عادةً ما تقسم الآراء حول نهج بورقيبة الجامع للإسلام والحداثة إلى قسمين: قسم يرى أن إدخال بورقيبة للدين الإسلامي في محاولته لعلمنة الدولة كان محاولة لإستيعاب الشعور الديني للتونسيين تمهيداً للتحول العلماني التغريبي الكامل. قسم آخر يرى أن محاولات بورقيبة تمتعت بقدر من الجدية لإيجاد حالة من التوازن التحديثي الإسلامي. في الواقع، للرأيين وجهة نظر، في ظل تناقض السلوك البورقيبي في هذا الخصوص. فتارة نرى محاولة لمأسسة الدين للسيطرة عليه من قبل النظام الحاكم. وتارة أخرى نرى محاولة لإعادة هيكلة المجال الديني وتعزيز المؤسسات الدينية تحت شعار رعاية الدولة للدين الإسلامي وإعادة الإعتبار له كونه الدين الرسمي للدولة. في الواقع، يأخذنا هذا الطرح إلى دستور 1959 الذي نصّ في فصله الأول على أن الإسلام دين الدولة، باعتبار الإسلام دين معظم التونسيين، معبراً بذلك أن الدولة هي الراعية للشأن الديني باعتباره شأنا عاما. عاد الطرح نفسه في الفصل الأول من دستور الجمهورية الثانية لعام 2014، حيث نصّ الدستور على أن "تونس دولة حرة مستقلّة، ذات سيادة، لإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها".

فبالرغم من أن الإسلام الرسمي للبلاد التونسية هو الإسلام السني المالكي، إلا أن ذلك لم يمنع "بورقيبة" من خلال طبقة العلماء الذين عملوا على كتابة مجلة الأحوال الشخصية إلى اللجوء للفقه الجعفري الشيعي، في سبيل تحقيق الانتصار المرجو للمرأة التونسية. بالإضافة إلى التجديد الفقهي، حاول بورقيبة "مأسسة" الدين كمحاولة لفرض سيطرته على الطبقة الدينية والخطاب الديني. بموجب ذلك، أصبحت الدولة هي الفاعل الرئيسي في كل ما يتعلق ببمارسة الشعائر.

استوحى بورقيبة هذا المنهج في زوايا معينة من سياسات أتاتورك التركية ومنهجه التحديثي السلطوي. فقد إتبع بورقيبة ما أوجدته الحكومة التركية عام 1928 وما سمي برئاسة الشؤون الدينية، والتى أوكل لها مهام تثقيف الأئمة. بالإضافة إلى أنه بموجب هذه المؤسسة، أصبح التعليم الديني والعمل الدعوي يفرض تشريعه من خلال شبكات حكومية. عملية المأسسة هذه وصلت إلى حدّ فرض توزيع مضمون خطبة الجمعة على جميع خطباء المساجد في جميع أنحاء تركيا من قبل الإدارة، وذلك في عام 1941. لم يصل نفوذ بورقيبة إلى هذا الحد، أو ربما لم يكن عامل الزمان ليساعده على ذلك.

ففي الأيام التى تلت استقلال 1956، صدر الأمر القاضي بتصفية جمعية الأوقاف. تم من بعدها تشكيل مصلحة الشعائر الدينية في 1957 وإلحاقها برئاسة الحكومة. وبمقتضى الأمر عدد 345 لسنة 1967، تحولت مصلحة الشعائر الدينية إلى إدارة لشؤون الشعائر تعمل تحت إشراف كتابة الدولة للرئاسة. تطورت هذه الإدارة عبر السنوات وتوسعت مهامها لتتحول في عام 1992، إلى وزارة للشؤون الدينية. "تتمثل مهمتها الأساسية في العمل على تطبيق سياسة الدولة في المجال الديني، بضبط الخطط والبرامج الخاصة بالشؤون الدينية، مما ييسر إقامة الشعائر الدينية ويصون القيم الروحية."[1]

 

وزارة الشوؤن الدينية وأحداث 2011

استمرت قبضة النظام على الشعائر الدينية ودور العبادة باستمرار قوة الكيان القائم سواء تحت حكم بورقيبة أو بن علي. ظهرت الاشكالية في أعقاب ثورة 2011، خصوصاً مع ظهور التيارات المختلفة من الإسلام السياسي. ضعف كيان الدولة آنذاك، ما سهل ظهور فاعلين جدد في المجال الديني أخذوا يحكمون السيطرة على دور العبادة وينحرفون بالخطاب الديني للتعبئة الأيديولوجية. حتى أن هؤلاء الفاعلين، بحكم اختلاف الفكر الإسلامي وقتها بين جهادي سلفي وجهادي علمي وحركة النهضة الإسلامية، كانوا يتخاصمون أنفسهم على أماكن بسط النفوذ والخطاب الديني المقدم. أتى دستور 2014 ليشدد في فصله السادس على أن "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي". تدريجياً عادت الدولة واسترجعت قواها، خصوصاً مع تعاقب الوزارات بعد إقرار الدستور، مستعيدة قوتها بفرض نفسها كفاعل أوحد في مجال إدارة الشأن الديني. وقد تمثل ذلك بشكل خاص في استرجاع قدرتها على تحييد المساجد وتقويم الخطاب الديني، دائما مع وجود بعض الخروقات.

تتعالى في تونس بعض الأصوات من حين إلى آخر رافضة وجود وزارة تعنى بالدين. وهي تستند إلى الفصل الأول من الدستور لتؤكد أن الدولة مدنية وأن الشأن الديني هو شأن عامّ يجب إرجاعه للمجتمع المدني والأفراد. قالت الأستاذة أسماء نويرة معلقة على هذا الإعتراض في حديث معنا بأن "وجود وزارة تعنى بالشأن الديني لا يتنافى مع كون الدولة مدنية. فكما أن للدولة التونسية وزارة تعنى بالشوؤن الثقافية وهناك أيضاً وزارة تعنى بالشباب والرياضة، فإن الدولة أيضاً تعنى بالشأن الديني كونه يندرج تحت الثقافة والإرث الشعبي. ذلك يخالف تماماً مبدأ الدولة الدينية التى تطبق القانون من منهج ديني، بل وتحكم بمرجعية دينية منبثقة عن الله".

في الواقع، أثبتت أحداث 2011 أن لوزارة الشوؤن الدينية أهمية كبيرة، كونها إحدى أدوات الدولة الرئيسية لضبط المجال الديني في ظل وجود حزب يتخذ من الإسلام أساساً، حتى وإن كان أساساً مرجعياً فقط، حسب ما يؤكده قياديوه. فالمسجد يشكل منبرا إعلاميا هاما ومركز تعبئة شعبية وأيديولوجية في فكر الإسلام السياسي. وفيما دعت حركة النهضة لتحييد المساجد وفصل الدعوي عن السياسي في مؤتمرها العاشر لعام 2016، فإنها بالمقابل ما انفكت منذ 2011 تعمل على السيطرة على وزارة الشؤون الدينية من خلال التعيينات داخلها. هذا ما أكدته "نويرة" في حديثنا معها.

ويلحظ أنه إلى جانب وزارة الشؤون الدينية، نجد في تونس هيئات تعني بمسائل دينية، منها المجلس الإسلامي الأعلى الذي تأسس عام 1989، وهو غير واضح المهام اليوم كما أكد "نويرة"؛ ومنها مفتي الجمهورية التونسية الذي يتولى إصدار الفتوى الرسمية للدولة ويعمل مع المحاكم في الأساس. ولا ننسى  جامعة الزيتونة التي تهتم بالتعليم الديني وإنتاج النخب.

ولكن من البين أن وزارة الشوؤن الدينية تبقى صاحبة الدور الأكبر فيما يتصل بالمجال الديني. فهي تهتم بتنظيم الشعائر الدينية وتوجيه الخطاب الديني، وتعمل على تدريب الأئمة والخطباء والمؤذنين. كما أنها هي التي تدير كل ما يتعلق برحلات الحج والعمرة، وتعمل على مراقبة الإسلام الشعبي، بالإضافة إلى مراقبة الكتاتيك والمدارس القرآنية.

 

نحو تبني خطاب حقوقي

تمتلك الدولة المساجد، بحكم أنها مرفق عام، وهي تديرها بالطريقة التى تصب في المصلحة العامة. وتكمن أهمية الوزارة اليوم بسعيها إلى تبني خطابا حقوقيا بالتعاون مع بعض المنظمات الحقوقية في تونس. ما زال هذا الخطاب جنينياً نوعا ما، خاصة أن منهج تدريب الأئمة لا يتضمن أي بعد حقوقي، بل يقتصر على القيم الإسلامية العامة، كما أكّد وزير الشوؤن الدينية أحمد عظوم للمفكرة. تعمل الوزارة اليوم على التشبيك مع منظمات حقوقية لتطوير أداء الأئمة من خلال دورات تدريبية وتثقيفية تتضمن منحى حقوقيا كبيرا. نذكر مثال على ذلك مشروع "اليد باليد"، حيث تعمل الوزارة مؤخراً مع مركز دراسة الإسلام والديموقراطية على تنفيذه. يهدف المشرع إلى تدريب أكثر من 400 إمام لمكافحة التطرف والإرهاب. تشمل التدريبات مواضيع حقوقية مختلفة منها حقوق المرأة وحقوق الأقليات، حرية المعتقد والضمير في الإسلام، إلخ، مع التركيز على أهمية الخطاب الديني الرافض للعنف والتطرف. كما أن الوزارة تدعو خطباء المساجد في مختلف أنحاء الجمهورية في مناسبات عدة للتركيز على بعض المواضيع الحقوقية في خطبهم أيام الجمعة. نذكر مثالا على ذلك موافقة وزارة الشوؤن الدينية على طلب منظمة "أنا يقظ"[2]، بتوحيد خطبة الجمعة ليوم 9 ديسمبر 2016 ليتضمن فحواها دور المسلم في التبليغ عن الفساد ومكافحته، وذلك لتزامنه مع الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الفساد. بالإضافة إلى أن "عظوم" أكد للمفكرة أن "وزارة الشوؤن الدينية وافقت على طلب وزارة المرأة، بمناسبة إقرار قانون مكافحة العنف ضد المرأة، لتوحيد خطاب الجمعة حول حقوق المرأة في الإسلام وأهمية مكافحة العنف الممارس على المرأة. كما أن وزارة الفلاحة طلبت مؤخراً تخصيص خطبة جمعة حول ترشيد استهلاك المياه." مع الإشارة إلى أن عمل الوزارة يقتصر على دعوة الخطباء "تطوعاً" بتخصيص خطابهم حول موضوع معين. ولكن يبقى غياب التشبيك الفعلي الدائم بين وزارة الشوؤن الدينية والمنظمات الحقوقية أو بين وزارة الشوؤن الدينية والوزارات الأخرى التى تعنى بالحقوق والمجتمع على أساس منهجي فعّال.

 

الفرد ومهام الرقابة

في الواقع، من الصعب ضمان حياد المساجد والخطاب الديني بشكل كلي، ذلك أن امكانات وزارة الشوؤن الدينية المادية تبقى ضعيفة، إلى جانب أن رقابة المساجد والخطاب الديني في كافة أنحاء الجمهورية يبقى أمراً صعباً. يحيلنا هذا الأمر إلى أهمية دور الفرد والمجتمع المدني كمراقب للخطاب الديني والنشاط داخل المساجد فيما يخص ضمان حيادها عن أي محاولة تسييس، خصوصاً أنه بعد 2011، أصبحت هيئات المجتمع المدني أكثر هيكلة وقدرة على ممارسة الرقابة والضغط السياسي وأصبح الفرد على قدر كبير من الوعي السياسي والاجتماعي.

نشر في العدد 11 من مجلة المفكرة القانونية - تونس

للاطلاع على العدد، انقر/ي هنا https://bit.ly/2J3dCsY

 

 

[1]  موقع وزارة الشوؤن الدينية.

[2]  منظمة حقوقية تونسية تعمل على مكافحة الفساد وحق النفاذ إلى المعلومة