لم يمنع تواصل نظر قاضي التحقيق بالبحث في القضية المعروفة إعلاميا بكتيبة أبو مريم الارهابية أعضاء مجلس نواب الشعب التونسي من إجراء جلسة استماع لوزيري الداخلية والعدل في موضوعها يوم 10-06-2016. رفض نواب الشعب الاعتراف بأن نقاشهم لقضية جارية أمام القضاء تدخّل غير دستوري في عمله، و تمسكوا بكون جلستهم مجرد جلسة حوار مع الحكومة تندرج في إطار ممارستهم لحقهم في الرقابة على عملها. كان السؤال الذي بادرت كتلة نواب الحرة بالمجلس التشريعي بالدعوة لجلسة الحوار لمناقشته هو الآتي: "لماذا أفرج قاضي التحقيق عن المتهمين في قضية كتيبة أبو مريم التي كشفت عنها فرقة الابحاث في القضايا الارهابية التابعة للأمن الوطني؟" وكان مبرر طرح السؤال أن أعضاء الكتيبة الذين أفرج عنهم تورط عدد منهم في العملية الإرهابية التي شهدتها بلدة بن قردان بالجنوب التونسي فيما ضبط عدد آخر منهم عند مداهمة منازل يستغلها الارهابيون في تجميع السلاح بجهة المنيهلة. اعتبر الداعون لجلسة الاستماع أن الافراج عن المتهمين "خلل يجب البحث عن مسبباته". وطلبوا من وزيري العدل والداخلية أن يقدما تفسيراً للخلل ومسبباته. وذكرت دعوة الوزيرين باعتبار اختصاصهما بالسؤال الذي فرضته الحملة التي أطلقتها النقابات الأمنية وكان شعارها "الأمن يشدّ والقضاء يسيب".
تظهر جلسة الإستماع عند هذا الحد علاوة على أنها تدخل من السلطة التشريعية في عمل القضاء حلقة من حلقات الحملة التي تستهدف العمل القضائي وتتهمه بالسلبية في الحرب على الإرهاب. ويبدو اختيار أن يكون وزير العدل الممثل للقضاء في جلسة الاستماع حدثاً اضطرارياً أملته ضرورة ألا تكون جلسة المحاكمة التشريعية للقضاء غيابية، خصوصا وأن نواب الشعب يعلمون أنه ليس للوزير من سلطة قانونية للتدخل في عمل القضاء.

أشرت جلسة الاستماع في بعدها المؤسساتي على أن الاعتراف باستقلالية القضاء كقيمة ديموقراطية لازال غير ناضج. إلا أن مجريات جلسة الاستماع كشفت أن تطور ثقافة استقلال القضاء وان لم يتحول بعد إلى قاسم مشترك بين كل الاطراف، إلا أنه يعرف تطورا كشفه تدخل النواب بالجلسة أولا ورد وزير الداخلية على تساؤلاتهم ثانيا.

تدخلات النواب
شارك بطرح الأسئلة بجلسة الاستماع 21 نائبا تبنى ستة منهم فقط خطاب اتهام القضاء بالتقصير فيما دافع أربعة منهم عن استقلالية القضاء بشكل صريح مستنكرين الحملات التي تستهدفه في عمله في شأن القضايا الارهابية. أما بقية المتدخلين وعددهم 12 فقد تجنبوا التعرّض للقضية موضوع جلسة الاستماع وطرحوا أسئلة حول العمل القضائي والأمني.
يؤكد هذا الجرد للمواقف النيابية أن الخطاب الذي يرفض الاعتراف باستقلال القضاء ويعد القضاء مجرد جهاز لا يشكل الأغلبية بمجلس نواب الشعب، وإن بقي هاماً. كما يكشف دفاع  نواب عن استقلالية القضاء في جلسة استماع مخصصة لمحاكمة القضاء على كون أداء القضاء في القضايا الارهابية  أكسبه مصداقية في أوساط سياسية كانت حتى وقت قريب تصارح بعدم ثقتها في عمله. فيما يؤكد تعمد اثني عشر نائبا من المتدخلين عدم التعرض لموضوع الجلسة أن الجانب الاكبر من نواب الشعب لا يشارك في التوظيف السياسي لعمل القضاء. وذات المؤشرات الإيجابية أكدها تدخل وزير الداخلية.

رد وزير الداخلية ينتصر لقيم العمل القضائي:
كان يتوقع أن يكون خطاب وزير الداخلية السيد الهادي مجدوب بجلسة الاستماع منسجماً مع فكرة اتهام القضاء بالتقصير وتضييع المجهود الأمني بالإفراج عن المتهمين بالإرهاب. لكن الوزير فاجأ الحاضرين بخطاب مدافع عن قيم استقلال القضاء. كشف الوزير للنواب الذين سبق لبعضهم أن أدان إفراج القضاء عن المتهمين أن ملف البحث الذي قدم لقاضي التحقيق "لم يتضمن أدلة حقيقية على التهمة باستثناء وجود شرائح الكترونية تحتوي أدعية دينية واعترافات اثنين من أصل ستة عشر بكونهم كانوا يعدون لعملية إرهابية وهي إعترافات أنكرها بقية المتهمين". وانتهى الوزير إلى القول "أنه على القاضي أن يحكم وفق ما يقدم له من أدلة و في احترام لقاعدة المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته"[1] .
حولت تدخلات الجانب الاكبر من النواب جلسة الاستماع التي كان الهدف منها التدخل في عمل القضاء ومحاكمته شعبيا بتهمة التقصير في الحرب على الارهاب إلى جلسة انتصار لقيم استقلال القضاء، وهي قيم أكد وزير الداخلية أن قاضي التحقيق الذي تعهد بقضية كتيبة أبو مريم احترمها بعيدا عن فوبيا الحرب على الإرهاب.
م.ع.ج

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.
  
 


[1]يراجع في خصوص تصريحات الوزير مقال " وزير الداخلية ملف كتيبة ابو مريم لم يتضمن ادلة كافية
موقع باب بنات http://www.babnet.net/cadredetail-126664.asp