صادق مجلس نواب الشعب بتاريخ 26 جويلية 2017 على القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف المسلط على النساء. ويعتبر هذا القانون تتويجا لنضال منظمات المجتمع المدني منذ بداية تأسيسها وخاصة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التي فتحت منذ 1993 مركزا لمساعدة النساء ضحايا العنف واستقبالهن ومرافقتهن لتقديم قضايا لدى المحاكم المختصة. وقد نظمت العديد من الحملات للضغط على أجهزة الدولة التونسية وحثها على الإهتمام  بقضية العنف المسلط على النساء وبلورة استراتيجيات وطنية وترسانة قانونية للقضاء عليه. وقد شعرت الدولة بتفاقم ظاهرة العنف المسلط على النساء بعدما قام الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بدراسة ميدانية حول هذه الظاهرة صدرت نتائجها سنة 2010 وأبرزت أن أكثر من 47% من النساء يتعرضن للعنف في تونس.[1] وتأكدت هذه الاحصائيات بعد الثورة إذ صدرت دراسة جديدة من قبل الكريديف سنة 2016[2] أثبتت أن 53% من النساء المستجوبات صّرحن أنهن تعرضن لشكل من أشكال العنف في فضاء عام خلال السنوات الأخيرة (2011 – 2015) وتصل هذه النسبة إلى  78 %  في وسائل النقل العمومي.

كل هذه العوامل ساعدت على التسريع في وضع هذا القانون الجديد خاصة وأن الدستور الجديد الصادر سنة  2014 طالب الدولة في الفقرة الرابعة من الفصل 46 أن تتخذ التدابير الكفيلة للقضاء على العنف ضد المرأة.

وهذا القانون الجديد يمثل خطوة أساسية في حماية النساء المعنفات وفي تجريم مرتكبيه ويضع آليات جديدة للتعهد بالنساء الضحايا. فكيف نجحت منظمات المجتمع المدني في تحقيق هذا الانتصار؟ وماهي مكاسب هذا القانون؟ وكيف تطور المشروع آخذا بعين الاعتبار مطالب ومقترحات المنظمات النسوية والحقوقية؟

القانون الخاص بالقضاء على العنف المسلط على النساء: انتصار للمجتمع المدني

يمكن اعتبار هذا القانون مكسبا من مكاسب منظمات المجتمع المدني المستقل التي ما انفكت منذ بداية التسعينات تطالب الدولة بالاعتناء بظاهرة العنف المسلط على النساء، في حين كانت أجهزة الدولة ترفض الحديث عنها كظاهرة اجتماعية معتبرة العنف محصورا بحالات منعزلة غريبة عن قيمنا ومبادئنا الاجتماعية.  

وحتى عندما اصدرت الجمعية ملصقة حائطية تحت شعار "العنف نقمة والسكات مضرة"[3]، تم استدعاء عضوات الجمعية من قبل وزارة الداخلية على أساس أن هذه الملصقة الحائطية تمس من طمأنينة الأسرة والمجتمع ولا يمكن أن تندرج في اطار عمل الجمعيات غير الحكومية.

لكن الجمعية أصرت على متابعة هذه الحملة مع تغيير الشعار حتى يقتصر على الفضاء الخاص وفضاء العمل. وفي مواجهة تعنت السلطة السياسية في تحمل مسؤوليتها لمقاومة العنف الخصوصي المسلط على النساء، تعهدت الجمعيات النسوية بفتح فضاءات للإصغاء ومرافقة ضحايا العنف قانونيا ونفسيا واجتماعيا وسياسيا، فكان بعث مركز الإنصات والتوجيه للنساء ضحايا العنف بالجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في 1993.

في هذه الفترة من بداية التسعينات، تطور العمل الجمعياتي الدولي خاصة بعد تنظيم المحاكمات الصورية في مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان سنة 1993 وتبلورت نظرة جديدة للعنف المسلط على النساء على أساس مقاربة حقوق الإنسان واعتبار العنف انتهاكا لحقوق الإنسان. في هذا السياق، بين المسار الدولي والعمل الميداني، طورت الجمعية مقاربتها التي تقوم على اعتبار العنف تمييزا مسلطا على النساء وانتهاكا لحقوق الإنسان وتعدّيا على الكرامة الإنسانية وبدأت الجمعية في نشر هذه المقاربة لدى القطاعات المهنية ذات العلاقة في المحاماة والطب والإرشاد الاجتماعي ولدى السلط السياسية. ونظمت لقاء دوليا حول ظاهرة العنف انتهى بإصدار كتاب بقي في رفوف وزارة الداخلية إلى حد سنة 2008 نظرا لمواصلة السلط عدم الإعتراف بالعنف المسلط على النساء كظاهرة اجتماعية[4].

والملفت للانتباه أن الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات واصلت في المطالبة بالاعتناء بالعنف المسلط على النساء كظاهرة اجتماعية وأصدرت تقريرا سنة 2001 وجه إلى أصحاب القرار من أجل إدارج القضاء على العنف من بين أولوياتها والتشهير بتفاقم ظاهرة العنف واتخاذ تدابير وإجراءات من اجل القضاء عليها وحماية ضحاياه وإقناعهم بأن النهوض بأوضاع النساء يمر بالقضاء على العنف المسلط عليهن في مختلف المجالات ومقاومة التمييز المسلط عليهن بإعادة النظر في العلاقات الاجتماعية التمييزية المكرسة للنظام الأبوي.[5]

في سنة 2002، قدمت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات تقريرا بديلا للجنة السيداو، بعد تقديم التقرير الرسمي للدولة التونسية بالاشتراك مع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والفيدرالية الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان. أكد التقرير على نقطتين أساسيتين وهي العنف المسلط على النساء وتحفظات الدولة التونسية حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز المسلط على النساء. وهذا ما مكّن أعضاء وعضوات اللجنة من توجيه ملاحظات للحكومة التونسية، مطالبة إياها بمعالجة جدية لظاهرة العنف واتخاذ التدابير المناسبة للقضاء عليه.

في سنة 2004، بادرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بتنظيم حملة حول التحرش الجنسي المسلط على النساء في العمل وقدمت مشروع قانون لإضافة فصول في المجلة الجنائية لتجريمه. ومثلت هذه الحملة مناسبة لتدعيم العمل الجمعياتي المشترك بين المنظمات المستقلة النسوية والإنسانية في ذلك الوقت وهي جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وكذلك لجنة المرأة العاملة في الاتحاد العام التونسي للشغل. فجوبهت هذه الحملة برفض السلط السياسية ورفض التعامل مع ممثلي وممثلات هاته المنظمات. بل نظمت وزارة الداخلية حملة للحفاظ على الأخلاق الحميدة وقضت المحاكم في تلك الفترة (2004) في 200 قضية من أجل التعدي على الأخلاق الحميدة.

ومن المفارقات في صائفة نفس السنة (2004) قام البرلمان بتنقيح بعض الفصول من المجلة الجزائية لتجريم التحرش الجنسي في الباب المتعلق بالأخلاق الحميدة . وقد مثل هذا التنقيح رغم ذلك انتصارا للجمعيات التي نظمت الحملة .

في نفس السنة وبعدما صدر في إسبانيا قانون خاص بالعنف المسلط على النساء وبعدما تم تنظيم لقاء حوله بحضور ممثلات وخبيرات اسبانيات، اقتنعت الجمعيات النسوية وخاصة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بأهمية إصدار قانون حول العنف المسلط على النساء وطالبت الدولة ببلورة استراتيجية لمقاومة العنف. وفي سنة 2008، قامت الدولة ولأول مرة عن طريق ديوان تنظيم الأسرة والعمران البشري بتنظيم مسح وطني حول العنف المسلط على النساء صدرت نتائجه سنة 2010. وفي هذه السنة، قدمت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات تقريرا بديلا للتقرير الرسمي الذي قدمته الدولة التونسية للجنة السيداو تضمن عدة مقترحات من أجل حماية النساء من العنف المسلط عليهن وإصدار قانون خاص بالموضوع.[6]

سنة 2011، بعد الثورة وبعدما حققت منظمات المجتمع المدني انتصارا جديدا يتمثل في إقرار التناصف بين النساء والرجال في القائمات الانتخابية، وضعت من بين أولياتها تنظيم حملات من أجل إصدار قانون حول العنف المسلط على النساء ودسترة حقوق الإنسان للنساء. ولهذا الغرض وبينما كان المجلس الوطني التأسيسي بصدد كتابة الدستور، نظمت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات مجلسا تأسيسيا صوريا مع العديد من المنظمات النسوية والإنسانية وبعض الضيوف من المنطقة العربية خاصة لبنان والمغرب وفلسطين توجه بإصدار مشروع "دستور المساواة والمواطنة من خلال عيون النساء".

سنة 2012، وفي هذا السياق، تم تنظيم العديد من الحملات مع بقية منظمات المجتمع المدني النسوي والحقوقي من أجل إدراج مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات وحماية الحقوق المكتسبة للنساء والتناصف بين النساء والرجال وحماية النساء من العنف في الدستور. فأخذت الحملة عدة مظاهر نذكر من بينها اللقاءات مع النواب والنائبات وخاصة مع النائبات المقتنعات بضرورة النهوض بأوضاع النساء ومع ممثلي وممثلات منظمات المجتمع المدني، إعداد مطويات وملصقات حائطية، تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي لتوزيع مقترحاتنا لدى النواب ووسائل الإعلام، مواكبة أعمال المجلس بتنظيم تحركات في الفضاء العام كلما صدرت مسودة جديدة للدستور[7] وتنظيم تجمعات سلمية في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة من أجل مطالبة المجلس بالتراجع في بعض المفاهيم والمبادئ المكرسة في النسخة الأولى للدستور مثل مبدأ التكامل الذي تم التراجع عنه وتعويضه بالمساواة تحت ضغط المنظمات غير الحكومية والحركات الديمقراطية في صائفة 2012.

كل هذه التحركات توجت بإصدار دستور يتضمن مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات دون تمييز ويطالب الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على العنف المسلط عليهن.

بعد اصدار الدستور، تم بمبادرة من كتابة الدولة للمرأة والأسرة وبإيعاز من صندوق الأمم المتحدة للسكان، وضع لجنة وطنية تتكون من خبراء مستقلين من  مختلف الاختصاصات، القانونية وعلم الاجتماع والصحة الإنجابية، قامت بصياغة مشروع القانون. وقد اعتمدت كتابة الدولة للمرأة والأسرة في مسار إعداد هذا القانون منهجا تشاركيا مدمجاً لمختلف الهياكل الحكومية ومكوّنات المجتمع المدني في مختلف الجهات. انطلقت اللجنة في أعمالها منذ شهر مارس 2014 وقدمت مشروع القانون الإطاري في الذكرى 58 لصدور مجلة الأحوال الشخصية في 13 آوت 2014 . لكن هذا المشروع الأول لم ير النور نظرا لكثرة الانتقادات التي واجهته خاصة من قبل الحركات الدينية والتي استعملت بعض القنوات التلفزية للتهجم عليه مثل قناة الزيتونة.

عدة أسباب ذاتية وموضوعية لم تمكن من قبول المشروع. تكمن الأسباب الذاتية في كون الخبيرات والخبراء الذين تم اختيارهم ينتمون في معظمهم إلى الحركة الحقوقية الديمقراطية وخاصة إلى الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التي ناضلت منذ تأسيسها ضد المدّ الرجعي ونظمت العديد من الحملات ضد التمييز والعنف. وهي منظمة يعتبرها بعض السياسيين من حركة النهضة معادية للفكر الديني ولارتداء الحجاب ويرفضون التعامل معها. أما الأسباب الموضوعية ،فهي تتصل بالطابع الشمولي للمشروع بما أنه تناول معظم المواضيع المتصلة بالعنف المسلط على النساء وقدم جملة القوانين التي يجب تعديلها في المجال العام والخاص للقضاء على العنف والإصلاحات والمراجعات التي يجب القيام بها خاصة في مجلة الأحوال الشخصية وفي قانون الشغل وقانون الوظيفة العمومية وفي المجلة الجنائية. وقد أثار هذا المنهج الشمولي انتقادات بعض الأطراف السياسية ورفضهم للمشروع. واختيار هذا المنهج  يرجع إلى التناول الجزئي لظاهرة العنف بما أن الدولة لم تتخذ إلا بعض الإجراءات الجزائية لمعاقبة بعض أشكاله خاصة في الوسط العائلي او المهني. وهذا ما لا يتماشى مع توصيات منظمة الأمم المتحدة وخاصة لجنة وضع المرأة[8] التي تشدّد على أهمية اعتماد المقاربة الشاملة في التصدي للعنف عبر الوقاية منه من خلال التربية والتعليم والثقافة والإعلام وعبر منع وتجريم مختلف أشكاله ومهما كانت مجالات ارتكابه والمحاكمة الفعّالة لمرتكبيه ومعاقبتهم مهما كانوا وآيا كانت علاقتهم بضحية العنف بالإضافة إلى حماية الضحية والتعهد بها بتوفير جملة من الإجراءات الخصوصية والمرافق الضرورية لحمايتها وتحقيق أمنها وسلامتها وأيضا باتجاه إعادة تأهيلها وإدماجها في المجتمع من خلال توفير الدعم الضروري لها ولأطفالها.

لكن بعد مدة وبعد أخذ ورد، تقرر من جديد إنهاء المشروع. وقد تم اختيار خبيرتين لإتمامه فأنهيا العمل في شهر 2015. لكن المشروع لاقى احتراز بعض الوزارات وخاصة وزارة العدل التي اعتبرت أنه لا يمكن قبول هذا المشروع قبل الإنتهاء من مراجعة السياسة الجنائية والقانون الجنائي في البلاد. وبعد إلحاح منظمات المجتمع المدني التي قامت باتصالات بوزير العدل ووزير الدفاع وضغط بعض المنظمات الدولية والإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي من أجل التسريع بالمصادقة على القانون في مجلس الوزراء، صادق مجلس الوزراء في النهاية على المشروع وأودع في مجلس نواب الشعب في جويلية 2015.

منذ ذلك الوقت وتحديدا في أكتوبر 2015، تكون التحالف الوطني للجمعيات غير الحكومية ضد العنف تحت شعار "قانون يحمي النساء من العنف بالحق" بعدما شاركت أكثر من 60 جمعية ومنظمة وطنية ودولية في ندوة حول العنف المسلط على النساء بالاعتماد على تجارب مقارنة في الدول التي وضعت قوانين للقضاء على العنف وتم تكوين لجنة متابعة تولت وضع استراتيجية لمناصرة التحالف[9] .

قدم التحالف ورقة مناصرة تتضمن مقترحات المنظمات على أساس قراءات أعدتها بعض الجمعيات ومنها القراءة النقدية للقانون للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات[10] والذي حاول تجاوز نقائص القانون وتقديم مقترحات لدعمه وتلافي بعض هناته.[11]

وكان حضور التحالف بارزا عند مناقشة المشروع  بما أنه أثر على إعادة صياغة بعض الفصول حتى تضمن حماية النساء من العنف. والآن بعد اصدار القانون، يستعد التحالف لمواصلة عمله من أجل التطبيق الفعلي للقانون ومن أجل تبسيطه لدى النساء بصفة خاصة حتى يتمكنّ من الاحتماء به عند حصول عنف معنوي أو مادي او جنسي أو اقتصادي أو أي شكل آخر من أشكال العنف.

وبالنتيجة انتصر التحالف وعبره الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية في تقديم مقترحاته وإدراجها في اأمال المجلس حتى تؤخذ بعين الاعتبار. وكان ذلك بفعل العمل المشترك وباقتناع جميع الجمعيات المشاركة بأهمية إنجاح هذا المسار وبضرورة حماية النساء من العنف.

مكاسب القانون الجديد في القضاء على العنف

جاء هذا القانون بمكاسب هامة للقضاء على العنف المسلط على المرأة. من بين هذه المكاسب الأساسية والتي تقرّبه من المعايير الدولية المتعلقة بالقضاء على العنف هو أنه يهدف كما جاء في فصله الأول إلى "وضع التدابير الكفيلة  بالقضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة القائم على التمييز بين الجنسين من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية"، مما يعني أن القضاء على العنف هو الضامن لتحقيق المساواة ولاحترام حقوق الإنسان.

وهذا ما يفسر تعريف القانون للعنف على أنه انتهاك للحقوق والحريات الإنسانية وتمييزا مسلطا على النساء. كما أنه يفسر تبني تعريف التمييز كما قدمته الاتفاقية الدولية للقضاء على العنف في الفصل الثالث وتطوير التعريف الدولي بإضافة الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو الحالة الصحية أو الإعاقة التي يمكن أن تؤسس التمييز. وكذلك تبنى التعريف الدولي للتمييز الإيجابي الذي يمكن أن تقدمه الدولة للنساء للتعجيل بالمساواة.

في نفس السياق، قدم القانون أشكال العنف المتصلة بالعنف الجنسي والعنف المعنوي والعنف المادي وكذلك العنف الاقتصادي الذي يدرجه في إطار الاستغلال الاقتصادي  وبكونه "كل فعل أو امتناع عن فعل من شأنه حرمان المرأة من الموارد الاقتصادية كالحرمان من المال أو الأجر أو الاحتياجات الحيوية والتحكم في الأجور أو المداخيل وحظر العمل أو الاجبار عليه". وعرّف حالة الاستضعاف على أنها الوضع الذي تعتقد فيه المرأة أنها مضطرة للخضوع للاستغلال والعنف الناجم خاصة عن صغر أو تقدم سن  أو حالة المرض الخطير أو حالة الحمل أو حالة القصور الذهني أو البدني التي تعوقها عن التصدي للجاني.

من جهة أخرى، تأسس هذا القانون على أربع ركائز أساسية نجدها في كل القوانين التي عالجت عبر العالم مسألة العنف المسلط على النساء. تبدأ هذه  الركائز بالوقاية من العنف التي تتطلب تضافر جهود كل الأطراف الرسمية وغير الرسمية من أجل توخي سياسات وطنية للقضاء على العنف في قطاعات التربية والتعليم العالي والشباب والرياضة والطفولة والمرأة والشؤون الدينية والشؤون الاجتماعية والصحة وقطاع الاعلام ومن أجل نشر ثقافة حقوق الإنسان والعمل على تغيير العقليات. كما تتصل الوقاية بدور منظمات المجتمع المدني وإرساء آليات الشراكة والدعم والتنسيق بينها وبين الوزارة المكلفة بشؤون المرأة.

أما الحماية فهي تقوم على الحماية القانونية للنساء الضحايا والأطفال المقيمين معهن وحق التمتع بالإرشاد القانوني حول الأحكام المنظمة لإجراءات  التقاضي والخدمات المتاحة والإعانة العدلية والتعويض العادل والمتابعة الصحية والنفسية والمرافقة الاجتماعية المناسبة والتعهد العمومي والجمعياتي والإيواء الفوري لكن في حدود الامكانيات المتاحة. كما تقوم الحماية على الإشعار من طرف كل شخص بمن في ذلك الخاضع للسر المهني للجهات المختصة حال علمه أو مشاهدته حالة عنف مسلط على طفل أو امرأة .

ويتصل الركن الثالث الذي يقوم عليه القانون بتجريم مرتكبي العنف وذلك بمراجعة بعض فصول المجلة الجزائية وتعويضها بفصول ثانية أو إضافة فصول جديدة خاصة ببعض الجرائم خاصة عندما تكون الضحية طفلا أو امرأة في حالة استضعاف أو إذا كان الفاعل من أصول الضحية أو فروعها من أي طبقة أو كانت له سلطة على الضحية واستغل نفوذ وظيفته.

ووسع القانون في مرتكب العنف في العلاقات الحميمية والأسرية إذ لم يعد يقتصر العنف على الزوج ولكنه امتد إلى أحد الزوجين أو أحد المفارقين أو أحد الخطيبين أو أحد الخطيبين السابقين[12].

كما أدخل المشرع تنقيحات في الفصول المتعلقة بالتحرش الجنسي لحماية الضحية التي تتمتع بأكثر حماية عند القيام بقضية لدى المحاكم والتي لم تعد معرضة إلى قضية في الثلب إذا حكم القاضي بعدم سماع الدعوى في هذه الحالة كما كان منصوص عليه في الفصل 226 رابعا من المجلة الجزائية.

وحذف القانون امكانية إسقاط  المرأة القضية لإيقاف التتبعات أو المحاكمات أو تنفيذ العقوبة لفائدة الزوج عند ارتكاب عنف ومنع الافلات من العقاب. كما ألغى إمكانية الإفلات من العقاب بالزواج من الذي "يواقع أنثى قاصرا برضاها".

ودائما في باب التجريم قدم المشرع تعريفا للاغتصاب باعتباره كل فعل يؤدي إلى إيلاج جنسي مهما كانت طبيعته ضد أنثى أو ذكر بدون رضاه معتبرا أن الاغتصاب يمكن أن يشمل الإناث والذكور. وهو ما أكده الفصل 227 مكرر فيما يتعلق بكل من تعمد الاتصال جنسيا بطفل ذكر أو أنثى من دون رضاه سنه فوق السادسة عشر عاما كاملة ودون الثامنة عشر، رافعا بالتالي سن الرشد الجنسي من ثلاثة عشر عاما إلى ستة عشر عاما. كما ادرج المشرع في نفس الفصل سفاح القربة في جريمة الاغتصاب التي ترتكب على طفل.  

ومن جهة اخرى جرم المشرع مرتكب الاعتداء على المرأة إذا نتج عنه تشويه أو بتر جزئي أو كلي للعضو التناسلي وكل من يرتكب ضد قرينه أي شكل من أشكال الاعتداء أو العنف اللفظي أو النفسي المتكرر من شانها أن تنال من كرامة الضحية واعتبارها او تؤثر على سلامتها البدنية والنفسية.

كما جرم المشرع كل من يعمد إلى مضايقة امرأة في مكان عمومي  بكل فعل أو قول أو اشارة من شانها أن تنال من كرامتها أو اعتبارها او تخش حيائها

ومن جانب آخر، عاقب القانون كل من يتعمد التمييز في الأجر عن عمل متساوي القيمة على أساس العنف وكل من يتعمد تشغيل الأطفال كعملة منازل بصفة مباشرة أو غير مباشرة وكل من يتوسط لتشغيل الأطفال كعملة المنازل وكل من يتعمد ارتكاب تمييز إذا ترتب عن فعله منع الضحية من التمتع بحقوقها  أو بحصولها على منفعة أو خدمة أو منع الضحية من ممارسة نشاطها بصورة عادية أو رفض تشغيل الضحية أو فصلها عن العمل أو معاقبتها.

اما الركن الرابع فهو يتصل بالإجراءات والخدمات والمؤسسات التي توفر الإحاطة بالنساء ضحايا العنف  مثل تكليف وكيل الجمهورية مساعدا له أو أكثر بتلقي الشكاوى المتعلقة بالعنف ضد المرأة ومتابعة الأبحاث فيها وتخصيص فضاءات مستقلة داخل المحاكم الابتدائية تضم القضاة المختصين بقضايا العنف على مستوى النيابة والتحقيق وقضايا الأسرة.

كما نص القانون على  إحداث وحدة متخصصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة بكل منطقة أمن أو حرس وطني في كل الولايات ( 24) تضم من بين عناصرها نساء وتتكلف بعد حصولها على بلاغ أو إشعار بحالة عنف ضد المرأة بالتحول فورا على عين المكان وإعلام الضحية وجوبا بجميع حقوقها بما في ذلك المطالبة بحقها في الحماية من قبل قاضي الأسرة واتخاذ إحدى الوسائل الحامية للمرأة الضحية والأطفال المقيمين معها مثل نقلهم إلى أماكن آمنة أو إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الأولية عند إصابتها بضرر وإبعاد المظنون فيه من المسكن أو منعه من الإقتراب من الضحية.

ويكون من اختصاص قاضي الأسرة النظر في مطلب الحماية الذي يمكنه اتخاذ مجموعة من التدابير بموجب قرار الحماية لحماية المرأة الضحية والأطفال المقيمين معها.

تصنف الدولة التونسية من بين تسع عشرة دولة وضعت قانونا لتجريم العنف المسلط على النساء. وقد جاء هذا القانون تتويجا لنضالات قامت بها الجمعيات النسوية المستقلة وخاصة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات. لكن هذا النجاح يبقى محدودا لأن القانون لا يزال بحاجة إلى تدعيم حماية النساء من العنف المسلط عليهن والوصول إلى تطبيق المساواة بين النساء والرجال وتحقيق المواطنة. 

 

(1) الديوان التونسي للأسرة والعمران البشري.مسح وطني حول العنف المسلط على النساء.تونس.2010
(2) الكريديف.العنف المبني على النوع الاجتماعي في الفضاء العام في تونس.تونس.2016
(5) الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات,تقرير لأصحاب القرار حول العنف المسلط على النساء.تونس.2001

[6] Association tunisienne des femmes démocrates (ATFD).Rapport Alternatif Soumis au Comité des Nations-Unies pour l'élimination de la discrimination à l'égard des Femmes.47eme Session, Octobre 2010.http://tbinternet.ohchr.org/Treaties/CEDAW/Shared%20Documents/TUN/INT_CEDAW_NGO_TUN_47_10160_Fr
(7) صدرت 4 مسودات للدستور قبل المصادقة على النص النهائي في جانفي 2014
[8] لجنة اوضاع المرأة،منظمة الأمم المتحدة. دليل التشريعات المتعلقة بالعنف ضد المرأة، إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، نيويورك، 2010: http://www.un.org/womenwatch/daw/vaw/handbook/Handbook%20for%20legislation%20on%20VAW%20(Arabic).pdf
[9]  يتكون التحالف الوطني من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعية بيتي وجمعية وعي ورابطة الناخبات التونسيات وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظة "اكسفام" والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان.
(10) الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات. قراءة نقدية لمشروع القانون الخاص بالعنف المسلط على المراة.تونس.2017
(11) التحالف الوطني ضد العنف.ورقة مناصرة.تونس.2017

[12]محمد العفيف الجعيدي. قراءات في القانون الأساسي  للقضاء على العنف ضد المرأة (1): قراءة في السياسة الجزائية.المفكرة القانونية  بتاريخ 31-7-2017