نحو إعلان حالة طوارئ لحق العمل في لبنان


2019-12-10    |   

نحو إعلان حالة طوارئ لحق العمل في لبنان

ألقيت هذه الكلمة في المؤتمر الصحافي المنعقد في مكتب المفكرة القانونية، بالتعاون مع المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين وتجمع المهنيات والمهنيين.

إنه كالوباء… فخلال آخر 8 أيام من شهر تشرين الأول 2019 – بعد إندلاع إنتفاضة 17 تشرين – تلقى الخط الساخن التابع للجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين 56 شكوى متعلقة بالصرف من الخدمة في لبنان. وقد وصل عدد المتصلين إلى 198 أجيراً مصروفاً في شهر تشرين الثاني، ليصل إلى 493 أجيراً مصروفاً في أوّل 5 أيام فقط من شهر كانون الأول. وبحسب بعض الإستطلاعات، هناك أكثر من 160.000 أجيراً وأجيرة خسروا أو هم بصدد خسارة وظائفهم بصورة مؤقتة أو دائمة خلال الشهرين الماضيين.

كما تلقينا خلال الأسبوعين الماضيين 205 حالة تخفيض لمعاشات العمّال، كل ذلك فضلاً عن مخاوف من تعرّض مئات الحالات الخاصة المرتبطة بالعمّال الأجانب وعاملات المنازل لمزيد من الهشاشة والاستغلال من خلال تخلف أصحاب العمل عن تجديد إقاماتهم وتأخير دفع أجورهم الشهرية بفعل الأزمة. وما كنّا نشهده منذ سنوات من عمليات إنتحار لعاملات المنازل بفعل وحشية نظام الكفالة، بدأنا نشهده في الآونة الأخيرة مع أجراء لبنانيين اكتشفوا هم أيضاً الدرك الذي وصلت إليه هشاشة أوضاعهم.

وفي حين أصبح من المُسلّم به أن البلاد غارقة بأزمة غير مسبوقة ستقضي فعلياً على العديد من القطاعات الإنتاجية، فإن الإنهيار شبه الفوري والعام للاستقرار الوظيفي في عموم القطاعات الإنتاجية، ومنها ما حقّق أرباحاً طائلة في الأعوام السابقة، يعكس في الكثير من حالاته مسعًى لاستباق الخسائر من خلال التخلص من عبء الرواتب، وهو مسعى ما كان يمكن تحقيقه لولا استباحة غير مسبوقة هي أيضاً للأجراء بفعل هشاشة أوضاعهم. هذه الهشاشة تنتج عن أربعة عوامل مختلفة:

1- ضعف الحماية النقابية، والتي تجلت في الصمت المدوّي للإتحاد العمّالي العام، الذي أصبح ممثلاً للنظام السياسي المهيمن أكثر مما هو ممثل للعمال. ولا مجال لتفعيل العمل النقابي من دون إلغاء الترخيص المسبق الذي شكل عاملاً لضربه وتأطيره،

2- ضعف الحماية القانونية. وهذا ما يتحصل من المادة 50 فقرة “واو” من قانون العمل والتي تنظم الصرف لأسباب اقتصادية. وهي تضع على أصحاب العمل موجباً بالتشاور مع وزارة العمل بانعكاس هذه الأسباب على الوظائف فيها، قبل شهر واحد من موعد الصرف. وعدا عن أن هذه المهلة غير كافية للتتحقق من حقيقة أوضاع أصحاب العمل، فإن القانون لا يلزم صراحة صاحب العمل، بإبراز مستندات ثبوتية معينة، وإن طوّر إجتهاد مجالس العمل التحكيمية هذه المسألة عند توصيفه للصرف، وتحديداً اذا كان تعسفياً.

3- ضعف حماية وزارة العمل، لأسباب عدة أبرزها النقص في عديد المفتشين مما يمنعها من ضبط مخالفات أصحاب العمل والتحقيق فيها ويبقي غالباً الأجراء فريسة لما يجري فيها. وفيما نسجل إيجاباً إعلان الوزارة عن إنشاء لجنة طوارئ لدرس طلبات التشاور، نسجل بالمقابل أكثر حالات الصرف وتخفيض الأجور تجري اليوم على قدم وساق في مئات المؤسسات بعيداً عن أعين الوزارة.

4 ضعف الحماية القضائية. وهي تتأتى من إطالة أمد دعاوى العمل لتصل إلى معدل ثلاث سنوات ونصف، وفق دراسة أجرتها “المفكرة القانونية” هذه السنة. ومن أسباب الإطالة: (أ) إرهاق مجالس العمل التحكيمية بكمّ الدعاوى في ظل تقاعس الحكومات المتعاقبة عن تنفيذ المرسوم رقم 729 الصادر بتاريخ 02/10/2014 بإنشاء غرف إضافية في مجالس العمل التحكيمية؛ أو (ب) في انتداب العديد من رؤساء غرف المجالس لمهام قضائية إضافية في تشكيلات 2017. ومن البديهي أنه في نزاعات كهذه تحديداً، فإن أي عدالة مؤخرة تقارب اللاعدالة حيث يشكل أمد الدعاوى عاملاً ضاغطاً يرغم الأجراء على قبول القليل بفعل الحاجة، مما يفقدهم حماية القانون كلها. وهذا ما كان تحسّب له القانون حين وضع مهلة 3 أشهر لبت دعاوى الصرف.

بناء عليه، ونظراً لما قد يُنتج عن هذا الوضع من تفاقم لهشاشة العمال، ندعو إلى إعلان حالة طوارئ وطنية لضمان الاستقرار الوظيفي، عملاً بالعدالة الاجتماعية المكرسة في الفقرة “ج” من مقدمة الدستور، وذلك من خلال الإجراءات التالية:

1- من وزارة العمل:

  • إطلاق أوسع حملة إعلامية توعويية حول ضرورة التضامن والتكافل الإجتماعيين مع ما يستتبعه من حقوق للأجراء وواجبات على أصحاب العمل وذلك بنفس قوة حملتها لحماية اليد العاملة اللبنانية إزاء العمالة الأجنبية،
  • تفعيل خط ساخن للتبليغ عن أي مسعى لفرض تخفيض على الراتب أو صرف جماعي، ونحن (في “المفكرة القانونية” و”المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين”) مستعدون للتعاون في هذا الخصوص،
  • تفعيل عمل مفتشيها قدر الممكن والاستعانة بما توفر من موارد بشرية لضبط المخالفات قبل حصولها، فلا تترك الأجيرة في أي حالة وحيدةً أمام ضغط لقمة العيش،
  • عدم تسجيل طلبات التشاور لدى الوزارة إلا بعد التثبت من اكتمال المستندات الضرورية للتحقق من توفر شروط الصرف الاقتصادي منعاً لسريان مهلة الشهر المنصوص عنها في المادة 50 فقرة “واو” المذكورة،
  • تحرير توجهات عامة لمفوضي الحكومة أمام مجالس العمل التحكيمية بهدف حماية الأجراء وإنشاء وحدة قانونية لتزويدهم بما قد يحتاجون إليه من استشارات ونماذج، لإنجاز مطالعاتهم ضمن أقصر المهل،
  • بانتظار إلغاء الترخيص المسبق لإنشاء نقابة الذي نطلبه بشدة، اعتماد آليات لتسهيل الترخيص للنقابات وتسريعه وتحرير مخالفات بحق أي مؤسسة تنتهك الحرية النقابية،
  • إتخاذ الخطوات الضرورية بالتعاون مع وزارة العدل لتنفيذ المرسوم رقم 729/2014 بإنشاء غرف إضافية لمجالس العمل التحكيمية.

2- من الهيئات القضائية بالتنسيق مع وزارة العدل:

  • تعجيل مجالس العمل التحكيمية النظر في دعاوى الصرف التعسفي وبخاصة الجماعية منها، إلتزاماً بالمهل القانونية،
  • إعفاء رؤساء مجالس العمل التحكيمية من المهام القضائية الإضافية عند وجودها مع انتداب قضاة إضافيين لترؤس هيئات أخرى للمجالس، مع توفير ما أمكن من طاقات قضائية كانتداب خريجي معاهد الدروس القضائية والمتدرجين لمساعدة المجالس لإنجاز مهامهم.

3- من مجلس النواب:

أ- إقرار إتفاقية المنظمة الدولية للعمل رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحق التنظيم دون أي تحفظ، لا سيما لجهة إلغاء الترخيص المسبق، تمكيناً للأجراء من الدفاع عن أنفسهم،

ب- تعديل نص المادة 50 فقرة (واو) من قانون العمل الناظمة للصرف الإقتصادي على النحو الآتي:

  • لتشمل تخفيض رواتب الأجراء وصرفهم لأسباب إقتصادية على حد سواء،
  • لتمديد مهلة إبلاغ وزارة العمل لتصبح ثلاثة أشهر بدلاً من شهر واحد،
  • ليفرض على صاحب العمل إبراز المستندات الضرورية لتمكين وزارة العمل من إجراء تحقيق حول أوضاع هذا الأخير،
  • أن تبدأ المهلة فقط بعد تسليم المستندات،
  • أن يبقى التخفيض أو الصرف مشروطاً بموافقة مسبقة من وزارة العمل أو مجلس العمل التحكيمي المختص.

ج- النظر على وجه السرعة في اقتراح القانون باستبدال مجالس العمل التحكيمية بقضاة منفردين على أن يحصر التعديل في فترة زمنية معينة بانتظار إعادة إحياء التمثيل النقابي الصحيح.

كما ندعو نهاية جميع الأجراء إلى بذل الجهد لتأسيس نقابات واتحادات تمهيداً لاستعادة الاتحاد العمالي العام. كما ندعو القوى النقابية والطلابية ومجمل قوى الانتفاضة إظهار أعلى مستوى من التضامن والتكافل الاجتماعيين. فالرد الصحيح على صناعة هشاشة المواطن المستمرة منذ 30 سنة هو صناعة القوة بفعل التضامن والتكافل. فلنكن معاً في هذا الاستحقاق أيضاً.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حقوق العمال والنقابات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني