زادت في الآونة الأخيرة أخبار عن احتجاجات وإضرابات المحامين بسبب إعتداءات من أفراد الشرطة، أو القبض على محامين أثناء أو بسبب تأدية عملهم بالمخالفة للقانون، أو بسبب انتهاكات لحقهم في الدفاع. كما يشكو المحامون في الآونة الأخيرة من تعنت بعض القضاة ضدهم، مما أدى إلى مطالبة بعضهم بتنحية قضاة عن النظر في القضايا التي توكلوا فيها أو طلب نقلهم. الى جانب آخر، عانت نقابة المحامين في الفترة الأخيرة من صراع داخلي وصل إلى حد مطالبة أعداد من المحامين بسحب الثقة من نقيب المحامين الحالي سامح عاشور ومحاولة جمع توقيعات لذلك.
نتناول في هذا المقال، أوضاع المحامين في الفترة الأخيرة، من خلال التركيز على الاعتداءات والانتهاكات التي تتم في حقهم وموقف النقابة تجاه ذلك. بالاضافة الى القاء الضوء على المشاكل التي تعاني منها المهنة بشكل عام لأسباب متعددة نفصلها في هذا المقال مع التطرق الى دور النقابة تجاه هذا الأمر.
 
1- المحامون في مرمى النيران
كما أشرنا في المقدمة، فإن حالات إعتداء أفراد الشرطة على المحامين ارتفعت بشكل ملحوظ في الثلاث سنوات الماضية، وهو الأمر الذي أدى إلى أزمة حقيقية بين المحامين والشرطة إلى حدّ استدعى تدخّل رئيس الجمهورية والإعتذار شخصياً للمحامين كما سنبين أدناه. ولعل الأزمة بين المحامين وأفراد الشرطة يمكن إرجاعها إلى توغّل القبضة الأمنية خلال السنوات الماضية، واعتبار المحامين عقبة في طريق معاقبة من يستحق العقاب حسب وجهة نظر الجهاز الأمني[1]. ولكن غير المفهوم واللامنطقي هو الأزمة التي تزداد عمقاً كل يوم بين المحامين والقضاة وأعضاء النيابة. وهي الأزمة التي تتفاقم كل يوم بسبب تعنت الأجهزة القضائية في التعامل مع المحامين وإحالتهم للتحقيق بتهمة اهانة المحكمة، أو رفض مقابلتهم والتعامل معهم بنظرة فوقية كما سنوضح.
 
  • اعتداءات الأجهزة الأمنية على المحامين
لعل واقعة الاعتداء على المحامي كريم حمدي كانت الحادثة الأبرز خلال الفترة الفائتة. فقد تعرض المحامي المذكور في فبراير 2015 للقبض من قبل قوات الأمن الوطني الذين قاموا بتعذيبه حتى الوفاة في قسم المطرية، وذلك بسبب دفاعه عن بعض المعتقلين المنتمين لتيار الإسلام السياسي. وقد تسببت هذه الواقعة في أزمة حادة بين المحامين وجهاز الأمن. كما أدّت إلى احتجاجات واسعة بين صفوف المحامين الذين قاموا بمظاهرة أمام قسم المطرية في 26-2-2015. كما نظّم المحامون وقفة احتجاجية على سلالم النقابة في مارس 2015، ثم مسيرة بالروبات السوداء إلى دار القضاء العالي وقاموا بمحاصرة مكتب النائب العام للإعتراض على قرار حظر النشر الذي أصدره في القضية. وكانت هذه هي المرة الأولى التي لا تستطيع فيها وزارة الداخلية السيطرة على مظاهرة بدون تصريح، وفقاً للمحامي مالك عدلي[2]. وهي المسيرة التي أُحيل على اثرها بعض المحامين مثل خالد علي ومالك عدلي إلى التحقيق أمام النائب العام. وتدخّل نقيب المحامين سامح عاشور بالحضور أمام النائب العام لتهدئة الأوضاع وشرح موقف المحامين له. وذكرت هذه المسيرة بالمظاهرات التي نظمها المحامون في عام 1994 بعد مقتل المحامي عبد الحارث المدني في المعتقل بسبب التعذيب[3].

ولم تكن حادثة كريم حمدي هي الوحيدة خلال الفترة الماضية. ونذكر على سبيل المثال التهديد بالسلاح الذي تعرّض له المحامي عمرو إمام في يناير 2014 امام في قسم شرطة المعادي عند سؤاله عن محتجزين تم القبض عليهم في سياق مظاهرات ذكرى الثورة[4]، والإعتداء على المحامية ياسمين حبيب بالضرب باللكمات والجر من شعرها وذراعها والاعتداء اللفظي عليها في سبتمبر 2014[5]. كما أثارت قضية الاعتداء على المحامي محمد الجمل ضجة كبيرة بعد إطلاق النار عليه في نيابة مدينة نصر بعد مشادة كلامية بينه وبين أمين شرطة وسكرتير بالنيابة[6]. وقد أعلنت النقابة تعليق العمل بمحكمة مدينة نصر إحتجاجاً على هذا الإعتداء[7].
كذلك، أحدثت واقعة تعدّي نائب مأمور مركز فارسكور بدمياط بالحذاء على المحامي عماد فهمي ضجة كبيرة. وأدت هذه الحادثة إلى إعلان نقابة المحامين الإضراب العام في يونيو 2015، وهو الأمر الذي أدى الى تقديم رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي إعتذارًا الى المحامين[8]، مما يدلل على فداحة الاعتداءات وعمق المشكلة بين المحامين ووزارة الداخلية.
بالاضافة الى الاعتداءات اللفظية أو الجسدية، والتي ذكرنا هنا بعض الأمثلة عنها، قامت قوات الأمن باعتداءات من نوع آخر عن طريق تلفيق التهم للمحامين. ونذكر على سبيل المثال قضية المحامي عبد العزيز يوسف من الشرقية الذي تم القبض عليه من منزله في الشرقية في أغسطس 2015، واتهامه بالتظاهر والانتماء لجماعة الاخوان المحظورة وتعطيل المواصلات والمنشآت العامة[9]، وهي التهم التي تم تبرئته منها في نوفمبر 2015[10]. كذلك بالنسبة للمحامي إسلام أسامة الذي تم اعتقاله مؤخراً من بيتهوتم اخفاؤه قسرياً لعدة أيام، ثم ظهر في نيابة زفتى متهماً بالانتماء لجماعة الأخوان المحظورة وحيازة منشورات وكتب[11].
وهذان المثالان ضمن أمثلة كثيرة لمحامين تم القبض عليهم وتوجيه تهم لهم، لأسباب يرجّح أنها تتصل بدفاعهم عن معارضين للنظام الحالي. وتجدر الإشارة إلى أن القبض على المحامين دون أمر من النيابة العامة مخالف للمادة 51 من قانون المحاماة[12].
كما كان لمنع المحامين من الدخول إلى مقر قسم قصر النيل بعد القبض على متظاهرين معترضين على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، أثر بالغ خصوصا وأنه تم منعهم من الدخول بالسلاح[13]. وهو الاعتداء الذي ترتب عليه اصدار نقابة المحامين لبيان لرفض "كافة أشكال الاعتداء" التي تعرض لها المحامين، وتقديم البلاغات اللازمة ضد المعتدي، مع تكليف أعضاء من مجلس النقابة لمتابعة كافة الاجراءات القانونية وتقديم البلاغات اللازمة للنائب العام[14].

كما تم القبض على المحامي الحقوقي مالك عدلي، بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، إذاعة أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة، من بينها أن جزيرتي تيران وصنافير مصريتان وغيرها من التهم وذلك بعد رفضه تنازل الحكومة عن الجزيرتين بناء على إتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع السعودية عن طريق رفع قضية أمام القضاء الاداري لإبطالها[15]. وقد تعرض مالك عدلي للتعذيب وأشاعت النيابة العامة أنه كان في حالة سكر أثناء القبض عليه لتشويه سمعته. كما أن النيابة سألت المحامي مالك عدلي أثناء التحقيق عن رأيه في اعتصام موظفي الضرائب العقارية عام 2008، وقضية جوليو رجيني وإسقاط الطائرة الروسية[16]، وهو ما يؤشّر إلى أن القبض على مالك عدلي لم يكن بناء على الاتهامات الموجهة اليه فقط، ولكن بناء على آرائه وتوجهاته السياسية.
وينقلنا أداء النيابة العامة في هذه الواقعة إلى الحديث عن العلاقة بين النيابة العامة والقضاء من جهة والمحامين من جهة أخرى.
 
  • انتهاك القضاة وأعضاء النيابة لحق المحامين في الدفاع
لا تقف الاعتداءات التي يتعرض لها المحامون عند قوات الأمن، ولكنها تمتد لتشمل انتهاكات لحق الدفاع من خلال المحاكم والقضاة وأعضاء النيابة، مدللة على عمق الأزمة بين القضاة والمحامين. فعلى الرغم من النص الصريح للمادة 49 من قانون المحاماة على حق المحامي في معاملته بالاحترام الواجب من المحاكم وسائر الجهات التي يحضر أمامها، نلاحظ كثرة شكاوى المحامين من سوء معاملتهم من القضاة وأعضاء النيابة العامة. وتصديا لذلك، سُجّل مؤخراً ازدياد قرارات امتناع المحامين عن الترافع أمام محكمة، أو دوائر محكمة بسبب التعنّت ضد المحامين. نذكر على سبيل المثال، قرار نقابة المحامين بالامتناع عن الحضور والمرافعة أمام الدائرة 24-جنايات اسكندرية، وذلك بسبب شكاوى المحامين من سوء معاملة رئيس الدائرة لهم[17]. كما أعلنت النقابة الفرعية في مطروح بالتنسيق مع النقابة العامة إضرابًا عامًا في فبراير 2016 مع إعتصام المحامين بمقر المحكمة[18] بسبب تعنت النيابة العامة الذي شمل انتهاكات لنصوص قانون الإجراءات الجنائية الخاصة بحق الدفاع وحقوق المتهم. الجدير بالذكر أن من بين شكاوى المحامين كانت وساطة حرس أعضاء النيابة في التعامل بين المحامين وأعضاء النيابة، واستجوابهم للمحامين عن أسباب طلب مقابلة أعضاء النيابة، وهو الأمر الذي يدلل على عدم احترام أعضاء النيابة للمحامين، وشعورهم بعلو مكانتهم بالنسبة إلى المحامين.
وهو الأمر الذي نستشفه أيضًا في قرارات منع المحامين من الدخول إلى محكمة أمن الدولة[19]، أو نقل مكتب النائب العام من مقره التاريخه في دار القضاء العالي الى منطقة الرحاب في ضواحي القاهرة (على مشارف حدود السويس)[20]، بالإضافة إلى اجراء تحقيقات ومحاكمات داخل مقار شرطية[21]، كل هذه الاجراءات تؤدي الى تكبّد المحامي متاعب شاقة، وأكلافاً اقتصادية إضافية[22]. يضاف إلى ذلك منع المحامين من مقابلة النائب العام وأعضاء النيابة المتواجدين في المقر الجديد وإسناد مهمة مقابلة المحامين إلى موظف يحدد إمكانية مقابلة المحامي للنائب العام أو لعضو النيابة؛ وهو الأمر الذي يدلل على نظرة أعضاء النيابة والقضاء ووزارة العدل المتدنية للمحامين، وعدم اعتبارهم شركاء لتحقيق العدالة وسيادة القانون كما ينص الدستور المصري[23]. كما أن هذه الأمور تنتهك بصورة مباشرة حق الدفاع وحق المتهم في محاكمة عادلة وما إلى ذلك من ضمانات دستورية[24].
بالإضافة الى ذلك، شكّل تعنت القاضي ناجي شحاتة مع المحامين أمراً لافتاً استدعى تدخل النقابة. فالقاضي ناجي شحاتة تعنت في التعامل مع عدد من المحامين المترافعين أمامه. كما أحال بعض المحامين مثل الاستاذة راجية عمران إلى التحقيق بتهمة إهانة هيئة المحكمة[25]. بالاضافة الى تعنته في الاستجابة لطلبات الدفاع. وخير مثال على ذلك الحادثة مع المحامي خالد علي أثناء قضية "أحداث مجلس الوزراء"، وهي الحادثة التي قرر المحامون بعدها الامتناع عن الحضور أمام المحكمة. وقد أصدرت نقابة المحامين بيانًا تمنع المحامين من الحضور أمام المحكمة، كما تمنع أي محامٍ من قبول الإنتداب في هذه القضية. وقد اعتبرت النقابة في بيانها أن "الاستهانة والاستخفاف بالسادة المحامين أمر غير مقبول من أي مسؤول قضائي أو تنفيذي مهما علا شأنه". كما أكدت النقابة أنها "لم تعد تقبل أنصاف الحلول في تأكيد عقيدتها الدستورية في ضمان حق الدفاع وسيادة القانون، وأن شراكتها للقضاء في تحقيق العدالة شراكة لا يملك كائن من كان أن ينال أو ينتقص منها"[26]. ويعكس البيان بصورة واضحة دفاع النقابة عن كرامة المحامي وحقه في ممارسة عمله. كما هو يعكس عمق الأزمة التي تعاني منها المهنة حاليًا من اعتبارها "درجة ثانية" من القضاة. وهو الأمر الذي يُرجع المهنة إلى أكثر من مئة عام إلى الوراء إلى ما قبل إنشاء نقابة المحامين. ففي عام 1910، برزت مطالبات لمحامين عدة بوجوب وقف ما يظهره أعضاء النيابة والقضاء من قلة اعتبار للمحامين، وضرورة التعامل معهم معاملة الند للند[27]. كما أن النظرة الحالية للمحامين من جانب السلطة القضائية على أنهم من أعوان القضاء مثل الكتبة والمحضرين والخبراء، والتي حاول القضاة تضمينها في مشروع قانون السلطة القضائية في عام 2011، ترجعنا كذلك قرناً إلى الوراء إلى ما قبل اطلاق لقب "محاماة" على المهنة، واعتبارها "حرفة" يستطيع كائن من كان ممارستها[28].
وكانت من أهم مطالب المحامين لنزع إعتراف القضاة وأعضاء النيابة بدورهم في 1910 هو انشاء نقابة تجمعهم كقوة واحدة وتدافع عن حقوقهم. كما طالب المحامون آنذاك بمواد قانونية تضمن استقلالهم أثناء تأدية عملهم. ولكن في وقتنا الحاضر، وبعد 100 عام من تأسيس النقابة، كيف يطالب المحامون بنفس المطالب الأساسية التي كانوا يطالبون بها منذ 100 عام؟ هذا ما سنحاول مناقشته أدناه.
 
2- هل تكفي النصوص الحالية والأداء النقابي الحالي لحماية المحامين؟
من البين أن مهنة المحاماة في مصر قد أصابها الوهن في الفترة الأخيرة. ولعل الأمر يرجع إلى ما بعد حركة الجيش في 1952 وما ترتب عليها من تغول السلطة الأمنية على السلطات القانونية والقضائية بشكل عام. ولكنه يرجع كذلك إلى ضعف التعليم القانوني في الوقت الحالي تبعاً لزيادة أعداد كليات الحقوق والخريجين منها. كما يرجع إلى ضعف محتوى مناهج هذه الكليات واعتمادها على الحفظ والتلقين، وإهمال البحث العلمي. يضاف إلى ذلك ضعف إعداد المحامي المهني والثقافي[29] مما يؤثر بطريقة مباشرة على عمله وارتقاؤه بالمهنة، ويؤثر بطريقة غير مباشرة في دور نقابة المحامين[30]. ومن المنتظر أن يؤثر وهن مهنة المحاماة وغياب وهجها بطريقة سلبية على العلاقة بين المحامين والقضاة وأعضاء النيابة وأفراد الشرطة.
ونناقش في هذه الفقرة ضمان حماية المحامي لاستقلاله أثناء ممارسة عمله، وحمايته ضد أي تعنت أو انتهاك لحقوقه سواء عن طريق حصانة المحامي المقررة قانوناً، ودور نقابة المحامين في تأمين تلك الحماية والاستقلال.
 
  • حصانة المحامي: حبر على ورق.
تنص المواد 50 و51 من قانون المحاماة على حصانة للمحامي أثناء تأدية عمله[31] تضمن له الاستقلال وتحميه من أي تعنت من جانب أفراد الشرطة، أو أحد القضاة أو عضو نيابة. كما تنص المادة 54 من نفس القانون على أن لدى المحامي نفس حصانة أعضاء هيئة المحكمة إزاء اهانته وتهديده أثناء قيامه بأعمال مهنته أو بسببها[32]. ولكن هذه الحصانة لا يتم تطبيقها على أرض الواقع. فكما اوضحنا أعلاه، يتعرض المحامون إلى الإهانة والقبض والتهديد والإحالة إلى التحقيق دون أي احترام لمواد قانون المحاماة. وقد شهدت حصانة المحامي نقاشاً حادّاً منذ 2011 كما أشرنا أعلاه، ثم خلال اعداد مسودة دستور 2014حيث طلب المحامون إدراج مادة تكرس استقلالهم خلال ممارستهم لمهنتهم فيه. ولكن القضاة اعترضوا على المادة معتبرين أنها تنص على حصانة خاصة للمحامي ترقى إلى حصانة القاضي. كما أن مطالب المحامين بضرورة النص على عدم حبس المحامي في الجرائم المتعلقة بأعمال مهنته أو أثناء مباشرتها، باءت بالفشل حيث نص الدستور أنه يجوز ذلك في حالات "التلبس"[33]. وهو الأمر الذي اعتبر المحامي مالك عدلي[34] أنه يفتح الباب أمام أي قاضٍ أو عضو نيابة "لصيد" المحامي بدعوة تلبسه ب"إهانة الهيئة القضائية". وبذلك، أصبح المحامي هو الحلقة الأضعف بين القاضي وضابط الشرطة. وعليه، وفيما أن جميعهم يؤدون أعمالاً قانونية متكاملة، يحظى القاضي وضابط الشرطة بحماية قانونية، لتبقى بالمقابل الحماية المكفولة للمحامي حبرًا على ورق، يسهل اختراقها بدعوى "التلبس" و"إهانة المحكمة أو الهيئة القضائية". وهي نفس التهمة التي أدت الى ثورة المحامين عام 1929 وانعقاد جمعية عمومية غير عادية للنقابة، بعد فرض غرامات على ثلاثة محامين أثناء ترافعهم بتهمة "التطاول على المنصة". وقد اعتبر المحامون آنذاك أن ما حصل يشكل اعتداء معيقا لقدره المحامي في الدفاع الحر عن مصالح موكله. وبناء على هذه الحادثة، تم تعديل قانون المحاماة لمنع توقيع أي غرامات من هذا النوع على المحامين[35]. ولكن في الوقت الحالي، تعرض النقابة عن اتخاذ موقف قوي مماثل، مما يدفعنا إلى التساؤل حول الأسباب التي تمنع النقابة عن ذلك.
 
  • نقابة المحامين من 1912 الى 2016: ماذا تغير؟
"ولاحظوا أن المحاماة لا يمكن أن تؤدي وظيفتها كما ينبغي إلا اذا كان لها شأن واعتبار، وهو ما لا يأتي إلا بضمانة استقلالها وبحفظ كرامتها. ولا يمكن أن تكون المحاماة مستقلة وكرامتها مصونة إلا إذا تألفت من أفرادها هيئة رسمية تناضل عن حقوق الدفاع من حرية واستقلال وعدالة. وتدافع عن شرف المحامين والمحاماة في كل ما له مساس بسيَرهم وسلوكهم ومعاملاتهم مع رجال القضاء والنيابة"[36]. كان هذا جزءاً من الخطاب الذي أرسله عزيز خانكي بك لسعد باشا زغلول وزير الحقانية (العدل) عام 1910 شارحاً له ضرورة إنشاء نقابة للمحامين. ونلاحظ أنه ربط كرامة مهنة المحاماة واستقلالها بوجود هيئة (نقابة) تدافع عنهم وعن حقوقهم. وهو الأمر الذي يجعلنا ننظر بالضرورة إلى دور نقابة المحامين حالياً وسط كل هذه الإنتهاكات، متساءلين عن دورها للدفاع عن المحاماة والمحامين.
فمنذ إنشائها في عام 1912، اتخذت نقابة المحامين على مدار تاريخها مواقف قوية وفعالة للدفاع عن المحامين واستقلالهم والعمل على تطور المهنة. وقد ذكرنا أعلاه بعض الأمثلة على مواقف اتخذتها النقابة للدفاع عن أعضائها في عشرينيات القرن الماضي، وأيضاً بعد مقتل المحامي عبد الحارث المدني عام 1994. وهذه الحوادث وما عقبها من مواقف يشير إلى أن الانتهاكات التي يعاني منها المحامون ليست جديدة عليهم، ولكن الجديد هو موقف النقابة المتراخي. ولعلّ موقف النقابة من القبض على المحامي مالك عدلي أبلغ دليل على تراجع دور النقابة. فقد اعتبرت النقابة أن القضية ليست نقابية، وصرّحت أنها ارسلت محامي النقابة للّدّفاع عنه وأنها ترفض التعقب السياسي للمحامين[37]، ولكن دون اتخاذ موقف قوي وصارم في مواجهة ذلك وللحد من حدوثه مستقبلاً، بالاضافة الى عدم اتخاذ النقابة أي اجراءات لوقف حبس مالك عدلي انفرادياً لمدة تزيد عن ال30 يوماً المقررة قانوناً، والانتهاكات التي يتعرض لها داخل محبسه. وذلك في مقابل ارسال عدة منظمات دولية لرسائل تطالب فيها بالافراج عن المحامي مالك عدلي وحماية المحامين المصريين، مثل اتحاد نقابات المحامين الاوروبية الذي طالب في رسالته بضمان "تمتع المحامين المصريين بالحق في التعبير عن رأيهم وممارسة مهام عملهم دونما خوف أو انتقام او عقبات أو تخويف أو تحرش"[38].
كما ان ابلغ الدلالة على ضعف تأثير النقابة على الدولة هو مرور النص الدستوري الخاص بمهنة المحاماة على النحو الذي أوضحناه، رغم تطلعات المحامين الى نص يحمي استقلالهم ويضمن لهم ممارسة عملهم بصورة كاملة. كما أن النقابة لم تصدر أي بيان لاستنكار منع المحامين من دخول نيابة أمن الدولة معتبرة أنها قضية سياسية على الرغم من قيام بعض المحامين برفع قضية أمام مجلس الدولة لتمكينهم من دخول مبنى نيابة أمن الدولة[39]. كذلك لم تصدر النقابة أي بيان فيما يخص نقل مقر النائب العام الى ضواحي القاهرة والتعامل الفوقي مع المحامين في هذا المقر. وفي الاتجاه نفسه، يُسجل اعتراض عديد من المحامين على إدارة النقابة لأكثر من ملف ذُكر أعلاه مثل ملف الاعتداء على محامي دمياط رغم اعتذار الرئيس السيسي عن ذلك[40]، وملف القبض على المحامي إسلام اسامة، وملف المحامين المحبوسين، وغيرها من الملفات. بالاضافة الى ذلك، لم تقم النقابة باصدار أي بيان لاستنكار منع الزيارات او قصر مدتها في سجون مثل سجن العقرب، او للاحتجاج ضدّ اي انتهاك للحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور. وهو ما يعكس انكفاء النقابة لأداء دور تقليدي لا يتعدى تقديم خدمات للمحامي أو الدفاع عنه إذا استدعت الحاجة.
ووصل تراخي النقابة في التعامل مع القضايا التي تمسّ المحامين إلى اعتبار عدد كبير منهم أن النقابة كيان مشلول، أو كيان شكلي فقط لا يستفاد منه إلا للحصول على رخصة مزاولة المهنة، دون تحقيق أي فوائد أخرى من أي نوع سواء مادية، صحية، أو معنوية. وهذا ينعكس إلى عزوف عدد كبير من المحامين عن الاشتراك في انتخابات النقابة من خلال الانتخاب أو الترشح.

ويرجع تراجع دور نقابة المحامين الى ما بعد حركة يوليو 1952 بسبب تراجع كل المهن القانونية بشكل عام، بعد العديد من الانتهاكات الدستورية والقانونية التي تمت في هذه الفترة، ودخول النقابة في صدام مباشر مع الضباط الأحرار بين عامي 1952 و1954 بسبب هذه الانتهاكات، ومعركة الدستور وغيرها من الأمور مما أدى الى حلّ مجلس النقابة عام 1954 وتعيين نقيب لها بواسطة الجيش. ذلك الى جانب محاولة السلطة في ذلك الوقت إقصاء كل من كان يُعد من النخبة خلال العصر السابق، وهو الأمر الذي طال المحامين بطبيعة الحال.
كما أن سياسة الدولة لزيادة أعداد المحامين عن طريق زيادة أعداد كليات الحقوق وإلغاء أي معايير للانضمام اليها كان لها أثر كبير على النقابة ودورها. فأعداد المحامين المسجلين في نقابة المحامين حاليًا يقارب ال600 ألف محام، وهو عدد كبير جدًا لا بدّ أن يضغط على مواردها ودورها. كما أن هذا العدد الكبير يسهّل اختراق الدولة لما يعتبر أكبر كيان نقابي مهني في مصر. هذا العدد الكبير يشمل بالضرورة أشخاصا لا يشتغلون بالمهنة، مما يحول دون نشوء رابطة قوية فيما بينهم. وقد نادى كثير من المحامين بتنقية جداول المحامين منذ وقت طويل، وهو أمر تحاول النقابة منذ فترة طويلة القيام به لكن دون أي نتيجة ملموسة حتى اللحظة. ويلحظ أن عدد طلاب الحقوق في جامعة القاهرة وحدها يفوق 20 ألف طالب.
وتوثر هذه الاعداد الكبيرة على توحيد قرارات النقابة والإلتزام بها. فعند اتخاذ النقابة قراراً بإضراب كلي أو جزئي على سبيل المثال، يفاجأ المحامون بعدد كبير من زملاؤهم لا يلتزمون بهذه القرارات، وهو الأمر الذي يؤدي حتماً الى اهتزاز صورة النقابة وقلة تأثير قراراتها على القضاء والنيابة والدولة بشكل عام.

الى جانب ذلك، يُعد غياب الكوادر النقابية التي تستطيع التجديد والتغيير في خطاب النقابة من العوامل الهامة لتراجع الأداء النقابي. فعلى سبيل المثال، يُمنع المحامون الابتدائيون[41] من الترشح لمجلس نقابة المحامين والنقابات الفرعية رغم أنهم الأكثر عدداً في جداول المحامين والأكثر شباباً كذلك، مما يمنع هؤلاء من الدخول إلى العمل النقابي في وقت مبكر والاشتراك في صنع القرارات. وهو الأمر الذي دفع المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطعن على دستورية المادة 133 من قانون المحاماة.
كما أن العمل بمنظور سياسي من جانب النقابة لبعض القضايا قد يهدد باتخاذ النقابة موقف واضح وقوي في مواجهة أي انتهاك. فالتعامل السياسي للنقابة ينعكس على قدرتها في اتخاذ موقف قوي للتصدي للاعتداء على محامين بدعوى انتمائهم لجماعات محظورة أو كونهم اسلاميين، أو أيضا بحجة أنهم أساؤوا الأدب أو التصرف[42]. وانتقائية النقابة في الدفاع عن محامين دون غيرهم، يؤدي بشكل عام إلى عدم التفاف جموع المحامين حولها ومن ثم ضعف أي مواقف تتخذها.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.


[1] حسب رأي المحامي مالك عدلي خلال لقاء مع الباحثة في 1-12-2015.
[2] بناء على لقاء اجرته معه الباحثة بتاريخ 1-12-2015.
[3] راجع شعبان هدية، "مقتل عبد الحارث مدني بداية صدام المحامين بالحكومة"، نشر على موقع جريدة اليوم السابع بتاريخ 27-4-2009.
[4] راجع ورقة "الانتهاكات ضد المحامين"، صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
[5] راجع "بالوقائع: ضرب وسب وقتل المحامين..انتهاكات الشرطة ضد الروب الأسود"، نشر على الموقع الالكتروني لجريدة الوطن بتاريخ 12-7-2015.
[6] راجع "واقعة اطلاق أمين شرطة الرصاص على محامٍ بمحكمة مدينة نصر تشعل الأوساط القانونية"، نشر على موقع البوابة بتاريخ 12-7-2015.
[7] راجع "المحامون على صفيح ساخن: أمين شرطة يطلق الرصاص على محام، والنيابة تتحفظ على المتهم والسلاح"، نشر على موقع صدى البلد بتاريخ 12-7-2015.
[8] راجع "مصر: السيسي يعتذر بعد اعتداء شرطي على محامي"، نشر على موقع بي بي سي عربي بتاريخ 7-6-2015.
[9] راجع "الشبكة العربية تدين احتجاز المحامي الحقوقي عبد العزيز يوسف، وتدعو نقابة المحامين لاتخاذ موقف جاد ضد انتهاكات الأمن بحق المحامين"، نشر على موقع الشبكة العربية بتاريخ 18-8-2015. 
[10] راجع "براءة المحامي عبد العزيز يوسف من تهمة التظاهر بدون ترخيص"، نشر على موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان بتاريخ 16-11-2015.
[11] نُشر الخبر على موقع البداية بتاريخ 10-3-2016، تحت عنوان "نيابة زفتى تحبس إسلام سلامة محامي المختفين قسرياً 15 يوم بتهمة الانتماء لجماعة محظورة وحيازة منشورات وكتب".
[12] تنص المادة 51 من قانون المحاماة على: " لا يجوز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه الا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة. ويجب على النيابة العامة ان تخطر مجلس النقابة أو مجلس النقابة الفرعية قبل الشروع في تحقيق أي شكوى ضد محام بوقت مناسب. وللنقيب أو رئيس النقابة الفرعية اذا كان المحامي متهماً بجناية أو جنحة خاصة بعمله أن يحضر هو أو من ينيبه من المحامين، التحقيق. ولمجلس النقابة، ولمجلس النقابة الفرعية المختص طلب صور التحقيقي بدون رسوم."
[13]راجع منشور منى سيف بتاريخ 15-4-2016.
[14] نشر البيان على صفحة نقيب المحامين أ/سامح عاشور على فيسبوك بتاريخ 27-4-2016.
[15] راجع "محامي: مالك عدلي وزيزو عبده تعرضا للضرب المبرح بعد القبض عليهما"، نشر على موقع مدى مصر بتاريخ 6-5-2016.
[16]المرجع السابق نفسه.
[17] نُشر الخبر على الموقع الالكتروني لجريدة اليوم السابع بتاريخ 23-2-2016، تحت عنوان "المحامين تطالب اعضائها بالامتناع عن المرافعة أمام الدائرة 24 جنايات الاسكندرية".
[18] نشر الخبر على الموقع الالكتروني لجريدة اليوم السابع بتاريخ 13-2-2016، تحت عنوان "اضراب المحامين وتعليق العمل بمحكمة ونيابة مطروح احتجاجاً على تعنت النيابة".
[19] بناء على حوار أجرته الكاتبة مع المحامي خالد علي في 26-11-2015.
[20]المرجع السابق.
[21] بناء على حوار اجرته الكاتبة مع المحامي مالك عدلي بتاريخ 1-12-2015.
[22] حسب المحامي خالد علي، خلال الحوار معه.
[23] تنص المادة 198 من الدستور على: "المحاماة مهنة حرة، نشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وسيادة القانون، وكفالة حق الدفاع، ويمارسها المحامي مستقلاً..."
[24] راجع المواد 96 و98 من الدستور.
[25] بناء على حوار أجرته الكاتبة مع المحامية فاطمة سراج في نوفمبر 2015.
[26] نشرت جريدة الوطن نص البيان بتاريخ 22-11-2014، تحت عنوان "منع المحامين من الترافع أمام محكمة احداث مجلس الوزراء".
[27] عمرو الشقاني، "ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصري 1805-2005"، دار الشروق، 2013.
[28] راجع الفصل الثالث "المحاماة: من قاع المجتمع الى قمته 1883-1952" من المرجع السابق.
[29] حسب رأي أستاذ خالد علي خلال لقاء الكاتبة معه.
[30] حسب رأي المحامية فاطمة سراج خلال لقاء الكاتبة معها.
[31] راجع المرجع 10 للمادة 51. تنص المادة 50 على:" لا يجوز القبض على محام أو حبسه احتاطيًا لما ينسب اليه في الجرائم المنصوص عليها في المادة السابقة وجرائم القذف زالسب والاهانة بسبب الأقوال أو كتابات صدرت منه أثناء أو بسبب ممارسته أي من أعمال المهنة المشار اليها في هذا القانون، ويحرر في هذه الحالة مذكرة بما حدث وتحال الى النيابة العامة وتبلغ صورتها الى مجلس النقابة، وللنائب العام أن يتخذ الاجراءات اذا ما كان وقع من المحامي يشكل جريمة يعاقب عليها في قانون العقوبات أو ان يحيله الى مجلس النقابة اذا كان ما وقع منه مجرد اخلال بالنظام او الواجب المهني وفي هذه الحالة تجرى المحاكمة في جلسة سرية. ولا يجوز أن يشترك في نظر الدعوى القاضي أو أحد أعضاء الهيئة التي وقع أمامها الفعل المؤثم".
[32] تنص المادة 54 من قانون المحاماة على: "يعاقب كل من تعدى على محام أو اهانه بالاشارة أو القول أو التهديد أثناء قيامه بأعمال مهنته أو بسببها بالعقوبة المقررة لمن يرتكب هذه الجريمة ضد أحد أعضاء هيئة المحكمة". وقد استعملت محكمة جنح المنصورة، لأول مرة، هذه المادة في 24-3-2016 لمعاقبة شخص تعدى على محام، معترفة بذلك بتلك الحصانة.
[33] تنص المادة 198 من الدستور على: "...ويتمتع المحامون جميعًا أثناء تأديتهم حق الدفاع أمام المحاكم بالضمانات والحماية التي تقررت لهم في القانون مع سريانها عليهم أمام جهات التحقيق والاستدلال، ويحظر في غير حالات التلبس القبض على المحامي أو احتجازه أثناء مباشرته حق الدفاع، وذلك على النحو الذي يحدده القانون".
[34] خلال لقاء مع الكاتبة بتاريخ 1-12-2015.
[35] راجع عمرو الشلقاني، "ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية 1805-2005"، الفصل الثالث "المحاماة: من قاع المجتمع الى قمته"، دار الشروق، 2013.
[36] نقلاً عن كتاب "ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية"، مذكور في المرجع السابق.
[37] راجع بيان النقابة الصادر في 6-5-2016.
[38] راجع "مطالبات دولية عديدة بإطلاق سراح المحامي مالك عدلي"، نشر على موقع مدى مصر في 17-6-2016.
[39] حسب رأي المحامي مالك عدلي خلال حوار الكاتبة معه في 1-12-2015.
[40]راجع "اعتراضات على ادارة ملف محامي دمياط رغم اعتذار السيسي"، نشر على موقع فيتو الالكتروني بتاريخ 7-6-2015.
[41] في مصر، يدخل المحامي نقابة المحامين كمحامي جزئي أو تحت التمرين، ثم بعد سنتان يُقيد في جدول المحامين الابتدائيين لمدة 5 سنوات، ثم يقيد كمحامي استئناف لمدة 10 سنوات، ثم يُقبل للمرافعة أمام محاكم النقض. 
[42] حسب المحامي مالك عدلي خلال حواره مع الباحثة.