نزاعات المنطقة تفرز أطفالها: ضحايا أو “جلاديين” ومقاتلين


2017-06-21    |   

نزاعات المنطقة تفرز أطفالها: ضحايا أو “جلاديين” ومقاتلين

التاريخ: أواخر شهر أيلول 2014

المكان: بلدة “آليزر” التركية على الحدود مع عين عرب(كوباني) في غرب كردستان.

تقف الصبية الكردية، التي لم تفصح عن اسمها لأسباب أمنية، وسط مجموعة من النساء الكرديات، بعضهن من كردستان التركية، والأكثرية من أولئك الذين لجأوا إلى الحدود التركية-السورية بعدما احتل تنظيم “داعش” يومها 120 بلدة وقرية من منطقة عين عرب السورية. تقول الصبية، وهي مقاتلة بين صفوف “وحدات حماية الشعب” الكردية أن “كل امرأة ورجل من عمر 15 سنة ولغاية الستين من العمر يذهبون لقتال داعش”. يتخلّف عن هذا “الواجب” المرضى والأمهات “فنحن لا نريد أن تترك أي أم أطفالها، لأن تربيتهم هي فعل مقاومة”.

يومها، كانت صور النساء والفتيات الأيزيديات اللواتي سباهن عناصر “داعش” والأهم قصص الإنتهاكات وجرائم الحرب التي ارتكبت بحق الإيزيدين، على كل شفة ولسان في كردستان كلها. ويومها، لم يكن أحد يفكر في سن الذين واللواتي يتطوعون أو يتطوعن، أو يتم تجنيدهم/ن للقتال. ويومها قالت المقاتلة نفسها “عندما تكون في الخامسة عشرة وتجد نفسك بين خيارين لا ثالث لهما: إما تقتل أو تسبى، وإما تحمل السلاح للدفاع عن نفسك وأرضك، لن تفكر في سنك بل في التدرّب لتحسن استخدام السلاح الذي يخولك القتال”.

يومها، كانت المقاتلة تتحدث في “آليزر” التي تبعد نحو مائتي متر خط نار عن ضيعة “علي شار” في منطقة عين عرب السورية، وكان يمكن لعدسة الكاميرا أن تلتقط صورتها وخلفها عناصر “داعش” في “علي شار” التي كانوا قد احتلوها قبل ثلاثة أيام.

طبعا حرر الأكراد عين عرب وطردوا “داعش” منها. ولكن المخاوف الحقوقية والدولية من تجنيد الأطفال وسوقهم إلى الحرب وحتى إلى الأعمال الداعمة للمتحاربين وإلى التدريب أيضاً ظلت قائمة ومبررة برغم تعهد “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة” لمنظمات الأمم المتحدة ومنها “نداء جنيف” بمكافحة سوق الأطفال تحت عمر 18 سنة إلى الحروب.

شكّل إستغلال الأطفال في الحروب والأثر النفسي عليهم أحد المحاور الأساسية في “مؤتمر طب النزاعات” الذي انعقد في الجامعة الأميركية في بيروت مؤخراً. ومع عرض المخاطر والتأثيرات النفسية الناجمة عن ظاهرة زجّ الأطفال في النزاعات الدائرة في سوريا والعراق وكامل الدول العربية، جرى التأكيد على استنفار منظمات الأمم المتحدة كافة ومعها المنظمات الدولية والمحلية الإنسانية والطبية لمكافحتها، ولتقديم الدعم للأطفال الناجين من انتهاك مماثل لطفولتهم. بعض المعطيات المتوفرة عن سوريا والعراق وكردستان تؤكد فرز النزاعات للأطفال ما بين ضحايا أو جلادين أو مقاتلين، فيما يبقى ما يحدث في ليبيا واليمن خارج التوثيق الدقيق وإن كانت القصص المتناقلة عن انتهاك حقوق الأطفال وسوقهم إلى القتال من قبل جميع الأطراف المتنازعة لا تعد ولا تحصى.

تؤكد منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقريرين نشرتهما على صفحتها على الأنترنت أن جميع الأطراف المتقاتلة في سوريا قد جندت أطفالاً في الحروب أو سمحت لمتطوعين من بينهم بالإنضمام إلى صفوفها للتدرب والقتال.

وتشير المنظمة إلى أن القانون الدولي الإنساني، وقوانين الحرب، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، يحظرون على “القوات الحكومية والجماعات المسلحة غير التابعة لدول تجنيد واستخدام الأطفال كمقاتلين أو في أدوار معاونة أخرى”. كما يحظر البروتوكول الإختياري لاتفاقية حقوق الطفل، الذي صدقت عليه سوريا في عام 2003، على الجيوش غير التابعة لدول تجنيد أو استخدام الأطفال تحت سن 18 عاماً في أية أعمال عدائية مباشرة، وتجنيد الأطفال تحت سن 15 عاماً، بما في ذلك في الأدوار الداعمة، يعد جريمة حرب بحسب تعريف نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.

وذكر تقرير صدر في  الخامس من حزيران العام 2015، عرضه الأمين العام للأمم المتحدة على مجلس الأمن بشأن الأطفال في النزاعات المسلحة أن تجنيد الأطفال للقتال في سوريا صار أمرًا شائعًا”. وقامت الأمم المتحدة بالتثبت من تجنيد 271 طفلا وسبع فتيات للقتال في صفوف مجموعات تابعة للجيش السوري الحر (142)، ووحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة (24)، وداعش (69)، وجبهة النصرة (25)، من بين مجموعات أخرى، ويُعتقد أن الأرقام الفعلية تتجاوز ذلك. كما قال التقرير إن بعض المجموعات المسلحة التي تقاتل مع الحكومة السورية، مثل حزب الله واللجنة الشعبية، قامت هي الأخرى بتجنيد أطفال، تحت 18 عاماً، بأعداد صغيرة.

وتبينت “هيومن رايتس ووتش” أن جماعات المعارضة المسلحة استخدمت صبية تصل أعمار أصغرهم إلى 15 عاماً كمقاتلين، وأطفال تصل أعمار أصغرهم إلى 14 عاماً في أدوار داعمة. بعض الأطفال الذين شاركوا تعرضوا للاحتجاز والقتل في ساحة المعركة. وقام صبية آخرون أجرى فريقها مقابلات معهم “بالقتال على الجبهات، وبأعمال تجسس على قوات العدو، وعملوا كقناصة وعالجوا الجرحى في ساحات المعارك، ونقلوا ذخائر وإمدادات أخرى لخطوط المعارك المستعر فيها القتال”. ونشرت حديثا لأحد الأطباء يصف فيه “علاجه لصبي بين 10 و12 عاماً كانت مهمته القيام بجلد السجناء المحتجزين في مركز اعتقال يتبع داعش، بحسب مقاتل بالغ قام بجلب الصبي المصاب إليه”.

واعتمادًا على معلومات قدمتها منظمات محلية ودولية، أعدّت “هيومن رايتس ووتش” قائمة تتضمن 59 طفلا، عشرة منهم لم يتجاوزوا سنّ 15 سنة، يبدو أنهم جندوا من قبل قوات وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، أو انضموا إليها طواعية، خلال سنة 2014. وتأكد فريق عملها من سبع حالات عبر مقابلات أجراها بشكل مباشر مع أقارب الأطفال. وفي بعض الحالات، أدرجت المنظمات أسماء الأطفال دون موافقة أوليائهم”.[aa1]  وفي هذا السياق، نقلت “هيومن رايتس ووتش”  عن والد طفلة تبلغ من العمر 14 سنة قرب القامشلي قوله: “كانت ابنتي في المدرسة، وهناك قامت مجموعة تابعة لقوات حماية الشعب بتجنيدها. لم نعلم أي شيء إلى أن اتصل بنا أحد القادة وأعلمنا أنها انضمت إلى وحدات حماية الشعب”.

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة المفكرة القانونية

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، عدالة انتقالية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني