رافق انتشار فيروس كورونا في تونس عديد التداعيات والارتدادات الاجتماعية، تمظهرت أحيانا في ارتفاع منسوب النعرات الجهوية خاصة تجاه بعض الأماكن التي يتم الإعلان فيها عن انتشار كبير للوباء، وأحيانا أخرى من خلال نبذ الأجانب والمهاجرين الوافدين من أفريقيا جنوب الصحراء. حيث تعرض في الآونة الأخيرة عديد من المهاجرين إلى الطرد من المنازل التي يقطنون فيها على وجه الكراء بسبب عدم خلاص معلوم الإيجار. كما تعرض كثيرون إلى التحيل من قبل أرباب عملهم حيث رفضوا سداد أجورهم مما أدى إلى تعكر وضعيتهم المالية، بينما تم ترحيل مجموعة أخرى من الأفارقة جنوب الصحراء المقيمين بمركز إيواء المهاجرين في الوردية من تونس إلى الحدود الجزائرية. ترحيل سبقه إضراب مفتوح عن الطعام بداية شهر فيفري بسبب غياب أدنى متطلبات السلامة والوقاية من الكورونا. وأمام هذه الوضعية الصعبة التي يعيشها المهاجرون، سعت بعض منظمات المجتمع المدني لتوفير بعض المساعدات اللازمة بمساعدة البلديات، قبل أن تتدخل الدولة بإقرار بعض التراتيب الاستثنائية لحماية هذه الفئة الهشة.

 

المجتمع المدني يبادر بالتحرك لمساعدة المهاجرين

ارتفع عدد المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس بين سنة 2004 وسنة 2014 بنسبة 66% حيث تطورت أعدادهم من 35 ألفا إلى أكثر من 53 ألفا خلال تلك الفترة. ويشير تقرير نشرته منظمة REACH التابعة للأمم المتحدة والتي تعنى بقضايا حقوق الإنسان بالتعاون مع منظمة Mercy Corps في شهر أكتوبر من سنة 2018 إلى أنّ أكثر من 10 آلاف مهاجر من جنوب الصحراء لا يملكون أي وثائق عبور ويعيشون بشكل غير نظامي في تونس. وأمام تفشي جائحة كورونا وتطبيق الحجر الصحي العام، وجد هؤلاء المهاجرون أنفسهم في وضعية صعبة للغاية بعدما بات عدد كبير منهم اليوم مهددين بالطرد من منازلهم لعدم تمكنهم من خلاص معلوم الإيجار.

واقع أكدته مريم العايب، مديرة مشروع بجمعية "باي by الحوم" التي تعمل على تقديم الإعانات للمهاجرين الأفارقة، حيث أوضحت للمفكرة القانونية أن وضعيتهم صعبة جدا في هذه الفترة. فإضافة إلى تعرضهم للاستغلال الاقتصادي، وجد عدد كبير منهم أنفسهم محالين على البطالة الاجبارية بسبب الحجر الصحي العام، وصاروا غير قادرين على توفير دخل يمكنهم من ضمان الحد الأدنى من متطلبات العيش أو خلاص إيجار المنازل التي يكترونها. كما أن عملهم من دون وثائق إقامة أو عقود عمل صعّب عليهم الوضع أكثر.

ردّة الفعل الأولى بدأت عن طريق عدد من منظمات المجتمع المدني التي تولّت جمع المساعدات المالية والغذائية لإعانة المحتاجين بمعيّة السلطات الجهوية التي تسعى إلى تأسيس قاعدة بيانات للأفارقة جنوب الصحراء توضح أعدادهم وأماكن تواجدهم على امتداد مختلف محافظات البلاد. كما قامت المنظمة الدولية للهجرة بالتعاون مع نقابة القضاة التونسيين وهيئة مكافحة الإتجار بالبشر في 11 أفريل 2020 بإيصال مساعدات غذائية لفائدة مائة شخص من الجالية الإفريقية بتونس (دول جنوب الصحراء)، كما انخرطت عديد البلديات في هذه الجهود من أجل مساعدة المهاجرين الأجانب المقيمين في تونس، حيث حددت بلدية تونس قائمة تجمع بيانات المحتاجين للإعانات، ليتم إغاثتهم إضافة إلى إمداد مركز إيواء المهاجرين بالمساعدات العينية، بالتعاون مع المجتمع المدني، وخاصة جمعيتي ''مرحمة'' و''العون المباشر '' الكويتية.

وفي نفس السياق، ساهمت بلدية المرسى بالضاحية الشمالية للعاصمة بالاشتراك مع جمعية "باي الحوم" الناشطة هناك، في تقديم يد المساعدة للأفارقة من جنوب الصحراء المقيمين بالجهة، وذلك بجمع التبرعات المالية الغذائية والطبية (الكمامات، القفازات...)، ومن ثمّ توزيعها على الفئات الهشة والمحتاجة.

وقد اعتبرت رئيسة دائرة بلدية سيدي داود ورئيسة لجنة التشاركية والحوكمة المفتوحة إيمان الفهري خلال اتصال المفكرة القانونية بها أن دور البلدية في هذه الحملة التضامنية لا يتوقف عند توفير الإعانات، بل وتنظيم توزيعها على مستحقيها. لتضيف: لقد تمكّنا حتى الآن من توفير 150 ألف دينار. كما أننا قمنا بإعداد قائمات تتضمن بيانات من انتفعوا سابقا بالإعانات حتى نتجنب الفوضى ونضمن أن يصل العون إلى الجميع بشكل عادل. أما بخصوص عملية التوزيع، فنحن نسلم ما نجمعه من مساعدات إلى منظمات المجتمع المدني ليقوموا بتوزيعها عبر شاحنة البلدية. وبالنسبة إلى حالات الطرد من المساكن، نحاول في الغالب التدخل بالصلح بين صاحب المنزل والمهاجرين، وإن فشل خيار الصلح، نتكفل نحن بخلاص معلوم الكراء. في نفس السياق، اعتبرت مريم العايب مديرة مشروع بجمعية "باي الحوم" أن عدد المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء الذين يتوافدون لطلب الإعانات ضخم جدا وهو ما يعكس صعوبة أوضاعهم المعيشية خلال هذه الأزمة.

تقييما لعمل الجمعيات والبلديات اعتبر رمضان بن عمر المكلف بالاتصال بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في حديثه للمفكرة القانونية أنه لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الهام الذي لعبه المجتمع المدني خلال هذه الأزمة، والذي كان ينبغي على الدولة القيام به. لكن النقطة السلبية تكمن في ضعف التنسيق أحيانا بين البلديات والجمعيات، مما جعل البعض يتحصلون على الإعانات مرات عدّة في حين حُرم منها آخرون.

 

جائحة كورونا تجبر الدولة على الإلتفات إلى قضية المهاجرين

ظلّ المهاجرون المقيمون في تونس خارج حسابات الدولة خلال فترة طويلة نسبيا منذ تفشي وباء كورونا في تونس. حيث لم يُخصص لهم أي نصيب من الإجراءات الاجتماعية التي أقرتها لفائدة الفئات الضعيفة والمهمشة، ولم يقع تدارك الأمر إلا في مرحلة متأخرة. فقد تمّ اتخاذ أول القرارات لفائدتهم في 7 أفريل 2020 بعد اجتماع وزير الداخلية هشام مشيشي ووزير الشؤون الاجتماعية محمد الحبيب كشو والوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني العياشي الهمامي. جلسة أقرت عددا من الإجراءات تمثلت في تيسير عمل الجمعيات التي تساهم في الإحاطة بالأجانب في تونس، إضافة إلى العمل على تقديم إعانات عينية وأخرى مالية ودعوة مالكي العقارات إلى تأجيل تلقي معلوم الكراء لشهري أفريل وماي. ولعل أبرز قرار تم اتخاذه خلال هذا الاجتماع هو تعليق احتساب الآجال القانونية للإقامة بتونس منذ غرة مارس، فضلا عن تعليق احتساب آجال انقضاء تأشيرة الدخول للبلاد التونسية والتمديد فيها.

كما قامت وزارة حقوق الإنسان والعلاقة مع الهيئات الدستورية ببعث خلية أزمة يوم 8 أفريل الجاري للنظر في وضعية الطلبة والمتربصين والمهاجرين واللاجئين الأجانب بتونس والعمل على تذليل الصعوبات التي تواجههم بسبب إجراءات الحجر الصحي، وذلك بعد عقد اجتماع مع مدير عام حقوق الإنسان بوزارة الداخلية ومدير عام المرصد الوطني للهجرة بوزارة الشؤون الاجتماعية وعدد من رؤساء البلديات وممثلي المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان والجمعيات الناشطة بالمجتمع المدني.

رغم أهمية القرارات المتخذة من طرف الوزارات الثلاث إلا أنها لم تشمل المهاجرين غير نظاميين في تونس، والذين يمثلون أكثر من 20% من مجموع القادمين من جنوب الصحراء. فقد اعتبر رمضان بن عمر المسؤول عن الاتصال بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أنّ الدولة تأخرت في إقرار إجراءات لفائدة الأفارقة من دول جنوب الصحراء. وعندما تحركت أخيرا، تجاهلت المقيمين بصفة غير نظامية. لقد كان من الأحرى تعليق كل التتبعات للمهاجرين غير النظاميين في هذه الفترة وذلك من أجل بناء الثقة بينهم وبين الدولة. إذ حتى في حال انتقلت عدوى وباء كورونا إلى أحدهم الآن فمن المرجح أنه لن يلتزم بالإجراءات التي ضبطتها وزارتي الصحة والداخلية بل ولن يتصل أصلا بالإسعاف لغياب ثقته في مؤسسات الدولة ولخوفه من الترحيل.

هذا وطالب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بيان صحفي يوم 10 أفريل الحكومة التونسية بالقيام بمبادرة وطنية لنشر مناخ من الثقة وطمأنة المهاجرين وطالبي اللجوء بالتكفل رسميا بهم وبتمكينهم من التمتع بالحق في الصحة على قدم المساواة مع المواطنات والمواطنين التونسيين.

 

مركز إيواء الوردية، أو مليلة تونس

لا يختلف مركز إيواء المهاجرين غير النظاميين بالوردية – تونس عن مركز استقبال المهاجرين غير النظاميين بمليلة – إسبانيا [1]على مستوى سوء المعاملة وانتهاك حقوق الإنسان والتعتيم الإعلامي. حيث يقبع الآن في المركز حوالي 52 مهاجرا في ظروف مهينة إضافة إلى غياب أدنى متطلبات الوقاية والسلامة الصحية من انتشار فيروس كورونا المستجد، بالإضافة إلى أن الإدارة المشرفة على المركز الخاضع لسلطة الحرس الوطني التابعة لوزارة الداخلية، لا تسمح لأي جمعية ناشطة في مجال حقوق الإنسان بمعاينة المركز ووضعية المقيمين داخله. وأمام هذا الوضع المأساوي، دخل عدد من المهاجرين الأفارقة في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجا على ظروف احتجازهم وانعدام إجراءات الوقاية من كورونا داخل المركز.

في هذا السياق اعتبر المكلف بالإعلام بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر في تصريحه للمفكرة القانونية أن مركز إيواء المهاجرين غير النظاميين بتونس لا يختلف في نسبة انتهاكه لحقوق المهاجرين على مركز مليلة بإسبانيا. فتقريبا كل الانتهاكات التي ندينها هناك تُمارس هنا، ابتداء من سوء المعاملة وعدم توفير أدنى ظروف السلامة الصحية خاصة في ظل تواجد فيروس كورونا في تونس، إضافة إلى ذلك فنحن ممنوعون من معاينة وضعية المهاجرين بالمركز فهو مغلق في وجه جميع منظمات المجتمع المدني. أما أبرز انتهاك ندينه فهو الترحيل القسري، فأغلب المهاجرين الذين يتم إيواؤهم يقع ترحيلهم فيما بعد وهو ما يعتبر انتهاكا لأساسيات حقوق الإنسان.

رغم الإجراءات الهامة التي تم اتخاذها لمساعدة المهاجرين في تونس إلا أنّ عددا من منظمات المجتمع المدني اعتبرتها غير كافية في ظل تواصل فتح مركز الإيواء بالوردية وتدهور الأوضاع في مركز الإيواء بمنطقة بن قردان، حيث يُحشر عشرات الأفراد في أماكن ضيقة وغير صحية دون مراعاة للخطر المحدق بحياة المحتجزين في ظل انتشار وباء كورونا. لكن الحراك الذي قادته منظمات المجتمع المدني واستجابة الحكومة لضرورة التخفيف من معاناة المهاجرين، قد تكون فرصة جدية لإحداث تغيير جذري في سياسة الدولة تجاه هذا الملف.

 


[1] الاطلاع على مقال على خطى الحكومة الإيطالية إسبانيا تحتجز 800 تونسيا استعدادا لترحيلهم – أسامة عثمان – المفكرة القانونية – 06 مارس 2020