أصدر وزير الداخلية المصرية، تعديلات على لائحة تنظيم السجون استحدث ثلاث مواد جديدة، وأدخل تعديلا على أخرى، أبرز ما ورد في هذا التعديل هو منح مساعد الوزير لقطاع مصلحة السجون، الحق في إيداع المساجين في غرفة خاصة شديدة الحراسة لمدة 6 أشهر –حبس انفرادي- بناء على طلب من مأمور السجن. كما توسعت في استخدام السلاح في مواجهه المساجين، وقننت للمرة الأولى استخدام الغاز والخرطوش في مواجهتهم. وجاءت التعديلات في مجملها لتنتقص من الحقوق المقررة للمساجين والتي تضمنها قانون إنشاء وتنظيم السجون ولوائحه في ظل دساتير ما قبل الثورة، سأتعرض خلال السطور القادمة لأبرز تعديلين على اللائحة، طال الأول تعديلاً على الجزاءات التي توقع على المساجين، والثاني سمح لقوات الأمن بالسجون باستخدام القوة في مواجهتهم.

اولاً: وضع المحكوم عليه بغرفة خاصة شديدة الحراسة طبقا لقانون تنظيم السجون

حددت المادة 43 من قانون تنظيم السجون الصادر في 1956 الجزاءات التي يجوز توقيعها على المسجونين، وجاء في البند 6 من المادة، منها إمكانية وضع المحكوم عليه بغرفة خاصة شديدة الحراسة لمدة لا تزيد على ستة أشهر. وأحال القانون تنظيم ذلك إلى اللائحة الداخلية لتنظيم السجون. تنفيذا لذلك نصت المادة 82 من اللائحة والصادرة في عام 1961 على إنشاء هذه الغرف في الليمانات فقط، وفي حالة نقل أحد مسجوني السجون لليمان لوضعه بهذه الغرفة تنفذ عليه النظم المقررة في الليمانات. إلا أن التعديل  الأخير الذي أدخل على هذه المادة توسع في استخدام هذه الغرف فلم تعد مقصورة على الليمانات فقط كما كان سابقا، وذكرت المادة بعد التعديل 10 حالات محددة لإيداع أحد السجناء بهذه الغرف على النحو التالي:

  1. إحراز أشياء يحتمل حصول أذى منها للغير أو لأمن السجن.
  2. سرقة مفاتيح السجن أو تقليدها.
  3. الهروب أو الشروع فيه.
  4. التعدي على أحد الموظفين الذين يدخلون السجن لأداء عمل يتعلق بوظيفتهم أو على أحد الزائرين.
  5. إتلاف سجلات السجن، أو أوراق المسجونين عمدا، أو إحداث تغيير فيها.
  6. إتلاف شيء من محتويات السجن عمدا.
  7. إشعال النار داخل غرف السجن.
  8. إحداث حريق عمدا بالسجن أو مرافقه.
  9. ضرب مسجون إذا أحدث الضرب إصابة تحتاج إلى علاج.
  10. ارتكاب أي أفعال من شأنها الإخلال بأمن السجن.

على الرغم من تضمين المادة 9 حالات لوقائع محددة، عددت من خلالها أهم الجرائم الخطرة التي يمكن أن يرتكبها مسجون، فإن التعديل عمد إلى تعزيز هذه اللائحة بعبارة غير محددة ليس لها ضوابط وردت في بنده العاشر وقوامها "ارتكاب أي أفعال من شأنها الإخلال بأمن السجن". وهي تعطي مأمور السجن صلاحية واسعة في معاقبة المساجين بالحبس الإنفرادي لمدة 6 أشهر. 

الحبس الإحتياطي في قانون تنظيم السجون

جدير بالذكر أن عقوبة الإيداع بغرفة شديدة الحراسة تختلف عن عقوبة الحبس الإنفرادي والتي نص عليها قانون تنظيم السجون في المادة 43 فقرة 5. والتي أدخل عليها تعديلا في أكتوبر 2015 بموجب قانون أصدره  الرئيس عبد الفتاح السيسي إبان توليه سلطة التشريع، قبل انعقاد مجلس النوب.  وقد رُفع آنذاك الحد الأقصى لعقوبة الحبس الإنفرادي للمساجين، ليصبح 30 يوماً بدلاً من 15 يوم قبل التعديل، يوقعها مساعد الوزير لقطاع مصلحة السجون بناءً على طلب مأمور السجن. كما رفع التعديل ذاته صلاحية مأمور السجن لتوقيع عقوبة الحبس الإنفرادي إلى 15 يوم بدلا من أسبوع، على أن يتم ذلك بعد إعلان المسجون بالفعل المنسوب إليه وسماع أقواله. واعتبر القانون قرار مأمور السجن بتوقيع العقوبة نهائياً وغير قابل للطعن فيه أو التظلم منه بأي من طرق الطعن أو التظلم.

وبالنظر إلى التعديلات التي دخلت مسبقا على قانون تنظيم السجون برفع الحد الأقصى لتوقيع عقوبة الحبس الإنفرادي للمساجين، ثم مطالعة التعديل الأخير الذي تقرر بناء عليه حبس أي من المساجين حبسا انفراديا بغرفة شديدة الحراسة، إذا ارتكب أي فعل من شأنه الإخلال بما أسماه التعديل أمن السجن، يتضح بجلاء اتجاه المشرع إلى التوسع في عقوبة الحبس الإنفرادي في مواجهة المساجين، ويأتي ذلك في ظل أوضاع متردية للغاية بالسجون المصرية والتوسع في إنشائها منذ 2013.

ثانياً: استخدام الغاز والخرطوش في مواجهة المساجين

أدخلت التعديلات الأخيرة مادة جديدة على لائحة تنظم السجون برقم 81 مكرر، سمحت للمرة الأولى باستخدام الغازات المسيلة للدموع وطلقات الخرطوش، كأحد أوجه استخدام القوة في مواجهة المساجين.

فنصت المادة على أنه "مع عدم الإخلال بحق الدفاع الشرعي وأحكام المادة (87) من قانون تنظيم السجون، يجوز لقوات الأمن استعمال القوة مع المسجون بالقدر الكافي وفي الحدود الضرورية دفاعا عن أنفسهم، أو في حالة محاولة الفرار، أو المقاومة الجسدية بالقوة، أو الإمتناع عن تنفيذ أمر يستند إلى القانون أو لوائح السجن".

ويراعى أن يكون استعمال القوة مع المسجونين بقدر الإمكان على الترتيب الآتي:

  • توجيه إنذارات شفوية مسموعة للمسجونين من مأمور السجن أو أقدم ضابط موجود بالسجن بضرورة الإلتزام بنظم ولوائح السجن، وأنه في حالة عدم الإلتزام سيتم اللجوء لاستخدام القوة.
  • استخدام خراطيم المياه.
  • استخدام الغاز المسيل للدموع.
  • استخدام الهراوات البلاستيكية.
  • إطلاق طلقات خرطوش." 

الإسراف في حالات استخدام القوة

حددت المادة 4 حالات سمحت فيها لقوات الأمن بالسجون استعمال القوة مع المسجون بالقدر الكافي وفي الحدود الضرورية وهي:

  • دفاعا عن أنفسهم
  • في حالة محاولة الفرار
  • المقاومة الجسدية بالقوة
  • الامتناع عن تنفيذ أمر يستند إلى القانون أو لوائح السجن

في حين أن المادة 87 من قانون تنظيم السجون[1] والمشار اليها في صدر هذا التعديل أتاحت لقوات الأمن أن يستعملوا أسلحتهم النارية ضد المسجونين في حالتين، الأولى صد هجوم أو مقاومة مصحوبة باستعمال القوة إذا لم يكن في مقدورهم صدها بوسائل أخرى، والثانية منع فرار مسجون إذا لم يمكن منعه بوسائل أخرى. وفي هذه الحالة يتعين أن يكون إطلاق أول عيار ناري في الفضاء. فإذا استمر المسجون على محاولته الفرار بعد هذا الإنذار جاز للأشخاص المكلّفين حراسته أن يطلقوا النار في اتجاه ساقه.

وعليه، نجد أن نص التعديل الأخير توسع في استخدام الأسلحة في مواجهة المساجين وأضاف حالتين أُخريين لإمكانية استخدام القوة في مواجهه المساجين الأولى دفاع قوات الامن عن أنفسهم في مواجهة المساجين، والثانية الإمتناع عن تنفيذ أمر يستند للقانون أو لوائح السجن. وللمرة الثانية نجد أن التعديل عمد إلى تعزيز اللائحة بعبارات غير محددة وليس لها ضوابط، فلم يضع أي معيار لما يمكن اعتباره أمراً يخالف القانون. فهو لم يفرق بين المخالفات الجسيمة التي يمكن استخدام القوة في مواجهتها، والمخالفات البسيطة التي يمكن صدها بوسائل أقل عنفا وإضرارا بالمساجين. وبموجب هذا التعديل، بدا التعديل وكأنه يُطلق العنان لمأمور السجن أو من ينوب عنه في استخدام القوة لمواجهة المساجين، واعتبار أي مخالفة للقانون بمثابة تصريح لاستخدامها.

التدرج في استخدام القوة

حددت المادة ترتيب استخدام القوة في مواجهة المساجين على أن يكون كالتالي:

  • توجيه إنذارات شفوية مسموعة للمسجونين من مأمور السجن أو أقدم ضابط موجود بالسجن بضرورة الالتزام بنظم ولوائح السجن، وأنه في حالة عدم الالتزام سيتم اللجوء لاستخدام القوة.
  • استخدام خراطيم المياه.
  • استخدام الغاز المسيل للدموع.
  • استخدام الهراوات البلاستيكية.
  • إطلاق طلقات خرطوش.

وضعت المادة تدرجا لاستخدام القوة في مواجهة المساجين لكنها لم تلزم المأمور أو من ينوب عنه في إتباع هذا التدرج حيث قالت بحصر اللفظ "ويراعى أن يكون استعمال القوة مع المسجونين بقدر الإمكان على الترتيب الآتي"، ما يشير إلى إمكانية مخالفة هذا الترتيب إذا رأى المأمور أو من ينوب عنه أنه لا يمكن الإلتزام به. وجدير بالذكر أن قواعد استخدام القوة في مواجهة المساجين التي قررتها هذه المادة أكثر قسوة من المواد المقابلة لها في قانون التظاهر. فمن ناحية، ألزم قانون التظاهر قوات الأمن باتباع التدرج المذكور في القانون، دون أي تقدير من قوات الأمن لهذا التدرج، ومن ناحية أخري فإن التدرج الوارد بقانون التظاهر ألزم قوات الأمن باستخدام الخرطوش المطاطي قبل الخرطوش. وعليه، نجد أنفسنا أمام عبث قانوني، بحيث يتاح لقوات الأمن استخدام القوة المفرطة في مواجهة المساجين المقسمين على عنابر وزنازين ويصعب عليهم التجمهر أو الإعتداء على قوات الأمن، أكثر مما يتاح لها استخدام هذه القوة في مواجهة التظاهرات التي قد يتخللها شغب.

كما سمح هذا التعديل باستخدام الغازات المسيلة للدموع داخل السجون، حيث المساحات الضيقة والتهوية المحدودة، ما يعيد الي الأذهان إمكانية تكرار سيناريو عربية ترحيلات أبو زعبل والتي ذهب ضحيتها 37 سجين، أطلقت عليهم قوات الامن الغازات المسيلة للدموع داخل سيارة الترحيلات. وقد أدى هذا الأمر إلى مفارقتهم للحياة متأثرين بالغاز الذي أطلق عليهم في مساحة ضيقة عديمة التهوية.

 


[1]  نص المادة 87 من قانون تنظيم السجون، والذي استند لها قرار وزير الداخلية في استحداث المادة 81 مكرر من اللائحة "يجوز للسجّانين ولرجال الحفظ المكلّفين حراسة المسجونين أن يستعملوا أسلحتهم النارية ضد المسجونين في الأحوال الآتية:

(1)صد أي هجوم أو أية مقاومة مصحوبة باستعمال القوة إذا لم يكن في مقدورهم صدها بوسائل أخرى. 
(2) منع فرار مسجون إذا لم يمكن منعه بوسائل أخرى, وفي هذه الحالة يتعين أن يكون إطلاق أول عيار ناري في الفضاء فإذا استمر المسجون على محاولته الفرار بعد هذا الإنذار جاز للأشخاص المكلّفين حراسته أن يطلقوا النار في اتجاه ساقه.