وقد هدفت إلى تمكين القضاة من المشاركة في وضع مدونة الأخلاقيات القضائية. والمقصود بهذه الاستمارة هو مجموعة من الأسئلة الموجهة إلى القضاة، والتي من شأن الإجابات عليها أن تعكس رؤية واقعية لتوجهاتهم وقناعاتهم والاشكاليات التي تعترض أعمالهم ورؤاهم لتطوير هذه السلوكيات.

لهذه الغاية، تمّ عقد عدد من الاجتماعات (اجتماعان في بيروت، اجتماع في تونس) بين خبراء من نادي قضاة المغرب (د. عبد اللطيف الشنتوف ود. أنس سعدون) وجمعية القضاة التونسيين (روضة القرافي) والمفكرة القانونية (نزار صاغية ومحمد العفيف الجعيدي ود. ميريم مهنا)، بالإضافة إلى القاضي الليبي (مروان الطشاني)، وهو رئيس سابق لمنظمة القضاة الليبيين لوضع مشروع الاستمارة. وقد تخلل هذه الاجتماعات تباحث مع الخبيرين الفرنسي Harold Epineuse والكندي Andre Ouimet بالنظر إلى تجربتيهما الكبيرتين في هذا المضمار.

وقد أسفرت هذه الاجتماعات عن وضع استمارة إقليمية للأسئلة، مع مراعاة خصوصيات بعض الدول في بعض الأسئلة المطروحة. ومن أبرز هذه الخصوصيات، الاشكالات الناجمة عن الحالة الطائفية في لبنان أو أيضا الاعتبارات المتصلة بحرية القضاة في شؤونهم الخاصة، والتي اتفق على استبعادها أو تعديلها في الاستمارة الموجهة إلى قضاة تونس والمغرب وليبيا بالنظر إلى الحساسية الفائقة التي قد تثيرها بعض الأسئلة بشأنها.

وقد عادت مجموعة الخبراء وعدلت هذه الاستمارة على ضوء الملاحظات التي أدلت بها الخبيرة الإيطالية في مجال علم الاجتماع Daniella Piana. (الاستمارة المرفقة ربطا). 

ونتطلع إلى استخدام هذه الاستمارة في كليتها أو جزئيا في الاستشارات العامة التي قد يتم تنظيمها، في أي دولة عربية مستقبلا، بهدف وضع مدونة حول الأخلاقيات القضائية.

 

ت‌- صياغة تصور أولي لمدونة حول أخلاقيات القضاة

انطلاقا من كل ما تقدم، تمّ وضع تصوّر أولي لمدونة حول أخلاقيات القضاة، وهو التصوّر الذي أخذ شكله الحالي، تبعا لمناقشات طويلة جرَتْ في بيروت والمغرب وبخاصة بين خبراء المفكرة القانونية في تونس ولبنان ونادي قضاة المغرب. وقد شارك في لقاء المغرب حوالي عشرين عضوا من هذا النادي فأغنت نقاشاتهم هذا التصور. كما عاد هذا التصور وعرض على الخبيرين EPINEUSE وOUIMET. ويتميز هذا التصور في أمرين: أولا، أنه يشكل العمل الإقليمي الأول من نوعه في مجال إصلاح القضاء في المنطقة العربية، وينبع من تفكير مشترك حول أبرز الاشكالات الأخلاقية وطرق معالجتها في عدد من دول هذه المنطقة؛ وثانيا، أنه ينطلق من  المقاربة المشار إليها أعلاه والآيلة إلى وضع مدونة واقعية تغييرية وانتقالية.    

وعليه، وعملا بالواقعية، ذهب هذا التصور إلى إعادة رسم القاضي النموذجي. فعلى نقيض منطق تقديس القاضي الذي يصوره على أنه شخصٌ خارقٌ ذو مواصفات استثنائية، أعاد التصور رسمه على نحو يجعله أكثر قرباً من واقعه بما فيه من صعوبات وأكثر توافقا مع طبيعته الإنسانية، بما فيها من جوانب قوة وضعف.

فإذا تمّ ذلك، توجّب من ثم، عملا بطابعي المقاربة التغييري والانتقالي، تحديد الموجبات الأخلاقية القضائية على النحو الذي يمكّن القاضي من مواجهة التحديات الذاتية والخارجية وممارسة دوره بأفضل الطرق. كأن ننتقل من نظام الأخلاقيات الفردية الذي يوجب على كل قاض المحافظة عليها منفردا وبصمت إلى نظام الأخلاقيات الجماعية التي يجدر بالجسم القضائي برمته تطوير آلياته للمحافظة عليها، بما في ذلك من تلاقٍ وتفاعل وتضامن وتآزر؛ وكأن ننتقل من نظام تجريد القاضي من حريتي الكلام والتجمع باسم موجب التحفظ إلى نظام ترتسم فيه حرية القاضي كإحدى الضمانات الأساسية للمحافظة على استقلاليته.

وعلى أساس كل ما تقدم، انبنى التصور على اتجاهات أربعة:

الأول، إعادة النظر في المعايير المعتمدة في رسم القاضي النموذجي المطلوب، بحيث تحدّد فضائل القاضي بالرجوع إلى معايير واقعية تتناسب مع نبل الوظيفة القضائية، من دون أن تتعامى عن العوائق التي تواجهها أو التحديات التي تتربص بها،

الثاني، إعادة النظر في طبيعة الأخلاقيات القضائية. ففيما هي تنبثق عن الجسم القضائي وعن متطلبات الوظيفة القضائية، فمن الطبيعي أن تعكس في عمقها، ليس فقط مسؤوليات فردية، بل بالدرجة الأولى مسؤولية جماعية. وهذا الأمر يعني اعتبار كل قاض مسؤولا في ما يتصل باحترام قواعد المدونة تجاه الجسم القضائي برمته، واعتباره في الوقت نفسه معنياً بمدى التزام زملائه بهذه القواعد،

الثالث، إعادة النظر في الوسائل المتاحة لتمكين القاضي من اكتساب المواصفات المبينة في المدونة، من خلال الإعتراف بحريته بالتعبير والتجمع كأدوات أساسية لاكتساب استقلاليته وتعزيزها. وانطلاقا من ذلك، يتميز التصور من خلال وضع قاعدتين متلازمتين: أولا، أن ضمان استقلالية القاضي يتطلب الاعتراف بحريته، وثانيا، أن تقييد الحرية لا يكون مبرراً إلا بما يفرضه مبدأ استقلالية القاضي.

الرابع، إعادة النظر في أهداف الوظيفة القضائية، على نحو يجعلها أداة فاعلة في تحقيق الانتقال الديمقراطي. فعلى نقيض تصوّر القاضي كخادم للقانون، تفرض التحوّلات الاجتماعية أن يؤدّي القاضي وظيفة رائدة في مجتمعه في اتجاه تطوير قيم المنظومة القانونية ككل. ويتعزز ذلك بفعل الوسائل التقنية التي باتت متاحة للقاضي، وفي مقدماتها كمّ من الاتفاقات الدولية والمبادئ القانونية الدولية.