وفق القانون كل شخص يحمل الجنسية التونسية ويتمتع بحقوقه المدنية والسياسية هو "مواطن تونسي". لكن منذ العام ٢٠١١، فإنّ ممارسة الحقوق والحريات يصدم دوماً المواطنين التونسيين: إشكاليات وعنف أو الحد من هذا الحق أو ذاك؛ سخط وجدال حيال قانون أو سلطة تونسية تمنع هذه الحرية أو تنتهكها.وبالطبع، ليست النقاشات والإشكاليات المتعلقة بممارسة الحقوق والحريات جديدة في هذا البلد، وهي استطاعت تخطي جحيم الديكتاتورية.
هذا هو حال حرية التنقل والسفر. في الحقيقة، فإنّ توقيف مواطن "تونسي" في مطار "تونسي" ومنعه من السفر من دون أي سبب محدد، ومن دون مذكرة صادرة عن مدعي عام أو جهاز قضائي وطني هو مثال عن الانتهاكات المتكررة والتي تصل إلى حد تسخيف الحريات في تونس.
عمليات المنع هذه أصبحت في الواقع متكررة في المطارات التونسية. نحن أمام عمل اعتباطي كلياً، وينتهك أيضاً بشكل مفضوح القانون التونسي وكذلك القانون الدولي.

بداية، على مستوى القانون الداخلي، فإنّ الدستور التونسي الجديد أعطى ضمانات أساسية للدولة الديمقراطية وهو يحترم كما يبدو الحقوق الأساسية. ويفترض وفقه احترام أغلب الحريات الأساسية والحقوق المدنية والسياسية.
لكن وكما في كل عمل بشري، فإنّ هذا النص القانوني يخفي الكثير من الشوائب والنقص، فيما يتعلق بترسيخ وحماية الحقوق والحريات. يظهر ذلك جلياً خصوصاً في موضوع تطبيق هذه الحقوق والحريات، وتحديداً في موضوع الممارسات الخاصة بالمطارات. يتم اليوم وصف "الأمن" الذي كان يشكل أداة أساسية في خدمة الدكتاتورية  بـ"الأمن الجمهوري". وفي النص الدستوري الجديد، يتم دعوتهم بصراحة إلى حماية الحريات (الفصل ١٩). كذلك ينص الدستور على حرية التنقل للأشخاص.
لكن في موضوع الحقوق والحريات، فإنّ عقدة الدستور الجديد تكمن في الفصل ٤٩ منه. نظرياً، لا يمكن وضع أي قيود على الحقوق والحريات إلا في حال كانت لا تطال جوهر الحق أو الحرية المستهدفة. أكثر من ذلك، لا يمكن اعتماد او قبول هذه القيود إلا في حال الضرورة أو من أجل حماية المصالح الشرعية المنصوص عليها وذلك في إطار احترام مبدأ التناسب بين القيود والهدف من وراء فرضها. لكن يجب الإضافة أنّ القانون رقم ٧٥-٤٠ الصادر في الرابع عشر من ماي ١٩٧٥، المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر، يسمح لوزير الداخلية التونسي منع تنقل شخص ما في حالتين محددتين:
  • وفق الحالة الأولى، فإنّه يحق للسلطات التونسية منع رحلة قد تضر بالصالح العام والأمن القومي. لكن من أجل ذلك، ينبغي الحصول على مذكرة من رئيس محكمة الدرجة الأولى التونسية، الذي يحدد فترة المنع،
  • في الحالة الثانية، فإنّ التنقل قد يمنع في حال "الجرم المشهود" (أي القبض على شخص في أثناء ارتكابه جرم) أو الطوارئ. في هذه الحالة، فإنّه يمكن لمكتب المدعي العام فرض حتى خمسة عشر يوماً من المنع من الخروج من أراضي الدولة على الشخص المعني.

إنّ حوادث المنع الأخيرة في المطارات التونسية (تحديداً في مطار تونس – قرطاج) تستهدف الرجال وخاصة النساء الشابات. ويتم ذلك بشكل اعتباطي أكثر من قبل، من دون أي مبرّر قانوني.  
كذلك فإنّه على مستوى المعاهدات الدولية التي تشكل تونس طرفا فيها، تشكل هذه الممارسات في المطارات والمرافئ مخالفة للفصل ١٢ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أنها لا تتوافق مع الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (الفصل ١٢). ففي هاتين المعاهدتين الأساسيتين التي وقعت عليهما تونس، لكل شخص الحق في مغادرة أي بلد ومن ضمنه وطنه، طالما لا منع عليه "من قبل القانون".
ويمكننا التأكيد على أنّه في كل الحالات التي علمنا بها تقريباً، لم تقدم الشرطة الحدودية أي تبرير لمنع السفر للخارج لأي مواطن تونسي مستهدف، أو بشكل أدق "اختير" اعتباطياً. كذلك، لم تكن مزودة بأي مذكرة صادرة عن محكمة أو مدعي عام. ولم تترك السلطات أي وسيلة للمسافرين التونسيين المستهدفين بلعبة الحظ البصرية التمييزية للاعتراض على القرار.

مثال أخير عن شابة تونسية، اسمها رحاب الماي، ذاقت طعم الاذلال "على الطريقة التونسية". في الرابع والعشرين من ماي ٢٠١٦، وصلت هذه الشابة التي تبلغ من العمر ستة وعشرين عاماً إلى مطار تونس – قرطاج ومعها كل الأوراق اللازمة: جواز سفر صالح، تذكرة سفر ذهاب – إياب، حجز فندقي، ومن دون أي علامة ترف يدل على أنّها تقوم بسياحة جهادية، ومعها موافقة على السفر من والدها مصدقة قانونياً. لسوء الحظ، فإنّ شبه - المواطنة التونسية تلك التي التزمت بكل المتطلبات الضرورية وكانت تريد أن تذهب في رحلة قصيرة إلى بلغراد، منعت من ذلك من قبل شرطة الحدود التي لم تقدم لها أي مسوغ قانوني.
من الجميل أن يكون المرء تونسياً. لكن جدياً، هل لنا الحق في أن نكون مواطنين توانسة في تونس؟ هل لدينا الحق في أن نعامل بشكل جيد من قبل السلطات؟ وأخيراً، هل للدستور قوة تنفيذية بتحديد الشرعية، أم أن مسألة الحريات تبقى وقفاً على النية الحسنة لعناصر الأمن "الجمهوري" وحدهم؟

في الدول الأوروبية، تظهر الوقائع أن قيوداً مماثلة وحالات سوء استخدام السلطة المقيّدة الحريات، قلما تحمي ضد الأخطار والتطرف. في الواقع، هذه الخطوات الكريهة لا يمكن لها إلا أن تزيد من الشرخ بين المواطنين ومؤسسات الدولة.         يجب التذكير أخيراً أنّ القانون ليس هنا من أجل حماية الأقوياء ضد الضعفاء، والمهيمنين ضد المقموعين، أو الأغلبية ضد الأقلية. القانون وُجد لحماية المواطنين ضد الاعتباطية. الحريات وجدت لحماية كل المجتمع وانعتاقه. بشكل أدق، إنّ حرية السفر مثلها مثل الحرية في التنقل الداخلي في الوطن، يجب ان تكون من أكثر الحقوق حماية ورسوخاً، في مواجهة الممارسات الاعتباطية للدولة وأعوانها.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.