أصدرت المحكمة الادارية بوجدة –شرق المغرب-حكما يعتبر من بين الأحكام المبدئية الحديثة[1]، حيث أقر بحق ضحية الإعتقال غير القانوني في التعويض عن الخطأ في وضعه رهن الحراسة النظرية، إعمالا للمواثيق الدولية وفي مقدمتها المادة التاسعة من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية المؤرخ في كانون الأول (دجنبر) 1966 الذي ينص على أنه: "لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على التعويض"، فضلا عن القانون المدني.

وقائع القضية

تعود فصول القضية الى تاريخ 06/08/2015 حينما أوقفت شرطة الحدود بميناء بني نصار-شرق المغرب-مهاجرا مغربيا، أثناء محاولته عبور الحدود المغربية عائدا إلى ديار المهجر، بحجة أنه موجود على قائمة الاشخاص المبحوث عنهم والمطلوبين أمام القضاء، وذلك بموجب مذكرة بحث تم تعميمها على الصعيد الوطني من طرف الشرطة، وتم إنزاله من سيارته أمام أبنائه وزوجته وعموم المواطنين ليتم تكبيله وتصفيده ووضعه بسيارة الشرطة ليقتاد إلى المخفر الخاص بأمن الحدود، وتبقى أسرته مشردة. وبعد قضائه مدة الحراسة النظرية في مخفر الشرطة، تم اخلاء سبيله، بعدما ثبت وقوع خطأ، وأنه ليس هو الشخص المطلوب، بل شخص آخر يحمل نفس الاسم.

فتقدم بتاريخ 17/10/2016 بدعوى أمام المحكمة الادارية بوجدة يعرض فيها الوقائع السابقة، معتبرا أن الادارة قد ارتكبت خطأ جسيما بوضعها الأشخاص في قائمة المبحوث عنهم دون التثبت، لتفادي وقوع الأضرار التي يمكن أن تلحق بحريات الأفراد. وأضاف بأنه تضرر بضياع تذاكر السفر حيث اضطر على إعادة حجزها بالطائرة من جديد بما يفوق 3500 أورو، كما تعرض أبناؤه للاستفسار والتوبيخ بسبب تأخرهم في الإلتحاق بالمدرسة، مما كلفه أداء غرامة قدرها 790 أورو، فضلا عن الاستفسار والتوبيخ الذي تلقاه شخصيا بسبب إهماله لوظيفته مما كلفه اقتطاعا وصل إلى 350 أورو وعرضه على المجلس التأديبي للشركة. والتمس من المحكمة الحكم على الدولة بجبر الضرر وأداء تعويض رمزي قدره 300.000 درهم جراء الضرر المادي والمعنوي اللاحق به وبأبنائه وزوجته. ونشر الحكم في ثلاث جرائد وطنية على نفقة الجهات المدعى عليها.

وقد دفعت الجهة المدعى عليها بكون مدة توقيف المدعي لم تتجاوز 24 ساعة، وبأن تصرف شرطة أمن الحدود كانت تقتضيه المصلحة العامة، كما أن إثبات الخطأ لا يكفي وحده للحكم بالتعويض ملتمسة رفض الطلب.

موقف المحكمة

انطلقت المحكمة في دراستها للقضية من التحقق من توافر العناصر اللازمة لقيام مسؤولية الادارة المبنية أساسا على وجود خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما.

والخطأ المرفقي للإدارة إما أن يكون ناتجا عن عدم أدائها لخدمة منوطة بها، أو أدائها بشكل سيئ أو التباطؤ والتأخير في أدائها.

وهكذا جاء في حيثيات الحكم:

"حيث أنه بعد دراسة القضية يتبين أن شرطة الحدود قامت بإيقاف المدعي لكون إسمه موجوداً ضمن قائمة المبحوث عنهم، قبل أن يتم إخلاء سبيله لكونه ليس الشخص المعني ببرقية البحث.

وحيث أنه بغض النظر عن المدة التي استغرقها إيقاف المدعي، فإن هذه الواقعة ثابتة بإقرار الجهة المدعى عليها، وكان من آثارها وضع المدعى عليه تحت تدابير الحراسة النظرية دون أن يتم التأكد بصفة قبلية من كونه الشخص المبحوث عنه، خاصة وأن نشر برقيات بحث على الصعيد الوطني يكون عبر مجموعة من البيانات الخاصة بالأشخاص المبحوث عنهم، منها إسمهم العائلي والشخصي وإسم الأم والأب، ورقم بطاقة التعريف الوطنية، وكان من المفروض على موظفي الإدارة المدعى عليها من أجل تفادي وقوع الخطأ وإعطاء البحث طابعه القانوني التحقق بداية وقبل ايقاف المدعي من جميع البيانات والمعلومات الخاصة به، ولا سيما رقم بطاقته، وبصمته.

وحيث أن إيقاف المدعي بالصورة المبين اعلاه كان له أثر سلبي على سلامته الجسدية والمعنوية، وحال دون حقه في حرية التنقل المضمون بموجب الدستور والمواثيق الدولية، بحيث ينصّ الفصل 22 من الدستور على أنه: "لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة". كما تنص الفقرة الأخيرة من الفصل 24 على أن: "حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه، والخروج منه، والعودة إليه، مضمونة للجميع وفق القانون". كما جاء في البند الأول من المادة التاسعة من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية المؤرخ في دجنبر 1966 بأن "لكلّ فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه، ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفيا، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه..". كما نص البند الخامس من نفس المادة على أن لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على التعويض".

وحيث ان مطالبة المدعي بتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية اللاحقة به يجد أساسه القانوني في المقتضيات المشار اليها أعلاه، وفي قانون الالتزامات والعقود[2].

وحيث أن إيقاف المدعي ووضعه تحت تدابير الحراسة النظرية دون سند شرعي نتيجة خطأ وقع فيه موظفو المديرية العامة للأمن الوطني تسبب للمدعي بصفة محققة ومباشرة وثابتة في أضرار مادية ومعنوية، فأما الضرر المادي فيتمثل بصفة عامة فيما لحقه من خسارة ناجمة عن عدم سفره هو وزوجته وأبناؤه في الميعاد، علما بأنه عامل بالخارج، وأب لأربعة أبناء، كما أنه سيضطر لا محالة الى تحمل نفقات التنقل عبر مصالح الأمن لازالة اسمه من قائمة الأشخاص المبحوث عنهم، ما كان ليتحملها لولا الخطأ المرتكب. أما الضرر المعنوي فيتمثل في فقدانه لحريته الشخصية دون سبب مشروع، وهي من الحقوق الطبيعية التي حرصت الدساتير على صيانتها. ووضع قيود غير قانونية حالت دون حريته في التنقل، فضلا عن آلام النفس التي تحمل بها وتحملت بها أسرته وأطفاله، نتيجة ايقافه بشكل مفاجئ وهو في طريقه للسفر الى الخارج وما يمكن أن يشكل هذا الموقف من حزن وأسى لدى أسرته.

قرار المحكمة

بعد المناقشات قررت المحكمة قبول الطلب شكلا، وفي الموضوع الحكم على الدولة في شخص رئيس الحكومة ووزارة الداخلية والمديرية العامة للأمن الوطني بأدائها للمدعي أصالة عن نفسه ونيابة عن أبنائه القاصرين تعويضا عن الأضرار المالية والمعنوية قدره 100 ألف درهم.

 

[1]-حكم المحكمة الادارية بوجدة عدد 144 في الملف 188/7112/2016، صادر بتاريخ 01/03/2017، غير منشور.
[2]- ينص الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود على أنه "كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر. وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر". وينص الفصل 78 على أنه "كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه، لا بفعله فقط ولكن بخطإه أيضا، وذلك عندما يثبت أن هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر. وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر. والخطأ هو ترك ما كان يجب فعله، أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر". كما ينص الفصل 79 من نفس القانون على أن : "الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها".