تعتبر نقابة المحامين أكبر كيان نقابي في مصر، حيث يتجاوز أعداد المحامين والمحاميات المقيدين بها ال700 ألف محام ومحامية. وهو العدد الضخم نسبة لسوق العمل في مصر، والسكان. وتعاني مهنة المحاماة منذ فترة طويلة من مشاكل مثل الإعتداءات الأمنية على المحامين، أو انتهاك حق الدفاع أمام بعض المحاكم والنيابات[1]. كما يدور فضلا عن ذلك جدال حول دور المحامي، وحاجة سوق العمل الحالي لهذا العدد من المحامين وأي نوع منهم؛ بالإضافة إلى الجدال حول دور النقابة في الدفاع عن المحامين وحماية مصالحهم وإعداد المحامين الشباب لسوق العمل وغيرها من الأمور.

وتدور مناقشات منذ سنوات حول ارتفاع عدد المحامين بشكل مبالغ فيه، وضرورة تخفيض هذا العدد، خاصة بسبب حيازة أعداد كبيرة من خريجي الحقوق على عضوية نقابة المحامين، دون أن يكونوا ممارسين لأي عمل من أعمال المحاماة أو القانون. وأشار عدد من المحامين، في وقت سابق، إلى ضرورة تنقية جداول النقابة. فيذكرنا المحامي أحمد حسام[2] بقضية عام 2008 أمام مجلس الدولة كان محورها "تنقية" جداول النقابة. وهو يشير إلى أن الموضوع كان له علاقة في المقام الأول بالإنتخابات: فقد ساد الشك حول أشخاص مقيدين في النقابة قد يكونون متوفين أو مهاجرين، بالإضافة لمحامين يشاركون في انتحابات المحامين من دون أن يمارسوا المهنة؛ مما يؤرق المرشحين.

واستمرّ الحديث حول ضرورة "تنقية" جداول النقابة من المحامين غير المشتغلين بالمهنة، وتخفيض عدد المحامين على مدار السنوات الماضية. كما ظهر كهدف في برامج بعض المرشحين في الانتخابات. وصرح مجلس النقابة الحالي أن "تنقية" الجداول من غير المشتغلين ضروري للحفاظ على موارد النقابة المالية، حيث يستفيد هؤلاء من خدمات النقابة دون أن يقوموا فعليا بممارسة المهنة وبالتالي لا يساهمون في أموال هذه الخدمات حيث يعتمد جزء منها على طوابع دمغة المحاماة التي يتحصل عليها عند قيام المحامي بأعمال قانونية[3]. ويشير المحامي محمد عيسى الصروي[4] أن المحامي غير المشتغل يشترك لأسرته في البطاقة العلاجية مقابل دفع قيمة الإشتراك المتواضعة وبالتالي تتحمل النقابة تكاليف علاجهم دون أن يكون المستفيد مشتغلا فعلياً بمهنة المحاماة. وبالتالي يوجد استنزاف حقيقي لموارد النقابة المالية مما يعيق استفادة المستحقين لها بصورة جيدة. وفعلا، يظهر خطاب تنقية الجداول في سبيل الحفاظ على أموال النقابة كهدف لأعضاء مجلس النقابة الحالي. ولذلك، أصدر المجلس، في عام 2015 قرارا بخصوص الاشتراك في صندوق الرعاية الصحية لعام 2016 يتضمن ضرورة تقديم دليل اشتغال بمهنة المحاماة[5] للإستفادة من الخدمات العلاجية. ثم أصدر، في نوفمبر 2016، قراراً آخر بخصوص شروط تجديد العضوية لعام 2017 في النقابة ونقل القيد من جدول إلى جدول (على سبيل المثال من جدول محامين الإبتدائي إلى جدول محامي الإستئناف). وهي الشروط التي من شأنها التأكّد من إشتغال الشخص بالمحاماة حتى يتسنى له تجديد عضويته أو تعديل درجة قيده. وتركزت الشروط على ضرورة تقديم المحامي لدليل يثبت اشتغاله بالمحاماة خلال الفترة من 2013 الى 2016 وهو ما انحصر في تقديم التوكيلات المحررة باسم المحامي، بالإضافة إلى دليل على الإشتغال بأي من التوكيلات. وعددت النقابة دليل الإشتغال على أنه صورة رسمية من محضر إداري، أو صورة رسمية من تقرير خبير، أو صورة رسمية من تحقيقات النيابة التي حضرها المحامي مع موكله، أو صورة رسمية من صحيفة دعوى، أو شهادة رسمية من المحكمة يظهر فيها عدد القضايا التي رفعت باسم المحامي كل عام، أو صورة رسمية من عقود، أو محاضر جلسات[6]. وهو الأمر الذي أثار استهجان العديد من المحامين، الذين اعتبروا أن القرار يحصر أعمال المحاماة في الأعمال النيابية ويطيح بالعديد من المحامين الذين يعملون في مكاتب المحامين الكبار وتحت إشرافهم وقد لا تظهر أسماؤهم في التوكيلات في أحيان كثيرة، أو يعملون في المكاتب على تحرير العقود والمذكرات وصحف الدعاوى دون أن يقوموا برفعها أو الترافع أمام المحاكم. كما أثار القرار استهجان عدد من المحامين الذين يعانون من قلة الأعمال في الفترة الأخيرة، واعتبروا أن الشروط تعسفية وتطيح بالمحامي الذي لم يعمل في سنة من السنوات بسبب أي عائق. كما أن طلب توكيلات ودلائل اشتغال منذ عام 2013 يعد نوعا من أنواع التعسف؛ حيث أن الرجوع إلى سنوات سابقة للحصول على الأوراق المطلوبة ليس بالأمر الهين وهو تعجيزي في بعض الأحيان للمحامين. كما اعتبر البعض أن الهدف ليس الحفاظ على موارد النقابة وحصر الخدمات العلاجية على المشتغلين فقط حيث أوقف القرار الخاص بالإشتراك في صندوق الرعاية الصحية، الذي أشرنا اليه، إستفادة غير المشتغلين من أية خدمات.

وقد عدلت النقابة دلائل الإشتغال في وقت لاحق للتخفيف من الإجراءات التي اعترض عليها المحامون، فأعفت، على سبيل المثال، المحامين المقيدين بالجدول العام (المحامين تحت التمرين) من تقديم دليل اشتغال لتجديد عضويتهم في النقابة. كما سمحت بتقديم مستندات أخرى كدليل على الإشتغال، وسمحت للمحامين الذين لا يجدون مستند يدل على إشتغالهم في سنة من السنوات المذكورة أن يقوموا بتقديم مستندين في سنة أخرى.

ولكن هذا الأمر لم يرضِ كل المحامين: فقدّم عدد منهم دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الاداري لإلغائها. وتبعاً لذلك، أصدرت محكمة القضاء الإداري في 28-2-2017[7]، حكما بوقف تنفيذ القرارات المذكورة، وبإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد رأيها القانوني في الموضوع. الجدير بالذكر أن المحكمة اعتبرت أن القرار الصادر عن نقيب المحامين هو قرار صادر عن غير ذي صفة، إذ اعتبرت المحكمة أن صدور القرار من نقيب المحامين يعد نوعا من أنواع التدخل في أعمال لجنة القبول ومجلس النقابة المعنيين ب "بحث مسائل القيد والقبول أو التحقق من توافر القيد بجدول المشتغلين أو النقل إلى جدول غير المشتغلين".

 وهو الحكم الذي لم ينفذ من نقابة المحامين، حيث لازلت تقوم بتجديد عضوية المحامين حسب الإجراءات والشروط المعلنة، كما قامت بالطعن على الحكم الصادر من محكمة القضاء الاداري.  

وطرحت هذه القرارات اشكاليتين رئيسيتين على الساحة، الأولى تتعلق بتعريف مهنة المحامي بالنسبة للنقابة، أما الثانية فتتعلق بالضوابط الخاصة بممارسة المحاماة في مصر؛ وهو ما نناقشه في هذا المقال.

1- من هو المحامي؟

نلاحظ أن قانون المحاماة الصادر عام 1983 أعطى مفهوما واسعا لمهنة المحاماة، فلم يحصرها بالأعمال النيابية أو بممارستها أمام هيئات المحاكم وجهات التحقيق، وقد شمل المفهوم "إبداء الرأي والمشورة القانونية" و"صياغة العقود واتخاذ الاجراءات اللازمة لشهرها أو توثيقها". واعتبرت محكمة القضاء الإداري أن النقابة، بقرارها، حادت عن هذا المفهوم؛ اذ اعتبرت أن قرار النقابة يخالف البندين الثاني والثالث من المادة 3 من قانون المحاماة، حين حصرت أعمال المحاماة فيما يصدر فيه من توكيلات دون غيرها.

و فتحت نقابة المحامين بهذا القرار جدالا حول تعريف مهنة المحاماة، هذا في الوقت الذي يعتبر البعض أن المفهوم الوارد في المادة الثالثة، سالفة الذكر، يحتاج إلى التوسيع نظرا لمقتضيات سوق العمل الحالي[8]. فقد تمسكت النقابة من خلال الشروط التي عددتها، بالصورة الذهنية للمحامي على أنه من يلبس روب المحاماة ويقضي يومه في المحاكم والنيابات والمصالح الحكومية لإنهاء مصالح موكليه، متناسية وضع سوق العمل الحالي الذي يضم محامين لا يبرحون مكاتبهم ويؤدون أعمالا قانونية لشركات أو أفراد. بالإضافة إلى وجود مكاتب المحاماة الكبيرة التي لديها محامون تخصصهم لنوع واحد من أعمال المحاماة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن النقابة تتجاهل ازدياد نسبة المحامين العازفين عن التعامل مع المؤسسات الحكومية ويتثاقلون في احيان كثيرة للتعامل مع النيابة نظرا لما يتعرض له المحامون من مضايقات ولروتينية الإجراءات في هذه الأماكن، مع قلة العائد المادي، وبالتالي اتجاههم إلى صياغة العقود أو إبداء المشورات القانونية للشركات أو غيرها من الأعمال.

 2- ممارسة مهنة المحاماة في مصر: الحاجة إلى ضوابط، ولكن أية ضوابط؟

  • الضوابط الحالية ومدى كفايتها

من البيّن أن مهنة المحاماة في مصر تحتاج إلى نظرة نقدية وإصلاحية، وأن الوضع الحالي بانتساب أكثر من 700 ألف محام ومحامية إلى نقابة المحامين أمر غير منطقي، خاصة مع وجود العديد من المنتسبين غير العاملين بالمهنة إطلاقا وعاملين بمهن أخرى. فنقابة المحامين هي نقابة مهنية وليست مهمتها الأولى تقديم الخدمات، بل أن الإنتساب للنقابة هو شرط لممارسة مهنة المحاماة وترتبط درجات القيد فيها بالمثول أمام درجات المحاكم؛ وهو الأمر الذي يحتّم وجود ضوابط للإنتساب إليها[9]. وبالتالي، فعلى المتقدم للإنتساب لها أن يكون هدفه ممارسة المهنة وليس الحصول على خدمات النقابة من تأمين صحي ومعاش. كما تجدر الإشارة إلى أن قانون المحاماة نص في المادة 14 منه على اشتراط التفرغ للمحاماة، وعدد الأعمال التي لا يجوز الجمع بينها وبين مهنة المحاماة.

وقد اعتبرت محكمة القضاء الإداري[10] أنه استنادا على قانون المحاماة، فإن مفهوم أعمال المحاماة يختلف من درجة قيد إلى أخرى (محام متمرن، محام أمام المحاكم الإبتدائية، محام أمام محاكم الإستئناف ومحام أمام محكمة النقض)[11]، وأن المشرع لم يفرض نمطا واحدا لمفهوم الاشتغال بالمهنة ولم يستلزم دائما صدور توكيلات من ذوي الشأن لإثبات الاشتغال. كما أن شرط "الاشتغال الفعلي" لمدة 5 سنوات، لم يرد "إلا عند القيد بجدول الاستئناف...ولم يرد في غيرها من درجات القيد والجداول"[12]؛ وبالتالي فإن قرار النقابة يكون تجاوز القانون وطلب من محامي جدول الابتدائي أكثر مما يتطلبه القانون. 

ويعتبر المعارضون للقرار أن قانون المحاماة يعتبر كافياً لوضع ضوابط للمهنة ولضمان اشتغال أعضاء النقابة بالمهنة، ولكن البعض الآخر يعتبر أن القانون ليس كافياً لوجود تحايل عليه خاص بتقديم الأوراق المطلوبة، وهو التحايل الذي قد يكون موجوداً حتى مع تنفيذ القرار الحالي، نظرا لكونها أول سنة لتطبيقه، ولكن نسبته أقل، ويمكن تجنب هذه المشاكل في السنوات القادمة[13].   

  • لماذا يعد قرار النقابة خطوة إلى الوراء؟

أوضحنا في الفقرات السابقة أن مجلس النقابة اعتمد على تفسير ضيق لقانون المحاماة لتعريف المهنة دون أي نظرة لتطور سوق العمل وحاجته إلى نظرة أوسع. كما أن القانون الحالي كان يفرق في مفهوم الإشتغال بمهنة المحاماة حسب كل درجة قيد كما أسلفنا؛ وأورد كلمة الاشتغال الفعلي للمحامين الراغبين في الانتقال إلى جدول الاستئناف. وذلك يدلل على فهم لطبيعة المهنة والصعوبات التي يواجهها المحامون في بداية عملهم؛ مما قد ينتج عنه قلة أعمالهم في البداية وحاجتهم لبعض الوقت للإشتغال الفعلي بأعمال المحاماة. وبالتالي فإن عدم مراعاة النقابة لهذا الأمر، رغم مرور أعضاء مجلس النقابة بنفس المراحل في بداية عملهم، قد يفهم منه عدم دراية بالصعوبات في سوق العمل الحالي والتي تتزايد كل يوم.

إلى جانب آخر، لم تراعِ النقابة في قرارها حقيقة أن نسبة المحاميات القائمات بأعمال في المحاكم تقل عن نسبة المحامين. فأغلبية المحاميات تتجهن للقيام بأعمال المحاماة في المكاتب متفاديات في أحيان كثيرة التعامل مع المحاكم والنيابات والمصالح الحكومية، وبالتالي فقرارها يمس الإناث أكثر منه الذكور. كما أن المحاميات هن الأكثر عرضة لتوقيف مهنتهم لجزء من الوقت لظروف الحمل والعناية بالأطفال، وبالتالي فعدم ممارستهن للمهنة خلال السنوات التي حددتها النقابة (2013-2016) تطيح بهن من النقابة دون أي سند حقيقي. 

 وبالتالي، فهذه الأمور تجعلنا نميل إلى اعتبار الشروط التي وضعتها النقابة كخطوة إلى الوراء، وكان الأجدر أن تعدد النقابة أشكال ممارسة المهنة لاستيعاب حالة سوق العمل الحالي والصعوبات المتزايدة التي تواجه شباب المحامين.

بالإضافة إلى ذلك، اعتبرت محكمة القضاء الاداري[14] أن قرار النقابة وما قد يترتب عليه من عدم تجديد الاشتراك يمس الحق في العمل الذي يعتبر من الحقوق الدستورية، وذلك على سند أن "عدم تجديد الاشتراك للمحامي المقيد بجدول المشتغلين في ميعاده ودون أن يقوم به سبب من أسباب الانتقال إلى جدول غير المشتغلين يكون حائلا دون ممارسة مهنة المحاماة، وهي أساسا مهنة حرة لا يجوز تعطيل ممارستها إلا أن يقوم سند للنقابة في محام معين يفقده الحق في ممارسته أو يصدر قرارا تأديبيا بمنعه منها..."، معتبرة أن غير ذلك يعني توقيع عقوبة على المحامي دون أي سند من القانون أو بسبب قرار تأديبي.

على صعيد آخر، من شأن قرار النقابة تحويل التصريح الذي يحصل عليه المحامي من النقابة لمزاولة المهنة إلى إجبار له على ممارستها، وشتان الفارق؛ فالأول يعني أن لعضو النقابة حق ممارسة مهنة المحاماة، طالما أنه التزم بالقواعد المنصوص عليها في قانون المحاماة، أما الثاني فمعناه أن عضو النقابة مرغم على أن يمارس المحاماة وفقا لتعريف النقابة لها، ودون أن يتوقف عن الممارسة في أي سنة لأي أسباب شخصية؛ وإلا أصبح تحت مقصلة نقله إلى جدول غير المشتغلين؛ وبالتالي منعه من ممارسة المهنة. وهو ما عبر عنه قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة في عام 1969[15] حيث اعتبر أن "ممارسة المحاماة ليست شرطًا للقيد بجداول المحامين المشتغلين بها بل إن القيد بهذا الجدول هو الشرط لممارسة المحاماة فهو شرط سابق على ممارسة المهنة وضروري قبل البدء في ممارستها". واعتبرت الفتوى أن استمرار القيد مرتبط بسداد المحامي لاشتراكاته وعدم إخلاله بواجبات وظيفته مما يستدعي محو إسمه من الجدول أو منعه من مزاولة العمل، بالإضافة إلى عدم مزاولته لأي مهنة أخرى حظر المشرع الجمع بينها وبين مهنة المحاماة.

اذا، يوجد مشكلة حقيقية في تفسير النقابة لقانون المحاماة وفي نظرتها لمهنة المحاماة، وفي الطرق التي تسلكها لحل مشكلة انتساب أعضاء غير عاملين بأي عمل يخص المحاماة من قريب أو بعيد اليها.

فمن قبل، وتحديدا في 2012، لجأ مجلس النقابة لرفع رسوم الإنتساب لأول مرة (أي القيد بالجدول العام) من 1200 جنيه مصري لتصل إلى 3500 جنيه، معتبرين أن هذا الأمر سيقلل عدد المتقدمين للقيد بالنقابة لعجزهم عن سداد المبلغ[16]. فتقدم بعض المتضررين بدعوى أمام محكمة القضاء الإداري التي أوقفت تنفيذ القرار لعدم اختصاص مجلس النقابة[17]، فقام مجلس النقابة بإصدار قرار بقفل باب القيد في النقابة الذي أوقفت تنفيذه كذلك محكمة القضاء الإداري[18]. وهو القرار الذي طرح تساؤل، وقتها، حول تفضيل النقابة للقادرين ماديا على غير القادرين، دون أي اعتبار للكفاءة والقدرة العلمية.

وهذه القرارات تدفعنا إلى التفكير بأن هدف النقابة هو تقليل عدد أعضاء النقابة بأية طريقة كانت دون اهتمام فعلي بكفاءة أعضائها وقدرتهم على ممارسة مهنة المحاماة. فالمادة 12 من قانون المحاماة تنص على تولي لجنة قبول المحامين مراجعة جداول النقابة سنويًا والتأكد من خلوها من حالات تستلزم نقلها إلى جداول غير المشتغلين؛ وبالتالي يُطرح تساؤل حول ما اذا كانت هذه اللجنة قامت بعملها طوال السنوات الماضية وضرورة تفعيل دورها لضمان أن المحامين المقيدين لا يخالفون مواد قانون المحاماة؛ بما يستلزم نقلهم إلى جدول غير المشتغلين، وفق ما نص عليه القانون؛ دون الحاجة إلى إصدار قرارات تخل بحق العمل، أو تحصر مهنة المحاماة في نوع واحد من الأعمال.

إلى جانب آخر، نقابة المحامين هي الجهة المعنية بمراقبة قدرة وكفاءة شخص على ممارسة مهنة المحاماة، كونها هي الجهة المسؤولة عن اصدار تصريح مزاولة المهنة، كما أن عليها أن توفر للمحامي سبلا لتطوره في المهنة؛ فهذا حق المجتمع عليها. ففقدان الثقة في المحامين يرجع إلى ضعف قدرات كثيرين منهم. وإذا ركزت النقابة على إعداد محامين أكفاء، ستتغير نظرة المجتمع لهم وسيؤدي ذلك حتما إلى الإعلاء من شأن المهنة والوصول إلى هدفها. وبالتالي، ستستطيع أن تعطي تصريح مزاولة المهنة بناءً على قواعد الكفاءة، ولن تحتاج في أي وقت إلى سؤال المحامي حول ممارسته للمهنة، بمفهومها الواسع، من عدمه. ويتحقق هذا الأمر عن طريق الإهتمام بإعداد المحامين منذ البداية أي المحامين تحت التمرين إعدادا جيدا حتى يكونوا مستعدين لممارسة المهنة، واتخاذ خطوات لضمان إطلاع المحامين أمام المحاكم الابتدائية، والإستئناف والنقض على المستجدات في القانون، وتطوير طرق عملهم. فنتساءل حول ضرورة تفعيل معهد المحاماة في الوقت الحالي للقيام بدوره في إعداد المحامين تحت التمرين والمحامين المقبولين أمام المحاكم الابتدائية، وتطوير دوره ليشمل تعزيز كفاءة المحامي في مختلف درجات القيد عن طريق إتاحة الكتب والأبحاث العلمية الحديثة وتنظيم محاضرات ومؤتمرات قانونية حول إشكالات قانونية متميزة. بالإضافة إلى فتح نقاش حقيقي حول تطوير تدريس القانون في الجامعات والإبتعاد عن الحفظ والتلقين مع التركيز على إعداد قانونيين لديهم القدرة على التفكير القانوني السليم ويمتلكون مهارات التحليل والنقد.

 


[1] راجع منة عمر، "من يحمي المحامين المصريين؟"، نشر في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية-تونس.
[2] بناء على حوار أجرته معه الباحثة بتاريخ 1-12-2016.
[3] راجع المادة 181 من قانون المحاماة.
[4] بناء على حوار أجرته معه الباحثة بتاريخ 21-3-2017.
[5] مثل توكيلات، أو صحف دعاوى يظهر فيها اسم المحامي أو محاضر جلسات...الخ.
[6] راجع "دليل الاشتراك في القيد والعلاج 2017"، نشر على الموقع الالكتروني لنقابة المحامين المصريين بتاريخ 4-1-2017.
[7] محكمة القضاء الاداري، الدارئرة الثانية، الدعوى رقم 15264 لسنة 71ق.
[8] أشار المحامي أحمد حسام في حوار أجرته معه الباحثة أن القانون الحالي يحتاج إلى تعديل لجهة أعمال المحاماة لتشمل أنماط أخرى موجودة حاليا في سوق العمل مثل إجراء الأبحااث القانونية وغيرها من الأعمال القانونية الغير منصوص عليها في القانون.
[9] كما أشار المحامي محمد عيسى الصروي أثناء حوار الباحثة معه في 21-3-2017.
[10] في حكمها الصادر بوقف تنفيذ قرارات النقابة، في الدعوى رقم 15264 لسنة 71 ق، بتاريخ 28-2-2017. 
[11]  ونوضح أنه للإنتساب إلى النقابة والقيد في جدول المحامين تحت التمرين، يضع القانون في المادة 13 منه عدة شروط منها ضرورة حصول المتقدم على شهادة الحقوق، وأن يكون مصرياً ومتمتعاً بالأهلية المدنية وألا يكون قد صدر بحقه حكم نهائي في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة أو بعقوبة جنائية، وألا يكون ممارسا لمهنة أخرى يحظر الجمع بينها وبين المحاماة كما تنص المادة 14، وغيرها من الشروط. أما للإنتقال لجدول المحامين أمام المحاكم الابتدائية[11]، فيشترط أن يكون المحامي قد أمضى فترة التمرين دون انقطاع، وأن يقدم بطاقة ضريبية يثبت بها إشتغاله بالمحاماة دون غيرها، بالإضافة إلى اجتيازه اختبار معهد المحاماة؛ وهو المعهد الذي نصت عليه المادة 28 من القانون، ولكنه ليس مفعلا في هذه اللحظة. أما للإنتقال لجدول المحامين أمام محاكم الاستئناف، فيشترط القانون الممارسة الفعلية للمحاماة لمدة 5 سنوات من تاريخ القيد أمام المحاكم الابتدائية وتنص المادة 35 من القانون على ثبوت الإشتغال من خلال تقديم المحامي لبيان رسمي بالجلسات التي حضرها، وصور المذكرات والأوراق القضائية التي باشرها أو الفتاوى والآراء القانونية أو العقود التي أعدها؛ وهي الدلائل الأشمل من تلك التي نص عليها قرار النقابة. كما أنه للإنتقال إلى جدول المحامين المقبولين أمام محكمة النقض، فإن القانون اشترط الإشتغال الفعلي لمدة 10 سنوات للمحامين المقيدين أمام محاكم الاستئناف وكانت لهم أبحاث أو مذكرات أو فتاوى قانونية مبتكرة
[12] حكم محكمة القضاء الاداري الصادر في الدعوى رقم 15864 لسنة 71 ق بتاريخ 28-2-2017.
[13] حسب رأي المحامي محمد عيسى الصروي في الحوار الذي أجرته معه الباحثة بتاريخ 21-3-2017.
[14] في حكمها بوقف تنفيذ قرارات مجلس النقابة، الصادر في الدعوى رقم 15264 لسنة 71 ق بتاريخ 28-2-2017.
[15] راجع الفتوى رقم 1184 بتاريخ 30-12-1969، جلسة 24-12-1969.
[16] بناء على حوار أجرته الباحثة مع المحامي أحمد حسام في 1-12-2016.
[17] راجع حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 59787 لسنة 66 ق، الصادر بتاريخ 30-9-2012.
[18] راجع حكم محكمة القضاء الاداري في الدعوى رقم 1878 لسنة 66 ق، الصادر بتاريخ 30-12-2012.