شهدت سنوات 2011 وما أعقبها، دخول الأحزاب الاسلامية إلى المشهد السياسي في العديد من الدول العربية، تبعا لسقوط أنظمة الحكم فيها. وفيما أدى تغول هذه الأحزاب إلى صراعات سياسية أيديولوجية بلغت حدّ العنف، فإن التجربة التونسية نجحت في تجاوز هذه الصراعات في اتجاه إرساء توافقات براغماتية باتت ميزة بارزة للحياة السياسية في تونس.

وقد اكتسب "التوافق" طابعا رمزيا فائقا، في الاجتماع السري الذي جمع "الشيخين" الباجي قايد السبسي وراشد الغنوشي في باريس في عام 2013. تبعا لذلك، طغت نيّة الوصول إلى توافق على مجمل الخلافات العالقة في مسودات دستور الجمهورية الثانية، فانتهت المسودة الأخيرة التي تم إقرارها في عام 2014 إلى مجموعة من النصوص المبهمة التي تتضمن بعض التناقض وتحتمل طبعا أكثر من تفسير في اتجاه هذا الفريق أو ذاك. وتعكس صياغة المواد على هذا الوجه التكتيكات والمساومات البراغماتية التي انتهجتها القوى السياسية المختلفة، للوصول إلى صيغة مقبولة من الجميع، وإن بقي كلا الفريقان على مواقفهما ومقارباتهما الأصلية. فكأنما إقرار الدستور هو مجرد اتفاق مرحلي بين هذه القوى، أدى إلى "تعليق" الصراع فيما بينها أو ربما إرجائه إلى زمن آخر.

وفيما ينتظر أن تتولى المحكمة الدستورية توضيح هذه النصوص وفرض معانيها وانعكاساتها القانونية، فإن الاختلافات المفتعلة بين الأحزاب حول اختيار أعضاء هذه المحكمة وتأخير تعيينهم بعد سنوات من إقرار الدستور، إنما يبين أن هذه القوى ما تزال غير جاهزة لتمكين مؤسسات الدولة من حسم خلافاتها الأيديولوجية وأنها ما تزال تفضل أن تتولى بنفسها النظر في أي خلاف في فهم الدستور أو انعكاساته.

واللافت أن إرجاء النظر في الخلافات الأيديولوجية تحت مسميات "مفاهيم مرنة" لا ينحصر في العلافات التفاعلية بين القوى السياسية، بل يكاد يكون معمما، ليشمل النقاشات الداخلية للأحزاب، أقله الحزب الأكثر أدلجة في تونس، وهو حزب النهضة. وهذا ما نستشفه من المؤتمر العاشر للنهضة، حيث عمدت الحركة إلى بلورة خطاب "مرن" يحررها من "كلاسيكيات" و "أدبيات" الإسلام السياسي التقليدي ويساعدها على خوض اللعبة السياسية ببراغماتية  تحت مسمى"الإسلام الديمقراطي. وهذا ما دفع رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون في زيارته الأخيرة لتونس إلى القول بأن الشعب التونسي أثبت، على عكس ما يعتقده البعض، أن الديمقراطية تتماشى مع المجتمعات الإسلامية.

إلا أنه يجدر التنبيه إلى أن تماهي الحركة مع "الديمقراطية" يبقى حتى اللحظة سياسيا فقط. فلم نشهد بعداً ايديولوجيا تنظيرياً لتلك العملية، فضلا عن أن متابعة الممارسات السياسية والتشريعية للنهضة لا تعطي نسقاً واضحاً لنوع الديمقراطية التى تتبناها ولا للنهج الفكري التحديثي المتّبع أو المبتدع من قبلها. كما لا نلقى في خطابها أي ضبط أو تجديد للمصطلحات الحداثية المستعملة، ما أبقاه يقتصر على الاسقاطات والتحوير. وقد بدا أن راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، يعمل على تقريب حزبه للديمقراطية بدلا من تقريب المرجعية الإسلامية إليها، وذلك على غرار الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان الذي نجح في تقريب حزبه من العلمنة بدلا من تقريب مرجعياته الإسلامية منها.

وإذ نلحظ تاليا سعيا للنهضة لتجنب أي اشكال إيديولوجي مع شريكها في الحكم "النداء" أو حتى أي استحقاق يرغمها على توضيح مواقفها الأيديولوجية، ثمة مؤشرات ظهرت مؤخرا أن "النداء" ربما يجد على النقيض من ذلك مصلحة في وضعها أمام استحقاق مماثل بهدف إبراز تمايزه كقوة حداثية في مواجهة قوة اسلامية محافظة. وهذا ما نستشفه من المبادرة التي أطلقها زعيم نداء تونس الباجي قايد السبسي في خطابه بتاريخ 13 أوت 2017، بتشيكل لجنة استشارية مخصصة للنظر بكل المواد القانونية التى لا تنص على احترام الحريات الفردية والمساواة والعمل على وضع مقترحات تعديل تعزز كلا المبدئين قانونياً.

وما يعزز هذه القراءة هو أن السبسي ركز عند إطلاق مبادرته هذه على مسألة المساواة في الإرث، والتي تكاد تكون المسألة الأكثر اصطداما بالشريعة الاسلامية بفعل تعارضها مع قطية الآيات القرآنية فيه. فكأنما السبسي دشّن عمله لتحقيق المساواة بإبراز العنوان الأكثر تصادمية وإحراجا لشركائه في الحكم. وينتظر أن تبلغ هذه المبادرة منتهاها مع نشر اللجنة لتقريرها وتوصياتها، على نحو قد يؤدي عمليا إلى إنهاء الهدنة الأيديولوجية بين شريكي الحكم. فلا يكفي إذ ذاك حركة النهضة التواري خلف مفاهيم مبهمة كال "الإسلام اليدمقراطي" بل سيتعين عليها تبيان موقفها الرافض أو المؤيد لأي من المسائل المقترحة، وربما تقديم أطروحاتها الفكرية والتنظيرية التى تبرر أيٍا من الموقفين. وفي كلتا الحالتين، ستكون في موضع مساءلة. فقبولها بالمساواة في الإرث قد يعرضها لانتقادات الأصوليين والتي قد تصل إلى اتهامها بالزندقة والخروج عن الإسلام لغايات سياسية. بالمقابل، سيؤدي عدم قبولها بالمساواة إلى اهتزاز صورتها "التحديثية" و"الديمقراطية" التى عملت منذ 2014 على بلورتها محلياً ودولياً، مما قد يؤثر على مكانتها السياسية داخليا وخارجيا، وخاصة بعد تطور الحراك المدني حول هذه المسائل. ولكن حتى وإن عادت القوى السياسية إلى سابق عهدها في تعليق النقاش السياسي عملا بمقتضيات التوافق، يبقى أن صدور تقرير اللجنة أو مجرد التلويح بصدوره سيشكل "خضة" لحركة النهضة تنبهها إلى ضرورة الاستعداد الفكري لاستحقاقات مماثلة ستثور عاجلا أم آجلا، سواء حصل ذلك بشكل تلقائي عن التفاعلات المدنية أو من باب الإحراج السياسي أو المزايدة الأيديولوجية.

ومن هنا، استباقا لهذا الحدث الذي يؤكد بعض أعضاء اللجنة حصوله بعد الانتخابات البلدية، رأينا من الضروري استعادة بعض أهم محطات التنازع بين القوى المصنفة حداثية والقوى المصنفة إسلامية وتحليلها، تمهيدا للنقاش الاجتماعي الأوسع والذي يرجح حصوله بشكل واسع قريباً. ويؤمل أن يسهم فتح نقاش هادئ ورصين على هذا النحو في تعزيز الجهوزية الاجتماعية اللازمة لاستيعاب الخلافات من دون تحولها إلى عامل تأزم، تمهيدا لتطوير منظومة حقوقية تجديدية سليمة.

ثمة عامل آخر لا يقل أهمية حفّزنا للعمل على هذا العدد، قوامه التجربة الهامة التي تقودها الديمقراطية التونسية الجديدة بمختلف تفاعلاتها، وبخاصة تفاعلاتها بين القيم الحديثة والقيم المحافظة. فهذه التجربة، في نجاحاتها وإخفاقاتها، تجعلها بمثابة اختبار لكثير من الدول العربية في المشرق كما المغرب. فثمة أسئلة بليغة تطرح اليوم: ما الذي يفسر أن البرلمان التونسي الذي يضم عشرات النواب الإسلاميين نجح في إقرار قانون لمكافحة العنف ضد المرأة، قد يكون القانون الأكثر تطورا في المنطقة العربية جمعاء؟ ما الذي يفسر أن تكون النهضة إحدى القوى الداعمة لهذا القانون، فيما تبقى القوى الإسلامية في الدول الأخرى عامل عرقلة أو تشذيب لقوانين مماثلة؟

أسئلة لا يمكن الإجابة عليها من دون الغوص في الوضعية السياسية والاجتماعية في تونس. وبإمكان الإجابات طبعا أن تكون أكثر ثراء عند مقارنة التجربة التونسية بتجارب أخرى، حاولنا الإضاءة على بعض جوانبها في هذا العدد، ومن أبرزها التجارب التركية والمغربية والليبية والمصرية.  

ويبقى هذا العدد بالطبع مساهمة بسيطة، نأمل أن ننجح في تطويرها وتعزيزها، من خلال ما قد تستولده من تفاعلات مع قراء المفكرة في تونس وخارجها.