منع معارضين “من الظهور في الأماكن العامة”: أو حين تحكم السلطة هيمنتها على الفضاء العام


2023-07-22    |   

منع معارضين “من الظهور في الأماكن العامة”: أو حين تحكم السلطة هيمنتها على الفضاء العام
رسم عثمان سلمي

باتت القضية التي اصطلح على تسميتها قضيةالتآمر على أمن الدولة عنوانًا لـ”سوابق قضائية” لم تشهدها محاكمات سابقة، بما يؤكد ليس فقط حجم الخروقات القانونية، ولكن أيضا مدى ارتباك السلطة السياسية وأداتها القضائية في إدارة هذه القضية. ارتباكٌ انطلق منذ معاينة أوراق مدلّسة في أوراق القضية دفعت هيئة الدفاع لتقديم شكاية جزائية ضد وزيرة العدل ليلى جفال، لا زالت حتى الساعة مركونة في أدراج النيابة العمومية. ثم تفاقم مع انتشار سردية هيئة الدفاع التي نجحت في إظهار الطابع السياسي للقضية وكيديّة تهمها وخواء قرائنها، مما دفع إلى إصدار قاضي التحقيق المتعهد قرارًا بمنع التداول الإعلامي في القضية، بما يتعارض مع حرية التعبير والنشر والحق في النفاذ للمعلومة القضائية. مسلسل “السوابق” أخذ منحى جديدًا بمناسبة قرار دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس، بتاريخ 13 جويلية 2023، بالإفراج عن موقوفيْن في القضية هما شيماء عيسى ومحمد لزهر العكرمي مقابل رفضه في حق بقية المعتقلين السياسيين الستّة (محمد خيام التركي وغازي الشواشي وعبد الحميد الجلاصي وعصام الشابي وجوهر بن مبارك ورضا بالحاج). لكن بعد ساعات، انتشر خبر، لم يبلغ المفرح عنهما ولا محاموهم رسميا به ولا أثر له إلى حينه في دفتر قرارات دائرة الاتهام، ومضمونه تحجير السفر عليهما ومنعهما من الظهور في الأماكن العامة. هذا القرار قضائي الشكل والسياسيّ الغاية، تأكّد بعد أيّام من ترويجه من طرف بعض أنصار الرئيس، ليقيم الدليل مجددًا على الارتباك في إدارة ملف القضية عبر خروقات قانونية غير مسبوقة باتت لصيقة بالمحاكمات السياسية على وجه الخصوص.

يلحظ أن هذا القرار صدر بعد نشر مشاهد احتفاء بالإفراج عن عيسى والعكرمي على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي مشاهد لم تخلُ من تأكيدهما على الاستمرار في المواجهة السياسية.  

“قضاء التسريبات” وسؤال الشفافية مجددًا

ليست المرّة الأولى التي لا تعلن فيها القرارات القضائية في المحاكمات السياسية عبر القنوات الرسمية للاتصال القضائي، ولا يعلم بها المعنيون بها وهيئة الدفاع، بل تُعلن من المقرّبين من السلطة على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. إذ منذ 25 جويلية 2021 يقود هؤلاء حملات إعلامية بالوكالة ضد المعارضين عبر التشويه وتزييف الحقائق بغاية الدفاع المستميت عن السلطة وتبرير جميع قراراتها، حتى تحوّلوا إلى ناطقين شبه رسميين باسمها. إذ بات هؤلاء الوكلاء مصدرا للمعطيات القضائية قبل إعلانها بعنوان “سبق قضائي”، سواء بغاية الإعلام الاستباقي لتحشيد الرأي العام أو لقياس ردود الأفعال لدى المعنيين بالقرار، وهو ما يعكس طبيعة كواليس الشأن القضائي في تونس اليوم.

أثار الخبر “المسرّب” عن تحجير السفر على عيسى والعكرمي مع منعهما من الظهور في الأماكن العامة السؤال حول صدقيّته. وقد تبيّن لفريق الدفاع، في بداية الأسبوع، أنّ القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي عادت إليه الولاية الشاملة للملف بصدور قرارات دائرة الاتهام بخصوص مطالب الإفراج، ليس على علم بصدور هكذا قرار. فقاضي التحقيق المتعهد بالملف يقضي عطلته السنوية، والنيابة العمومية، المكلفة بتطبيق القرارات القضائية، أكدت بدورها عدم علمها بأيّ قرار من هذا النوع.

ولكن تباعًا، أعلن الناطق الرسمي باسم محكمة الاستئناف بتونس، في تصريح إذاعي يوم الإثنين 17 جويلية 2023، أن دائرة الاتهام المختصة بالنظر في “قضايا الإرهاب” انعقدت في جلسة جديدة يوم الجمعة 14 جويلية 2023 أي في اليوم الموالي لجلسة النظر في الإفراج عن المعتقلين السياسيين في قضية “التآمر”، لتصدر قرارًا بتحجير السفر ومنع الظهور في الأماكن العامة إثر “طلبات جديدة” من الوكالة العامة. جلسة جديدة في غير موعدها الأسبوعي انعقدت بذلك من دون علم المحامين مطلقًا ومن دون تمكينهم من الاطلاع على طلبات الوكالة العامة ولا من تقديم تقاريرهم.

كما تبيّن أنه لم يتمّ تدوين القرار في دفتر قرارات الدائرة إلاّ صبيحة يوم الثلاثاء 18 فيفري 2023، والدفتر هو الوسيلة الكتابية الرسمية للاطلاع العلني على قرارات دوائر الاتهام. ليُطرح السؤال: كيف أعلن شخص لا يُعرف إلاّ أنه مقرّب من السلطة، القرار القضائي مساء يوم الجمعة أي مباشرة بعيْد انعقاد الجلسة “خلسة” وقبيل إعلانه رسميًا من الناطق الرسمي باسم محكمة الاستئناف أو من تدوينه في دفتر قرارات الدائرة؟ فهو إما علم به من قضاة الدائرة أنفسهم، أو من النيابة العمومية بمحكمة الاستئناف، أو من وزارة العدل المتابعة لملف القضية.

بالنهاية، من البيّن أن جلسة دائرة الاتهام “الاستثنائية” لم تكن إلا بتوجيه لتدارك فرض “تدابير” بعد السهو عن المطالبة بها في جلسة النظر في الإفراج عن المعتقلين، فأُريد بذلك “تصحيح” أدّى، بالنهاية، إلى انحراف جسيم بالإجراءات وضمانات المحاكمة العادلة.

جلسة “خلسة”.. انحرافات خطيرة وخرق لحق الدفاع

انعقدت دائرة الاتهام، إذًا، في اليوم الموالي لنظرها في الإفراج عن المعتقلين السياسيين، من دون سابق علم للنظر في طلبات جديدة قدمتها الوكالة العامة بمحكمة الاستئناف بعيْد الإفراج عن شيماء عيسى ومحمد لزهر العكرمي. فأصدرت قرارًا يتضمن تدابير احترازية (تحجير السفر وتحجير الظهور في الأماكن العامة) بما يكشف عن إنحرافات إجرائية بالجملة:

1- طلبات جديدة متأخرة من الوكالة العامة

نظرت دائرة الاتهام في جلستها بتاريخ 13 جويلية 2023 في مسألة الإفراج عن المعتقلين، سواء استئناف النيابة في قرار الإفراج عن شيماء عيسى، أو استئناف هيئة الدفاع لقرارات رفض مطالب الإفراج عن بقية المعتقلين، إضافة إلى استئناف رفض الرجوع في قرار منع التداول الإعلامي. لم تتضمن طلبات الوكالة العامة بمحكمة الاستئناف أي طلبات لاتخاذ تدابير احترازية من أيّ نوع. إذ اكتفت الوكالة بطلب رفض الإفراج عن جميع المعتقلين، ولم تطلب، ولو احتياطيًا، اتخاذ تدابير احترازية في صورة الإفراج.

بيد أنّ الوكالة العامة، إثر صدور قرار الإفراج، قدّمت طلبات جديدة متأخرة لتدارك عدم مطالبتها السابقة لجلسة 13 جويلية بفرض تدابير احترازية ولا حتى المطالبة خلال الجلسة ذاتها، بما يكشف عن خرق جسيم للإجراءات. وقد سايرتها دائرة الاتهام التي عقدت جلسة استثنائية في اليوم الموالي من صدور قرار الإفراج وتنفيذه، أي يوم 14 جويلية 2023، وأقرت تدابير احترازية في حق عيسى والعكرمي. بذلك يؤكد فتح الباب للوكالة العامة تقديم طلبات متأخرة تتحدّد بحسب نتيجة قرار دائرة الاتهام، ثمّ انعقاد الدائرة نفسها في بضع ساعات من هذه الطلبات والمصادقة عليها من دون علم المتهمين ولا محاميهم، واقع الإخلال بمبدأ المساواة بين النيابة والدفاع أمام القضاء الجالس.

2- رفع ولاية دائرة الاتهام

عقدت دائرة الاتهام الجلسة الاستثنائية للنظر في طلب فرض تدابير احترازية والحال أن ولايتها رُفعت قبل يوم بسابقية إصدارها لقرارها النهائي في الإفراج بمقتضى الاستئناف المنشور أمامها والمتعلق بالمعنيين بالإفراج. وبذلك فهي خالفت قواعد الاختصاص، ذلك أن دائرة الاتهام انعقدت كمحكمة استئناف وليس لها النظر في طلبات جديدة خارجة عن موضوع الاستئناف المقدم من جهة وبخصوص أشخاص سبق وبتّت بخصوص موضوع الاستئناف المتعلق بهم ثانيا.

3- خرق شرط التزامن بين الإفراج والتدبير الاحترازي

أقرّت الدائرة، في الأثناء، تدابير احترازية بعد يوم من قرار الإفراج بما يخرق شرط التزامن، ذلك أن الفصل 86 الوارد في القسم السادس “الإفراج المؤقت” من باب “التحقيق” في مجلّة الإجراءات الجزائية، نصّ على التزامن بين الإفراج من جهة والتدابير الاحترازيّة من جهة أخرى. ولا يمكن تاليًا النظر في الإفراج على حدة والتدبير الاحترازي على حدة والحال أنهما وحدة موضوعية، باعتبار أن الأول قد يكون مشترطًا بالثاني، فلا يمكن إصدار قرار بالإفراج غير المشروط وتنفيذه ثمّ لاحقا إصدار قرار جديد يغيّر صنف الإفراج من غير مشروط إلى مشروط.

4- خرق شرط التعهد بالتدبير الاحترازي قبل إقراره

في ذات السياق، تكشف الصيغة التشريعية في الفصل 86 من مجلة الإجراءات الجزائية، الذي ينصّ على ألاّ “يفرج مؤقتا عن المظنون فيه إلا بعد أن يتعهد لقاضي التحقيق باحترام التدابير…”، على وجوب تعهّد المعني باحترام التدبير الاحترازي. يستلزم ذلك إعلامه بالتدبير من الجهة القضائية (قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام) أولًا، ثمّ تسجيل موافقته على “الإفراج المؤقت المشروط” ثانيا ليتم تنفيذه ثالثًا. بيد أن الدائرة أصدرت قرارها بالإفراج غير المشروط، ثم عادت بعد يوم وأضافت شرطًا لاحقًا بعد تنفيذ الإفراج نفسه، وهو ما يخالف النص التشريعي. ولتدارك خللِ عدم إعلام المعنيين بالتدبير اللاحق، جرت محاولة للإعلام بالطريقة الإدارية لتدارك العبث الإجرائي وتبرير القرار “الاستثنائي”.

5- خرق حقّ الدفاع (حق الاطّلاع وتقديم طلبات كتابية)

ينضاف إلى كلّ الإخلالات السابق ذكرها، انحراف قد يكون الأشدّ خطورة، وهو انعقاد دائرة الاتهام في جلستها “الاستثنائية” من دون علم مطلق للمحامين، في محو مباشر لحق الدفاع تواصلت مفاعيله تباعًا. فإلى ساعة متأخرة من يوم الخميس 13 جويلية 2023، تاريخ إصدار قرارات دائرة الاتهام بخصوص الإفراج وتدوينه حالًا بالدفتر المعدّ للغرض كما عاينت هيئة الدفاع، لم يتمّ إعلام الهيئة بتعيين جلسة “جديدة” في اليوم الموالي، أي في غير الموعد الأسبوعي لعقد الدائرة جلساتها. صدر بذلك قرار التدابير في خرق للفصل 114 من مجلة الإجراءات الجزائية وذلك أولًا بمنع الاطلاع على الملف بما يشمل طلبات النيابة وثانيًا منع تقديم طلبات كتابية. نظرت بذلك دائرة الاتهام في الطلبات الجديدة للوكالة العامة “استجابة للطلب” ومن دون تمكين المحامين من حقوقهم المكفولة قانونًا.

لم تكن الآلة القضائية، هذه المرة، بحاجة إلى احترام الشكليات الجوهرية التي أورثت قرارها الضعف والهوان، إذ أنّ مستلزمات السرعة في اتخاذ القرار اكتسبت أولوية على تطبيق النصوص القانونية وتكريس حقّ الدفاع. جلسة منعقدة “خلسة” من دون علم المعنيين ولا محاميهم، ومن دون تمكينهم من الاطلاع على طلبات النيابة ومن دون تقديم تقارير. لينتهي المسلسل-المهزلة بالعلم بالقرار عن طريق “قنوات التسريب القضائي”.

تحجير الظهور في الأماكن العامة.. إقامة جبرية مقنّعة

علاوة على الخروقات الجسيمة في المسار الإجرائي لاتخاذها، تؤكد التدابير الاحترازية بذاتها حقيقة “السوابق” حول الانحرافات المسجّلة في قضية “التآمر”. فالتدبير الأول وهو تحجير السفر، جرت العادة على اتخاذه تزامنًا مع الإفراج عن المتهمين بالخصوص في القضايا السياسية، مع العلم أن شيماء عيسى سبق وصدر ضدها قرار بتحجير السفر من قاضي التحقيق العسكري في جانفي 2023[1]. بيد أن التدبير الثاني وهو “منع الظهور في الأماكن العامة” فهو غير مسبوق مطلقًا، بل هو تدبير “مستحدث” إذ لم يرد في أيّ نص قانوني.

فالفصل 86 من مجلة الإجراءات الجزائية حدّد 5 تدابير احترازية يمكن فرضها للإفراج عن المظنون فيهم[2]، ولا يوجد، في أيّ منها تدبير “منع الظهور في الأماكن العامة”. والتدبير الوحيد الذي يشابهه هو الذي جاء ثالثًا في قائمة الفصل المذكور وهو “المنع من الظهور في أماكن معيّنة”. وهو يستهدف بالخصوص منع المظنون فيهم من الظهور في أماكن حدوث الجريمة أو تلك التي تتابعت فيها آثارها، ويستلزم أن يحددها القاضي على وجه الدقة والتفصيل، ولا يجوز التوسع فيه مطلقًا ليشمل “الأماكن العامّة”. بذلك فإنّ التدبير المتخذ من دائرة الاتهام هو تدبير مستحدث منها، وهو غير وارد جملة وتفصيلا في مجلة الإجراءات الجزائية.

ولا ريب أنّ في اتخاذ هذا التدبير “المستحدث” تعسّف مطلق على المعنيين به، باعتبار أنّ مفهوم “الأماكن العامة” يكتفي بركن العلنية فقط، بما يجعل أيّ مكان يسمح للمعني بالأمر بأن يظهر للعلن هو بمثابة المكان العام. بذلك فهو يشمل الشوارع العامة والساحات والحدائق. يتبيّن بذلك أن هذا التدبير “المستحدث” ليس في الواقع إلا غلافا قضائيا مصطنعا لقرار بالإقامة الجبرية، وهو الإجراء الذي لجأت إليه السلطة السياسية بعد 25 جويلية ضد سياسيّين[3].  بل هو أكثر تعسفًا وتضييقًا من الإقامة الجبرية التي تسمح بظهور الشخص في أماكن علنية باعتبار أن الإقامة الجبرية قد تنحصر في منطقة ترابية أو بلدة معيّنة فقط.

إضافة لما سبق، يخالف التدبير “المستحدث” حرية التنقل وحقّ الشخص في اختيار مقرّ إقامته وفي التنقل داخل الوطن، والمضمونة دستوريًا (الفصل 30 من دستور الرئيس)، وهو يتعارض مع الضوابط الدستورية لتقييد الحريات العامة تطبيقًا للفصل 55 أيضًا. إذ لا يجوز تقييد أيّ حرية إلا بمقتضى قانون وبغاية مشروعة يقتضيها نظام ديمقراطي وبتحقق الضرورة، وهي ضوابط لم يحترمها التدبير في مقدمتها أنه تدبير غير شرعي (لا نصّ يجيزه) فضلا عن أنّه غير مشروع ولا ضروري.

ما الغاية من التدبير “السياسي”؟

من البيّن أنّ التدبير السياسي-الأمني المغلّف قضائيًا بمنع ظهور كل من شيماء عيسى ومحمد لزهر العكرمي في الأماكن العامة، يستهدف ظاهرًا رفع الحرج عن السلطة السياسية والقضائية في آن بإظهار الطابع “المشروط” للإفراج. فهو يستهدف، في جوهره، منعهما من استئناف نشاطهما السياسي والميداني والإعلامي بعد قضائهما خمسة أشهر في سجنيْ منوبة والمرناقية على التوالي.

فهذا التدبير يأتي في سياق قرار قضائي سابق بمنع التداول الإعلامي في القضية، وذلك بغاية فرض حالة من التعتيم على قضية “التآمر على أمن الدولة” وتقييد تداولها في الفضاء العام بصفة مطلقة. فبعد انتشار سردية هيئة الدفاع وإقناعها بالطابع الكيدي للتهم الموجهة للمعارضين، تخشى السلطة أن يزيد استئناف عيسى والعكرمي لنشاطهما السياسي أو تصريحاتهما المفترضة أمام العلن، في إحراجها أمام الدوائر الحقوقية المحلية والأجنبية.

أمّا إذا كانت السلطة تعتبر قرار منع الظهور في الأماكن العلنية اختبارًا تشترطه من جهتها لتسريح بقية المعتقلين السياسيين، فذلك يعكس خطورة جسيمة، بما أنّه يحقق غايتها من إثارة المحاكمات السياسية برمتها وهي تقييد ممارسة المعارضين “المزعجين” للحريات العامة وتحديدًا حريات التعبير والاجتماع والإعلام. وقد كانت “قضية القهوة” في حدّ ذاتها مثالا بليغا على ذلك، حيث اعتبر داخلها مجرّد عقد معارضين لاجتماعات وتقديمهم تصريحات إعلامية، قرائن لارتكاب جرائم أمن دولة وأخرى ذات صبغة إرهابية. بذلك يكون القرار استباقًا لفرض استقالة وجوبية من الشأن العام على المعارضين.

من جانب آخر، كان بالإمكان فرض هذه التدابير في احترام ظاهريّ للإجراءات، بيد أن الانحرافات غير المسبوقة المسجّلة تعكس ارتباكًا في إدارة الملف القضائي عمومًا وفي البتّ في مسألة الإفراج عن المعتقلين السياسيين في قضية “التآمر” خصوصًا. وهو ما يعزّز الشكوك حول الإدارة السياسية البحتة للقضية. فيما تكشف هذه الانحرافات بذاتها عن مدى انخراط الآلة القضائية في الاستجابة لصدى السلطة في المحاكمات السياسية، وهو ما يزيد في إضعاف الثقة في المؤسسة القضائية.


[1] أصدر قاضي التحقيق الأوّل بالمحكمة العسكرية الدائمة بتونس بتاريخ 19 جانفي 2023 قرارًا بتحجير السفر عن شيماء عيسى في القضية العسكرية المثارة ضدها على خلفية تصريح إعلامي حول علاقة الجيش بالسلطة. وقد أُحيلت عيسى على الدائرة الجنائية بالمحكمة العسكرية بتونس في هذه القضية التي حُدّد تاريخ جلستها المقبلة يوم 3 أكتوبر 2023.

[2] التدبير الخمسة هي اتخاذ مقر بدائرة المحكمة، وعدم مغادرة حدود ترابية يحددها القاضي إلا بشروط معينة، والمنع من الظهور في أماكن معينة، وإعلام لقاضي التحقيق بالتنقلات لأماكن معينة، والالتزام بالحضور لدى قاضي التحقيق كلما دعاه لذلك والاستجابة للاستدعاءات الموجهة له من السلط فيما له مساس بالتتبع الجاري ضده.

[3]  يبيح أمر الطوارئ لعام 1978 لوالي الجهة بإصدار قرار بالإقامة الجبرية. وقد صدرت قرارات بالإقامة الجبرية ضد القياديين بالنهضة نورالدين البحيري وفتحي البلدي وقضاة بينهم البشير العكرمي، قبل رفعها لاحقًا.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، قرارات قضائية ، حرية التعبير ، حرية التجمّع والتنظيم ، مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، احتجاز وتعذيب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني