في 14-11-2012، أصدرت المحكمة الإدارية بالأمانة في اليمن، برئاسة القاضية رغدة عبد الرحمن عبد الواحد، حكما ضد حكومة الوفاق الوطني قضى بإلزامها بتنفيذ قرار رئيس الجمهورية رقم "8" للعام 2012، بشأن ضحايا الاحتجاجات السلمية، وذلك بتوفير الرعاية الصحية للمصابين، ومعالجتهم في الخارج، حسب طبيعة الاصابة والتقرير الطبي المرفق لكل حالة، في مراكز متخصصة على نفقة الدولة. كما قضى الحكم بإلزام الحكومة بدفع مبلغ قدره "440" ألف ريال لصالح المدعين وطالبي التدخل، أتعاب ومخاسير التقاضي. وثمّن جرحى الثورة الموقف الشجاع للقاضية رغدة عبد الرحمن في التصدي للدعوى، والسير في اجراءات التقاضي، على الرغم من رفض الحكومة استلام الإعلان القضائي بالحضور، وعدم توكيل محام للترافع في القضية. وكان المحامي نجيب الحاج قد قدم الدعوى إلى المحكمة باسم "جرحى الثورة الشبابية السلمية"، بناء على توكيل أحد عشر جريحا بحيث شكل الحكم اعترافا قضائيا بـ"الثورة الشبابية السلمية". 
وهذه القضية الأهم بما يتصل بتعويضات ضحايا الاحتجاجات السلمية قد حظيت منذ تقديمها بتغطية اعلامية ومتابعة غير مسبوقة من الرأي العام. واذ جاء الحكم ليحفز فئات أخرى على تقديم دعاوى الى القضاء، كما نبين أدناه، ومعهم القضاة لأداء دور في نظام ما بعد الثورة، فإن الحكومة، أو أقله وزارة المالية، ما زالت تماطل في تنفيذه بخلاف تصريحات المسؤولين فيها غداة الحكم[1].
وازاء ذلك، عاد بعض الجرحى الذين لمسوا هذه المماطلة الى المحكمة الادارية لطلب تنفيذ الحكم ضد الحكومة جبرا. واستجابة لذلك، قامت المحكمة الادارية برئاسة القاضي بدر علي الجمرة  بإجراءات عدة اتسمت بالمثابرة: 

-في21-11-2012، قامت المحكمة بإعلان رئيس مجلس الوزراء بصورة من الحكم مذيلة بالصيغة التنفيذية وطلب تنفيذ ما تقرر "بقوة الشرع والقانون" مع الاشارة الى "أنه اذا لم ينفذ الحكم اختياريا ستتخذ المحكمة الاجراءات القانونية لتنفيذ الحكم..." وينص قانون المرافعات والتنفيذ المدني على أنه "تتبع القواعد العامة في تنفيذ الحكم الصادر ضد الدولة من حيث الشروط والاجراءات على أن يكون الاعلان إلى الجهة المحكوم عليها للقيام بالتنفيذ خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما"، تحت طائلة "الحجز على حسابات الجهة المعنية المنفذ ضدها لدى البنك المركزي أو أي بنك آخر أو الحساب الخاص بخزينة الدولة في البنك المركزي." كما وضعت المادة (489) من نفس القانون جزاء عقابيا يصل الى الحبس لمدة لا تزيد على سنتين ضد كل من يعترض أو يعرقل تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الدولة.

-ازاء تقاعس وزيري المالية والصحة لاتخاذ ما يلزم لتنفيذ الحكم رغم الايعاز الموجه اليهما من رئيس الوزراء، قامت المحكمة الإدارية بإحالة الجرحى على لجنة طبية بالمستشفى السعودي الألماني لفحص حالتهم وتقدير المبالغ المالية التي تفي بمعالجتهما في الخارج، طالبة من رئاسة الوزراء في مذكرة مؤرخة في 12-12-2012 توريد المبالغ الضرورية لاجراء الفحوصات الأولية لرفع التقارير الطبية بالتكلفة التقديرية لعلاج المرضى في الخارج الى خزينة المحكمة تحت طائلة التنفيذ الجبري. وكما ذكرت المحكمة الحكومة بضرورة ارسال من يمثلها في القضية صونا لحق الدفاع وللمصلحة العامة.

-في 25-12-2012، وازاء فشل رئيس الوزراء في ارغام وزير المالية على التنفيذ، خاطبت المحكمة رئيس الوزراء للمرة الثالثة بمذكرة معنونة "هام وعاجل" أكدت فيها على "أن المستشفى السعودي الألماني قد بين في تقاريره المذكورة بأن التكلفة التقديرية تبلغ (ثلاثمائة وثلاثين ألف دولار أميركي) مما يوجب توريد هذه المبالغ الى خزانة المحكمة تحت طائلة اتخاذ الاجراءات القانونية..." ونبهت المحكمة رئاسة الوزراء مجددا بضرورة ارسال من يمثلها في هذه القضية.

– في 28-12-2012، وبعدما خاطبت وزارة المالية بتوريد المبلغ إلى خزينة المحكمة من دون طائل، وجه رئيس المحكمة الادارية مذكرة الى محافظ البنك المركزي اليمني طالبه فيها بحجز مبلغ وقدره 330 ألف دولار أميركي من حساب الحكومة، فضلا عن تكاليف الفحوصات الأولية التي أجريت للجرحى في المستشفى السعودي الألماني بصنعاء وأغرام التقاضي.
وازاء هذه المثابرة في اقرار حقوق جرحى الثورة، بدت المماطلة الوزارية لافتة. فبعدما اكتفى وزير المالية بتجاهل المذكرات، اضطر تحت وقع اجراءات التنفيذ المتواصلة الى اتخاذ خطوات تؤشر الى موقف متعال فيه الكثير من الاستخفاف بأحكام القضاء. وهكذا، وجه مذكرة الى وزير الصحة العامة والسكان في 30-12-2012 طالبه فيها بتوجيه المختصين في وزارته بالتنسيق مع المحكمة الادارية الابتدائية بالأمانة لمراجعة التقارير الطبية الصادرة من المستشفى السعودي الألماني بناءً على تكليف المحكمة، واتخاذ الاجراءات اللازمة لمعالجة المحكوم لهم سواء في الداخل أو الخارج بمنح علاجية. وقد عكس هذا الاجراء بالواقع تشكيكا بالتقارير الطبية الصادرة بناء على تكليف المحكمة وتجاهلا للحكم القضائي الصادر على أساسها، وفي الوقت ذاته نوعا من المماطلة وإطالة الوقت. فالحكم واجب النفاذ ولا يحتاج الى تقارير جديدة. كما وجه وزير المالية مذكرة الى رئيس المحكمة الادارية في 30-12-2012 أبلغه فيها بذلك وبأن تكاليف الفحوصات الأولية المقدمة من المستشفى السعودي الالماني بناء على تكليف المحكمة سيتم صرفها عند إقرار الموازنة للعام المالي 2013، وقد بدا في ذلك وكأنه يسعى الى المراوغة وإلهاء المحكمة عن متابعة إجراءات التنفيذ الجبري للحكم. وهذا ما ندد به محامي جرحى الثورة نجيب الحاج مشيرا الى أن الوزارة تسعى الى تسوية ملف الجرحى عبر قنوات خاصة في تجاهل تام للحكم الذي بات نافذا.  
وعليه، يبدو أن هذه القضية تكشف للرأي العام مدى هشاشة وضعف الحكومة وانقسامها على نفسها فضلا عن رواج عقلية المحاصصة. وقد أشارت صحيفة الأولى الصادرة في 25-12-2012 أن وزير المالية يسعى الى تحويل 5 مليار ريال للجرحى عبر مؤسسة وفاء التابعة لحزب الاصلاح. ونقلت الصحيفة أن وزير الصحة العنسي ووزيرة الدولة جوهرة حمود هددا بالاستقالة من الحكومة بسبب رفض وزير المالية المقرب من حزب الاصلاح فتح حساب في البنك المركزي لصالح جرحى الثورة وتشديده على تسليم المبلغ الذي يبلغ أكثر من خمسة مليار الى مؤسسة "وفاء" التابعة للإصلاح. من جهته قال أحمد سيف حاشد، عضو مجلس النواب، إن لا أحد يعلم شيئاً عن الميزانية التي اعتمدتها الحكومة للجرحى رغم اقرارها في مجلس الوزراء وشدد على ضرورة محاسبة مؤسسة "وفاء" على كل المبالغ التي استلمتها منذ بداية الثورة، ولا سيما أنها لم تقم بمعالجة إلا الجرحى المحسوبين على التجمع اليمني للإصلاح أو من لديهم وساطة هناك.
وطالب حاشد رئيس الحكومة باعتماد راتب جندي لكل شهيد وكل معوق كليا، وضم المعوقين جزئيا إلى صندوق الرعاية الاجتماعية وفقا للقرار الجمهوري رقم 8 لسنة 2012 بشأن ضحايا الاحتجاجات السلمية. وقد وكل 67 جريحا النائب حاشد للتقاضي نيابة عنهم بعدما انتصرت المحكمة الادارية لجرحى الثورة.
وفي ذات السياق نشرت صحيفة الشارع بتاريخ 3-1-2013 خبرا مفاده أن رئيس مجلس الوزراء يهدد بتقديم استقالته إذا لم يستجب وزير المالية للمرة الثانية لتوجيهاته التي تقضي بعلاج جرحى الثورة الشبابية السلمية على نفقة الحكومة بناء على حكم المحكمةالادارية. وكان رئيس الحكومة قد اعتمد لجانا طبية في محافظات عدة لاستقبال جرحى الثورة لعام 2011 بهدف احصاء عددهم ورفع التقارير اللازمة بحالة كل منهم تمهيدا لعلاجهم على نفقة الدولة سواء داخل اليمن أو خارجه.
آخر اجراء في التنفيذ الجبري ضد الحكومة كان بتاريخ 6-1-2013 حيث وجهت المحكمة الإدارية بأمانة العاصمة مذكرة إلى محافظ البنك المركزي اليمني، طالبته فيها بتوريد المبالغ المخصصة لعلاج جرحى الثورة الشبابية الشعبية السلمية، المحكوم لهم من المحكمة ضد حكومة الوفاق وعددهم 11 جريحا إلى خزينة المحكمة. وأمهلت المحكمة محافظ البنك يوما واحدا لتوريد المبلغ إلى خزينة المحكمة، التي تقوم بالتنفيذ الجبري للحكم، تحت طائلة الملاحقة الجزائية على خلفية تعطيل الأحكام وعرقلتها والتي تصل عقوبتها الى ثلاث سنوات حبس (مادة 489 مرافعات ومادة 165 عقوبات).
ومن جهة أخرى، قال الجرحى المحكوم لهم بأنهم سينفذون في الأيام القادمة اضرابا مفتوحا عن الطعام أمام مقر الامم المتحدة في صنعاء للضغط على الحكومة اليمنية لتنفيذ التزاماتها تجاههم وتنفيذ أحكام القضاء باعتبار أن مأساتهم مرتبطة بالتسوية السياسية التي حصلت في اليمن والتي باركتها الأمم المتحدة.
*قاضٍ يمني 

نُشر في العدد السابع من مجلة المفكرة القانونية
[1]ذكرت صحيفة الوسط تحديدا بتاريخ 28-11-2012 بأن رئيس الوزراء قد وجه بتنفيذ الحكم ومعالجة جرحى الثورة في مستشفيات كوبا وألمانيا والكويت.